يوماً بعد آخر، تصبح الساحة العراقية من الساحات الإقليمية الأكثر تأثراً بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وهو واقع بدأ يتجسد بشكل واضح، سواء على مستوى تصاعد حدة الهجمات المسلحة بين فصائل عراقية موالية لإيران والقوات الأمريكية، أو بطبيعة الاستهدافات التي تنفذها هذه الفصائل ضد مواقع جماعات المعارضة الكردية الإيرانية في إقليم كردستان العراق، أو حتى عبر هجمات عابرة للحدود، كما حدث مع الكويت منذ بداية الحرب.
وفي هذا الإطار، لم يكن الواقع الاقتصادي في وضع أفضل من الواقع الأمني المتصاعد؛ فقد شهدت الساحة العراقية ارتباكاً واضحاً في استقرار الأوضاع الاقتصادية، خصوصاً مع قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز وتوقف تصدير النفط العراقي إلى الخارج، فضلاً عن تعثر التجارة الحدودية بسبب أجواء الحرب، بالإضافة إلى مسارات تأثير أخرى لهذه الحرب طالت قطاعات الطاقة الكهربائية والتعليم والبيئة في البلاد.
ومما لا شك فيه أن تأثر العراق بأجواء الحرب القائمة في إيران لا يعود في أسبابه الرئيسية إلى الارتدادات الخارجية لهذه الحرب، خصوصاً إذا ما قارنّا مستوى التصعيد الأمني في العراق ودول الخليج، بل يعود سببه الرئيسي إلى وجود محفزات سياسية وأمنية داخلية تحاول ربط العراق بعجلة الصراع الإقليمي، وتحديداً على مستوى العلاقة العضوية التي تربط الفصائل المسلحة العراقية بإيران، وكذلك رغبة الجانب الأمريكي في إزالة آثار التهديد المباشر الذي تمثله هذه الفصائل على حلفائها في المنطقة، وتحديداً إسرائيل.
بين التصعيد الأمني والتهديد السياسي
شهد العراق خلال الأيام الماضية تصعيدًا أمنيًا ملحوظًا بين الفصائل المسلحة والقوات الأمريكية، وبدت مساحات هذا التصعيد متداخلة في آن واحد، ورغم أن الجانب الأكبر من هذا التصعيد تركز بشكل أساسي حول قاعدة (حرير) والقنصلية الأمريكية في أربيل، إلا أن هذه الهجمات لم تُلحق أضرارًا بالغة بالمواقع الأمريكية حتى الآن. وفي مقابل ذلك، وسّعت القوات الأمريكية من دائرة الاستهداف في الداخل العراقي، لتشمل مواقع للفصائل المسلحة في الموصل والأنبار وصلاح الدين وجرف الصخر وجنوب بغداد وبادية السماوة، وألحقت خسائر مادية وبشرية في صفوف هذه الفصائل.
هذا التصعيد، رغم كونه داخليًا حتى الآن، إلا أنه يمثل ارتدادًا واضحًا للحرب الجارية في إيران؛ إذ تدرك الفصائل المسلحة الموالية لإيران أنها، وبعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أصبحت أمام تهديد وجودي يتعلق بمستقبل وجودها في العراق، سواء على مستوى بقائها ككيانات مسلحة أو تفككها. وفي ظل عدم تمكن القوى السياسية العراقية، وحتى حكومة تصريف الأعمال التي يقودها محمد شياع السوداني، من إيقاف الهجمات الأمريكية، اختارت هذه الفصائل أن تنخرط في سياق هذه الحرب، انطلاقًا من حالة التضامن العضوي بين إيران وحلفائها في المنطقة.
إن مؤشرات التصعيد التي دفعت الفصائل المسلحة للانخراط في الحرب الحالية قائمة بالأساس على ذاكرة سابقة في التعامل مع الولايات المتحدة. فحتى قبل الحرب الأخيرة بأيام، كانت هناك ضغوط أمريكية كبيرة تحاول استبعاد الفصائل المسلحة من المشاركة في الحكومة العراقية الجديدة، كما رفضت الولايات المتحدة اختيار رئيس وزراء قريبًا من هذه الفصائل وإيران. وحتى قبل ذلك، عرقلت الولايات المتحدة تشريع قانون جديد للحشد الشعبي. كل هذه المؤشرات جعلت الفصائل المسلحة تدرك أنها أصبحت اليوم أمام تهديد وجودي في العراق، خصوصًا إذا ما أدت الحرب الحالية في إيران إلى إسقاط النظام؛ عندها سيكون السؤال الأبرز في العراق: ما هو مستقبل هذه الفصائل المسلحة، وهل ستسمح الولايات المتحدة ببقائها؟
إن تحدي البقاء الذي تواجهه الفصائل المسلحة اليوم في العراق دفعها إلى تبني خيارات ذاتية للمواجهة، حتى لو افترضنا جدلًا أنه لا يوجد طلب إيراني بمشاركتها في هذه الحرب، كما سبق أن عبّر عن ذلك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الأيام الأولى لهذه الحرب. فقد اختارت المواجهة في النهاية. فضلًا عن ذلك، فإن عدم وجود مركزية في القرار الفصائلي العراقي يوضح أنه لا يوجد إجماع بينها على الانخراط في الحرب الحالية؛ ففي الوقت الذي تتصدى فيه فصائل مسلحة مثل كتائب حزب الله العراقي، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب الإمام علي، لمشهد المواجهة مع القوات الأمريكية، التزمت فصائل أخرى خيار الصمت، خصوصًا أنها تجد نفسها اليوم منخرطة في تفاهمات تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، وبالتالي فإن هذا يؤكد حقيقة التفكك الحاصل في الخارطة الفصائلية في العراق.
مما لا شك فيه أن المشهد الأمني في العراق سيشهد تصعيدًا أكبر في الفترة القادمة، وقد لا تتوقف مسارات هذا التصعيد عند حدود الهجمات المتبادلة، بل قد تتجه القوات الأمريكية نحو استهداف شخصيات وقيادات فصائلية معروفة، أو حتى استهداف معسكرات كبرى لهذه الفصائل. وفي مقابل ذلك قد تلجأ هذه الفصائل إلى شن هجمات تطال أصولًا أمريكية وجنودًا أمريكيين، ما قد يجعل الأوضاع تخرج عن السيطرة في العراق. وبالتأكيد فإن تجاوز هذا الحد من التصعيد سيتوقف بشكل أساسي على المستوى الذي ستصل إليه الحرب في إيران مستقبلًا.
فراغ دستوري وارتباك سياسي
في خضم هذا التصعيد الأمني والتعقيد الاقتصادي الذي يواجهه العراق، تشهد الساحة السياسية ارتباكًا واضحًا في التعاطي مع الحرب الحالية في إيران؛ فتعثر الحكومة العراقية في النأي بالعراق عن حالة الحرب في المنطقة يعكس، بشكل أو بآخر، عدم وجود إرادة سياسية واضحة لتجنيب العراق تداعيات هذه الحرب، وذلك لأن أغلب القوى السياسية العراقية، وتحديدًا الإطار التنسيقي، لا يملكون هامش مناورة سياسية في هذا الإطار. فسكوتهم يُفسَّر أمريكيًا على أنه دعم للهجمات التي تشنها فصائل مسلحة موالية لإيران، ودعمهم لأي إجراءات حكومية تهدف إلى إيقاف هذه الهجمات قد يُفسَّر إيرانيًا على أنه دعم للموقف الأمريكي، ولذلك فإن مثل هذا التصور أثّر حتى على مسألة اختيار رئيس الوزراء الجديد في ظل الوضع السياسي الحالي الذي تمر به البلاد.
ورغم إعلان حكومة السوداني، في أكثر من مناسبة خلال الحرب الحالية، أن الحكومة العراقية هي من تحتكر قرار السلم والحرب، إلا أنها حتى الآن فشلت في ترجمة هذا الشعار على أرض الواقع؛ فهي من جهة لم تمنع الفصائل المسلحة من شن هجماتها، ومن جهة أخرى لم تمنع الولايات المتحدة من الرد عليها. وبالتالي فإن مثل هذا السلوك المتعثر سيجعل الحكومة العراقية في وضع صعب للغاية، فيما لو توسع نطاق التصعيد الأمني الحالي في العراق ليشمل دول الجوار، الأمر الذي سيجعل تداعيات هذه الحرب أكبر على العراق في الفترة المقبلة.
إن عدم وجود إرادة سياسية حقيقية للحد من التصعيد الأمني الحاصل في العراق سيجعل السؤال الأبرز في مرحلة ما بعد هذه الحرب يتعلق بمستقبل سلاح هذه الفصائل، وطبيعة علاقتها بالدولة، والأهم وضعها الإقليمي ضمن التصور الإيراني. وبغض النظر عما إذا كانت نتيجة هذه الحرب هي سقوط النظام في إيران، أو خروج إيران منها ضعيفة، فإن المهم هنا هو إعادة النظر في طبيعة المنظومة الأمنية العراقية، التي سقطت عمليًا مع أول اختبار إقليمي حقيقي تشهده منطقة الشرق الأوسط على صعيد العلاقات الأمريكية الإيرانية.
إن العراق سيكون أحد أبرز الدول تضررًا من الحرب الحالية؛ ففي الوقت الذي قد تنجح فيه العديد من الدول في تجاوز تداعيات هذه الحرب، إلا أن العراق سيواجه تحديًا كبيرًا للغاية، خصوصًا على مستوى مستقبل التوازنات السياسية في البلاد، ومدى ارتباطها بأي فراغ قد تتركه إيران في العراق، وطبيعة النظرة الأمريكية لمستقبل العراق في مرحلة ما بعد الحرب على إيران، فهل هل ستترك مجالًا لإيران تتحرك فيه، أم ستستفرد بالكامل بالمشهد العراقي؟ وهذه تصورات ستحدد بالكامل مستقبل مكانة العراق في المعادلة الإقليمية الجديدة لما بعد الحرب مع إيران.
