ترجمة وتحرير: نون بوست
ليس بالضرورة أن تكون في الصحراء لكي يخدعك السراب، فأحيانًا تكون الأوهام أشد وقعًا وأنت في مأمن، تنشر صورًا من حوض السباحة لابنتك المراهقة وحياتك المرفهة في مدينة حيث “الاحتمالات لا تنتهي”، كما هو الحال عادةً لبنات المليارديرات في الملاذات الضريبية. لكن تلك الصورة تنفجر فجأة في سحابة دخان صاروخ اعترضته الدفاعات الجوية، لتترك امرأة أخرى بملابس النوم تخبر متابعيها على إنستغرام – كما فعلت بيترا إكلستون مؤخرًا – أنها انتقلت إلى دبي “لتشعر بالأمان”، ولم يكن للحرب أي ذكر.
من كان يتوقع أن العيش على بُعد بضع مئات من الأميال من طائرات طهران المسيرة قد ينطوي على مخاطر؟ بالتأكيد ليس مدير صندوق التحوط المجهول الذي صرح للفايننشال تايمز غاضبًا: “لم يكن التعرّض للتوترات الجيوسياسية عند الانتقال إلى دبي أمرًا مطروحًا“.
ولكن إذا كان من الصعب التعاطف مع الأثرياء وهم يكتشفون أن هناك بعض الأشياء التي لا يمكن للمال شراؤها، فإنهم ليسوا البريطانيين الوحيدين العالقين في الخليج؛ فقد شكلت دبي فرصة للمهاجرين الاقتصاديين – أي البريطانيين الباحثين عن حياة أفضل في الخليج، مهما كره البعض هذه التسمية – حيث قدمت ذلك الملاذ المشمس واللامع والمعقم ومنخفض الجريمة لأي شخص يتوق لتحقيق الثراء أو للبقاء ثريًا، مدعومًا بعقوبات صارمة لأي شخص يكسر تلك الأوهام علنًا.
إلى جانب مديري الثروات، ووكلاء العقارات، وزوجات الأثرياء ذوات البشرة المشدودة، اجتذبت دبي نصيبها من مؤيدي الإصلاح الذين يروجون من نواديهم الشاطئية لفكرة تدهور لندن؛ ومؤثرين يبحثون عن خلفيات فاخرة لفيديوهاتهم؛ وخبراء العملات الرقمية، وخبراء التكنولوجيا، ومختلف أنواع الساعين وراء الفرص. لكن جاء خلفهم، وعلى درجات أقل بكثير من السلم المالي، جيش من العمال المؤقتين الشباب لتنظيف مسابحهم، ورعاية أطفالهم، وتعليمهم البيلاتس، وكثير منهم لديهم عائلات في الوطن قلقة عليهم بشدة. يمكنك أن تشمت إن شئت بأنهم يكتشفون الآن سبب بقاء الآخرين في منازلهم تحت المطر، لكن الشماتة تبدو أمرًا غير أخلاقي عندما ينام إخوانهم في الإنسانية في أقبية منازلهم بينما يحاول النظام الإيراني قتلهم.
يقدر عدد البريطانيين العالقين في منطقة الخليج بسبب الحرب بنحو 300 ألف شخص: من الأزواج الذين يقضون شهر العسل وكانوا يغيرون الطائرات، إلى المسافرين من رجال الأعمال، والعاملين في مجال الإغاثة الذين كانوا في إجازة لبضعة أيام من مناطق الحرب، والأسر التي تزور أقاربها. لم يكن معظمهم يتوقعون أن تصلهم الحرب كما لم نتوقع أن تصلنا نحن في بريطانيا، حيث ستصل قريبًا في بصورة أقل فتكًا تتمثل في ارتفاع فواتير الغاز وأسعار البنزين، واضطراب سلاسل التوريد، وجاليات المغتربين التي تنتظر بفارغ الصبر أخبار أحبائها، وكل الغضب الذي قد يطلقه ارتفاع التضخم ضد حكومة حزب العمال في الوقت الذي بدا فيه الانتعاش الاقتصادي وشيكًا.
تستغل هذه الحرب الترابط كسلاح، أو الطرق المتعددة التي تصبح بها الصدمات البعيدة حول العالم أقرب إلى البلاد بفضل حركة الأشخاص والأموال والسلع ومقاطع الفيديو على تيك توك التي يصوّرها أشخاصٌ تشعر وكأنهم أصدقاء لأنك تشاهدهم يوميًا وهم يتحدثون أثناء وضعهم المكياج.
لماذا تستفز إيران، وهي تحت النار، غضب العالم العربي لا تعاطفه، عبر إمطار فنادق دبي ومصافي النفط السعودية ومنشآت الغاز الطبيعي المسال القطرية بالطائرات المسيّرة؟ من الواضح أن الهدف هو دفع جيرانها إلى الضغط على الأمريكيين، ولكنها أيضًا تظهر لواشنطن أنها إذا سقطت فإنها ستجرّ معها المنطقة. تتمثل إستراتيجية إيران في جعل منطقة الخليج بأسرها تبدو مكانًا خطيرًا للغاية للاستثمار أو قضاء عطلة شتوية أو الاعتماد عليها في إمدادات الطاقة: لقطع صلاتها بالعالم الخارجي. نظام منبوذ، ومنغلق ومعزول، يهاجم دولًا يعتمد ازدهارها على الانفتاح، مستغلًا علاقاتها بالغرب كورقة ضغط. ودبي هي أوضح الأهداف من حيث التأثر بالغرب، وهي بالأخص عرضة للضغوط لأنها مبنية على أشخاص يتمتعون بروح المعاملات الكافية للانتقال للمكان الذي تتدفق إليه الأموال.
أكتب هذا من فرنسا، حيث تشير صحيفتي الصباحية أن بالي هي دبي الجديدة بالنسبة للمؤثرين: وجهة جذابة، ومناسبة بشكل لا نهائي لالتقاط الصور على إنستغرام، ولكنها أرخص، والأهم من ذلك أنها ليست مجاورة لإيران. لذا ربما سيحزم البعض حقائبهم وحوامل كاميراتهم ويغادرون، تلاحقهم مطالب زعيم الديمقراطيين الليبراليين، إد ديفي، بفرض ضرائب على البريطانيين في الخارج تحسبًا لتدخل الجيش لإنقاذهم مجددًا (دعونا نقل فقط إنهم قد يرغبون في البحث في جوجل عن “التوترات في بحر الصين الجنوبي“).
شخصيًا، إن كان هناك شيء أريده من صانعي المحتوى في دبي أكثر من أموالهم، فهو أن يستخدموا نفوذهم. الآن وقد عرفوا شعور الفرار من القنابل المتساقطة، أود أن يوقفوا المحتوى الممول لحظة ويتأملوا الدروس من هذه النسخة الفاخرة للجوء. لماذا لا يستغلون تلك الروابط بالعالم الخارجي التي تسعى إيران لتدميرها، ويتحدثوا إلى ملايين متابعيهم على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب عن انعدام الأمان في طريق الهجرة، وعن أن الانتقال للخارج بحثًا عن حياة أفضل – كما يفعل الملايين يوميًا في ظروف أشد خطرًا – ليس بالسهولة التي يتظاهر بها البعض؟
إذا أردت أن تصبح ثريًا في دبي أو تموت وأنت تحاول، فهذا شأنك. لكن فقط إذا شعرت بنفس الشيء تجاه كل مهاجر اقتصادي آخر: لأنك، شئت أم أبيت، واحد منهم.
المصدر: الغارديان