في 4 من آذار/مارس الحالي، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع عددًا من الإعلاميين والناشطين في القصر الجمهوري، في اجتماع أثار جدلًا واسعًا بعد نشر صور أظهرت وجود امرأة واحدة فقط بين عشرات الحاضرين، ما أعاد طرح تساؤلات حول تمثيل النساء في اللقاءات الرسمية.
لم يقتصر الجدل على محدودية الحضور النسائي، بل امتد إلى تكرار ظهور مجموعة من الإعلاميين والناشطين أنفسهم في أكثر من مناسبة رسمية، ما دفع متابعين على وسائل التواصل الاجتماعي إلى التساؤل عن المعايير والآليات المعتمدة في توجيه الدعوات.
ورغم الحضور المهني المتزايد للنساء في الإعلام السوري، داخل البلاد وخارجها، ما تزال مشاركتهن في بعض المحافل الرسمية محدودة. وفي هذا التقرير يحاول “نون بوست” استكشاف أسباب هذا الغياب، وما إذا كان ناتجًا عن تهميش مقصود أم خلل في آليات التنظيم والاختيار. ولفهم الأسباب استطلع “نون بوست” آراء عدد من الإعلاميات والناشطات العاملات في سوريا، منهن الإعلامية والناشطة في مجال حقوق المرأة يافا نواف.
وجود تجميلي
دُعيت نواف مرتين لمقابلة الرئيس، وكان اختيارها في البداية نتيجة معرفة نشاطها في هذا المجال، لكن آلية الاختيار تغيرت لاحقًا، وصارت مرتبطة بمجموعة من الأشخاص المقربين من القصر يحضرون هذه المناسبات في كل مرة، بحسب ما تقوله في حديث لـ”نون بوست”.
وتضيف نواف أن الإعلاميات لا يحصلن على الفرص ذاتها، إذ غالبًا لا تتم دعوتهن إلى مثل هذه الفعاليات، بل يعلمن بحدوثها بعد نشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن أي تساؤل عن أسباب عدم دعوتهن يُقابَل في كثير من الأحيان بحملات هجوم وتنمر وتشويه، مع تسخيف حضور النساء وربطه فقط بالتقاط الصور.
وترى نواف أن حضور النساء في مواقع صنع القرار ما يزال محدودًا للغاية، باستثناء وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، واصفة هذا الحضور بأنه “وجود تجميلي لا أكثر”، كما تعتبر أن تركيبة مجلس الشعب وآلية اختيار النساء فيه تشكّل دليلًا واضحًا على ذلك.
وتعتقد أن ما يحدث هو عملية منظمة لاستبعاد النساء الفاعلات، مقابل استقطاب نساء من توجه واحد لا يمتلكن تأثيرًا حقيقيًا، ولا ينقلن معاناة النساء اللواتي لا يشتركن معهن في الرأي أو الخلفية الفكرية، ما ينعكس بدوره على غياب قضاياهن عن النقاش والبحث عن حلول.
من جهتها، تقول الصحفية العاملة في الداخل السوري وئام عبد القادر إنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في فعالية رسمية بهذا المستوى، وإن كانت قد حصلت على دعوات مشابهة بمستويات “أقل تأثيرًا”.

وتضيف في حديثها لـ”نون بوست” أن كل حدث من هذا النوع يثير حالة من الاستهجان في الوسط الإعلامي، إذ ترتفع وتيرة النقد وتُطرح تساؤلات حول المعايير المعتمدة في اختيار المدعوين.
وتتساءل الصحفية عما إذا كانت الخبرة والاختصاص يُؤخذان في الحسبان، أو ما إذا كان هناك حرص على تحقيق توازن بين فئات المجتمع، كما تطرح احتمال أن تكون المشاركة الثورية معيارًا للاختيار، قبل أن تشير إلى أن صورة واحدة مختصرة من اللقاء كفيلة بنسف هذه الفرضيات جميعًا.
وتلفت إلى أن مشاهد الحضور في هذه اللقاءات غالبًا ما تتشابه، إذ تتكرر الوجوه نفسها مع تغييرات طفيفة في مواقع الأشخاص داخل الصورة، وأحيانًا استقطاب وجوه جديدة، لكنها، بحسب قولها، نادرًا ما تتضمن وجوهًا نسائية.
ويبقى السؤال الأهم، برأيها، مع تكرار حضور الشخصيات ذاتها القادرة على لقاء الرئيس في مناسبات مختلفة: ما الجديد الذي يمكن أن تقدمه هذه الشخصيات من أفكار؟
وتصف عبد القادر الصورة التي جمعت الرئيس مع عدد من الناشطين والإعلاميين بأنها “صادمة”، إذ تظهر امرأة واحدة فقط بين أكثر من ثلاثين رجلًا، معتبرة أن وجود امرأة واحدة من منطقة “محررة حديثًا” يشكّل، بحسب تعبيرها، “قفزًا مؤلمًا على تاريخ وتجارب العديد من الإعلاميات والناشطات السوريات اللواتي عملن سابقًا في مناطق شمال سوريا”.
وترى عبد القادر أن مشاركة النساء في مراكز صنع القرار ما تزال خجولة، خاصة في المستويات المتوسطة والعليا، مؤكدة الحاجة إلى إجراءات قانونية ملزمة، مثل نظام الكوتا، لضمان مشاركة أوسع للنساء.
وتحذّر من أن استمرار تهميش النساء وغياب التمثيل الحقيقي، كميًا ونوعيًا، في مختلف المجالات يرسخ صورة ذهنية ناقصة ويكرّس اتجاهًا واحدًا في صناعة القرار.
فكل ما يمس الحياة العامة، من قرارات وأفكار ومبادرات، سيُصاغ في هذه الحالة من منظور ذكوري فقط، دون أخذ احتياجات النساء ومصالحهن في الاعتبار، وهو ما قد يخلق فجوة بين القوانين الناظمة للحياة العامة وبين احتياجات النساء الفعلية.
ما رمزية الصورة؟
لم يقتصر النقاش حول غياب النساء في هذا الاجتماع على الوسط الإعلامي فقط، إذ يرى خبراء سياسيون أن له دلالات رمزية ورسائل عن المستقبل.
ويقول الباحث في العلوم السياسية وصناعة السياسات العامة وائل مرزا، في منشور عبر “فيسبوك”، إن ثمة “شيئًا غير متسق وغير مريح” في الصورة المنشورة عن لقاء الرئيس بالناشطين والإعلاميين.
ويضيف مرزا: “ثمة سؤال بسيط يفرض نفسه: هل يليق بحدث يُراد له أن يكون مساحة مصارحة وطنية أن يضم أكثر من خمسين ناشطًا وإعلاميًا، ولا تحضر فيه من النساء إلا امرأة واحدة؟ لا نقول هذا من باب المجاملة الشكلية، ولا استجابة لضغط خطاب عالمي، وإنما لأن المرأة السورية كانت شريكة كاملة في الألم والصمود والعمل العام طوال سنوات المحنة”.
ويتابع الباحث: “فحين تُبنى الدولة من جديد، فإن صورة طاولة الحوار نفسها تصبح رسالة رمزية عمّن نرى أنهم جزء من هذا المستقبل. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو المشهدية بحاجة إلى مراجعة هادئة فقط لتكون على قدر أعلى من الاتساق مع حقيقة المجتمع السوري ونبل ثورته العظيمة”.
نمط ثابت أم حالة محددة؟
للوقوف على الأسباب من منظور الخبراء الإعلاميين، تحدث مدير المركز الصحفي السوري، أكرم الأحمد، لـ”نون بوست”، عن عاملين رئيسيين يحددان حضور النساء، مشيرًا إلى أنه لا يمكن الجزم ما إذا كانت محدودية دعوة الإعلاميات إلى لقاءات رسمية من هذا النوع تمثل نمطًا ثابتًا أم مجرد حالة مرتبطة بظرف محدد.
يتعلق السبب الأول بالتركيبة الفعلية لقطاع الإعلام، إذ إن نسبة النساء العاملات فيه مقارنة بالرجال منخفضة، وقد تكون أقل من 10٪، خاصة إذا كان الحديث عن العاملين الذين بقوا في سوريا حتى بداية عام 2025، فيما قد تكون هذه النسبة أعلى قليلًا في قطاع منظمات المجتمع المدني.
كما أن نسبة النساء في الصف الأول من الإدارات الإعلامية محدودة، وفي الغالب يتم توجيه الدعوات إلى الفاعلين أو إلى الشخصيات الموجودة في المستويات القيادية الأولى.
أما السبب الثاني فيرتبط بآلية الاختيار، التي يتوقع الأحمد أن تتم عبر ترشيحات غير رسمية أو دوائر علاقات مهنية ضيقة، وهو ما يؤدي إلى ضعف تمثيل النساء وتكرار حضور بعض الأسماء.
ولا يعتقد الأحمد أن المشكلة مقصودة بالضرورة، لكنه يؤكد أن الرسالة الرمزية لمثل هذه اللقاءات تبقى مهمة للغاية، فمشاركة النساء في الاجتماعات التي تجمع النشطاء والعاملين في قطاع الإعلام أو ممثلي المجتمع المدني مع السلطات والقيادات السياسية تحمل دلالة خاصة، وتعكس الشراكة المجتمعية التي تسعى الدولة إلى ترسيخها.
ويرى أن وجود تمثيل نسائي أوسع في مثل هذه اللقاءات يمنح المشاركة صدى أكبر، ويسهم في إثراء النقاشات المرتبطة بالقرار السياسي أو المجتمعي.
الدعوات الفردية وآثارها
وبحسب الأحمد فإن جزءًا من المشكلة يكمن في طبيعة الدعوات نفسها، إذ غالبًا ما تُوجَّه إلى أفراد وليس إلى مؤسسات. وكان من الأفضل، بحسب رأيه، توجيه الدعوات إلى المؤسسات، لأن الدعوات الفردية قد تؤدي إلى ثلاث نتائج سلبية.
أولى هذه النتائج هي تمثيل غير متوازن، إذ تُدار العلاقات عبر أشخاص بعينهم، ليصبح معيار المشاركة هو اسم الشخص لا القطاع الذي يمثله. وفي هذه الحالة تظهر فجوات في التمثيل، سواء على مستوى النساء، أو المناطق، أو الأجيال، أو التيارات المهنية.
والنتيجة الثانية فهي غياب المساءلة، فالمؤسسات التي ترسل ممثلين عنها يمكن مساءلتها في حال عدم تمثيلها بشكل صحيح، بينما تغيب هذه المساءلة في حالة الدعوات الفردية، وقد لا يكون بعض الأفراد قادرين على طرح هموم القطاع أو القضايا التي عُقد الاجتماع من أجلها.
أما النتيجة الثالثة فتتمثل في إعادة إنتاج شبكات النفوذ، إذ يسعى الأفراد إلى بناء علاقات شخصية لضمان حضورهم في مثل هذه اللقاءات، وهو ما قد يؤثر سلبًا في القطاع الإعلامي ككل.
ويؤكد الأحمد أنه لا يعرف الآلية الدقيقة التي تُدار بها الدعوات، إلا أن تحليله يستند إلى تكرار ظهور بعض الوجوه، وهو ما يمكن قراءته من عدة زوايا. أبرزها بحسب قوله، البحث عن “قنوات آمنة”، أي اختيار أشخاص يُعتقد أنهم قادرون على إثراء الحوار دون تصعيد أو صدامات، لكن هذا الخيار قد يؤدي في المقابل إلى إضعاف التعددية والتشاركية.
أما الزاوية الثانية فتتعلق بتكرار حضور أسماء نشطة على بعض المنصات، حتى وإن لم تكن مصنفة ضمن الخبراء أو الفاعلين في القطاع التنظيمي أو الإداري، إذ قد يُنظر إليهم بوصفهم صناع محتوى اجتماعي يمكن الوصول إلى جمهورهم. في حين ترتبط الزاوية الثالثة بالاعتماد على الأفراد بدل المؤسسات، نتيجة ضعف البنى المؤسسية أو تراجع الثقة بها.
وبينما يستمر الجدل حول محدودية تمثيل النساء في المحافل الرسمية، تتساءل إعلاميات وناشطات عما إذا كانت الاجتماعات المقبلة ستشهد مشاركة نسائية أوسع تعكس الحضور المهني المتزايد لهن في الفضاء العام.