مع احتدام الحرب بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى، ظهرت تقارير تتحدث عن محاولة واشنطن و”تل أبيب” استمالة التنظيمات الكردية الإيرانية لفتح جبهة داخلية ضد نظام طهران.
وكشفت وكالة رويترز أن مسؤولين إسرائيليين يجرون محادثات مع فصائل كردية إيرانية لبحث عملية تهدف للسيطرة على مدن حدودية مثل أشنوية وبيرانشهر، وأن الغارات الإسرائيلية على غرب إيران تهدف إلى تهيئة الأرضية لهذه الفصائل.
وأشارت إلى أن خمسة تنظيمات كردية تعهدت بالتحرك، لكن حجمها الذي يقدر ببضعة آلاف وتسليحها الخفيف يجعلان إسقاط النظام أمراً غير واقعي دون دعم جوي وأسلحة ثقيلة.
ما أدوات الدعم المحتملة؟
1- التواصل السياسي والاستخباراتي: تؤكد مصادر رويترز أن مسؤولين إسرائيليين عقدوا اجتماعات سرية مع قادة أكراد منذ عام. كما تحدثت تقارير عن مشاورات بين المخابرات الأمريكية والفصائل الكردية بشأن توقيت الهجوم وكيفيته.
في المقابل، صرح مسؤولون في حزب حرية كردستان PAK لوسائل إعلام أن اتصالاتهم مع واشنطن تركزت على “مستقبل إيران” وليس على تسليحهم.
2- الدعم الإعلامي والأمني: نقلت سكاي نيوز البريطانية عن مصادر كردية أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” تنفذان حملة جوية لاستنزاف مواقع الحرس الثوري في كردستان لتمهيد الطريق لعبور المقاتلين.
ويقول بعض المقاتلين إنهم يملكون خلايا سرية داخل إيران توفر معلومات استهداف للقوات الأمريكية والإسرائيلية.
3- استثمار الجغرافيا الحدودية: حثت واشنطن قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي والاتحاد الوطني الكردستاني على تسهيل عبور القوات الكردية الإيرانية، لكن الطرفين عبرا عن رغبتهما في عدم التورط خشية انتقام إيران، وفق مجموعة الأزمات الدولية.
4- وعود المرحلة التالية: يقول محللون إن بعض الفصائل تتطلع إلى ضمانات سياسية في مرحلة ما بعد النظام، مثل الاعتراف بحكم ذاتي على غرار إقليم كردستان العراق. إلا أن واشنطن ترفض حتى الآن تقديم ضمانات محددة.
من هم الأكراد الإيرانيون؟
يشكل الأكراد ثالث أكبر مجموعة عرقية في إيران بعد الفرس والآذريين وتختلف تقديرات أعدادهم من مصدر لآخر، إذ يقدرهم المعهد البريطاني (CPIN) بين 7 و15 مليون نسمة أي نحو 8–17% من سكان إيران، بينما يقدّر مجلس العلاقات الخارجية عددهم بين 10 و15 مليوناً.
يتركز الأكراد في شريط جبلي شمال غربي البلاد، في محافظات كردستان وكرمانشاه وإيلام وغرب أذربيجان، إضافة إلى جيوب في همدان وقزوين. وتمثل هذه المناطق حدوداً طبيعية مع العراق وتركيا وسوريا، ما يمنح الجماعات الكردية مجالاً للجوء أو الإمداد ولكنه يعرضها أيضاً لحصار شديد من قِبل الحرس الثوري والجيش الإيراني.

للصراع الكردي‑الإيراني جذور تاريخية، فبعد سقوط جمهورية مهاباد الكردية القصيرة في 1946، أصدر آية الله الخميني عام 1979 فتوى بالجهاد ضد الأحزاب الكردية، ما أدى لحرب أهلية في المحافظات الكردية. ومنذ ذلك الحين، تعرضت المناطق الكردية لقمع مستمر شمل إعدامات جماعية وعمليات تهجير وتعريب.
ورغم أن دستور إيران نص على المساواة بين كل الأعراق، تشير تقارير الحكومة البريطانية إلى أن الكرد يعانون من تمييز مؤسسي في الحصول على الخدمات العامة، وأن من ينشطون سياسياً أو ثقافياً يواجهون الاعتقال والسجن بتهم أمنية فضفاضة.
كما أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية متردية؛ فمحافظات الأكراد تُعد من أفقر مناطق إيران، رغم احتوائها على موارد طبيعية.
ويؤكد تقرير لـ New Lines Institute أن هذه الأقاليم تعاني من ضعف التنمية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وأن الهوية الكردية تُعامل كتهديد أمني يؤدي إلى قمع ممنهج يشمل حظر التعليم باللغة الكردية وإغلاق المنظمات الثقافية.
وأعادت الاحتجاجات التي اندلعت بعد مقتل الكردية مهسا أميني في سبتمبر/أيلول 2022 القضية الكردية إلى الواجهة.
فقد وثّقت هيومن رايتس ووتش إعدام ثلاثة رجال أكراد بتهم التجسس بعد صيف 2025 وتزايد استخدام عقوبة الإعدام ضد الكرد، بينما أفادت الشبكة الكردية لحقوق الإنسان باعتقال أكثر من 100 شخص في المناطق الكردية في الذكرى الأولى لوفاتها.
فيما أشار تقرير New Lines إلى أن الأكراد رغم نسبتهم التي لا تتجاوز 17% من السكان، فقد شكّلوا 47% من المعتقلين السياسيين في 2025. وعززت هذه الوقائع الشعور بالاضطهاد ورفعت سقف المطالب من تحسين حقوق ثقافية واقتصادية إلى تقرير المصير أو الفيدرالية.
من يحمل السلاح فعلاً؟
رغم كثرة الأحزاب الكردية الإيرانية، فإن التنظيمات المسلحة الفاعلة قليلة، وأبرزها:
1- الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI): أقدم الأحزاب، تأسس عام 1945 ويطالب بفدرالية ديمقراطية. يمتلك نحو 1200 مقاتل ينتشرون في معسكرات بإقليم كردستان العراق. تتركّز قواعده في مناطق مهاباد وبوكان وسردشت وأشنوية.
2- حزب حرية كردستان (PAK): حزب راديكالي تأسس في التسعينيات ويعد حليفاً مقرباً للحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي. يضم نحو ألف مقاتل، وشارك في الحرب ضد تنظيم داعش وتلقى تدريباً ودعماً من التحالف الدولي. اعترفت قيادته بوجود تواصل مع واشنطن و”إسرائيل” لكنها نفت تلقي أسلحة مباشرة.
3- حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK): الجناح الإيراني لحزب العمال الكردستاني، تأسس عام 2004 ويرتبط بقوة بقوات سوريا الديمقراطية. لديه جناح عسكري هو “وحدات شرق كردستان” (YRK) قوامه بين 1000 و3000 مقاتل. يُعد أكثر التنظيمات خبرة ويملك خلايا سرية داخل إيران، لكن تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تصنفه منظمة إرهابية.
4- كومله: اسم يطلق على عدة فصائل يسارية انفصلت عن بعضها. يحمل عدد منها السلاح، لكن أعداد مقاتليها غير معلومة، ويقع مقرها الرئيسي في السليمانية.
5- حركة خبات: تنظيم قومي-إسلامي صغير بقيادة بابا شيخ حسيني الذي أكد مؤخرا أن تنفيذ عملية برية “محتملة جداً” وأن واشنطن اتصلت بهم بصورة غير مباشرة.
وشكلت التنظيمات الخمسة في 22 فبراير/شباط تحالفاً باسم ائتلاف قوى كردستان الإيرانية واتفقت على تنسيق جهودها لإسقاط النظام، لكن توحيدها لا يخفي ضعفها العددي وانقسامها الأيديولوجي.
وتشير تقديرات رويترز وسكاي نيوز إلى أن مجموع مقاتلي هذه الفصائل يتراوح بين 5 و10 آلاف، معظمهم بأسلحة خفيفة.
كما أن هناك مئات من المخضرمين الذين حاربوا داعش عادوا من سوريا والعراق للانضمام إلى هذه القوات، إلا أنهم يحتاجون إلى دعم جوي وإمدادات لوجستية، ويواجهون قيوداً فرضها اتفاق أمني بين بغداد وطهران عام 2023 يقضي بإبعاد معسكراتهم عن الحدود ونزع أسلحتهم الثقيلة.
ما حدود الرهان؟
حتى لو صحت الأنباء عن محاولات استمالة، يبقى الرهان على الأكراد الإيرانيين محدوداً وعالي المخاطر. فهذه الفصائل صغيرة العدد وتعاني من انقسامات أيديولوجية؛ ومعظم قواتها معزولة في معسكرات شمال العراق وتفتقر للأسلحة الثقيلة.
وفق تقرير رويترز، لا يزيد إجمالي المقاتلين عن 8 آلاف، ما يجعل السيطرة على مدن حدودية ممكنة، لكن إسقاط نظام يمتلك جيشاً وقوة جوية أمراً بعيد المنال.
كما أن إيران حشدت قوات كبيرة في المحافظات الكردية ونقلت قواعد صاروخية ومسيرات إلى الأنفاق الجبلية، ما يعني أن أي توغل سيواجه مقاومة عنيفة قد تؤدي لمجازر بحق المدنيين.
هناك أيضاً معارضة إقليمية؛ فتركيا تعتبر PJAK امتداداً لحزب العمال الكردستاني “بي كا كا” وتخشى أن يشجع أي دعم غربي انفصالية كردية جديدة.
ووقع العراق بدوره مع إيران اتفاقاً أمنياً عام 2023 يقضي بإبعاد المقاتلين الأكراد عن الحدود، إذ لا ترغب هذه الدولة العربية في تحويل أراضيه إلى منصة للهجوم.
كما أن القيادة الكردية العراقية تعتمد اقتصادياً وأمنياً على إيران والولايات المتحدة في آن واحد، ما يدفعها لرفض استخدام أراضيها لشن هجمات.
إلى جانب ذلك، يُخشى أن يؤدي الدعم الخارجي للأكراد إلى تعزيز النزعة القومية الإيرانية وحشد المجتمع حول النظام، مثلما حدث خلال حروب سابقة.
علاوة على ذلك، تتحسب القوى الكردية من تكرار “خيانة” الولايات المتحدة بسبب رفضها تقديم ضمانات، ما يثير مخاوف الأكراد من تكرار سيناريو “استخدموهم ثم تخلوا عنهم” كما حدث بعد حرب الخليج الأولى.
ويؤكد المحلل فلاديمير فان فيلجنبرج أن الأكراد لن يتحركوا دون ضمانات من واشنطن لأنهم لا يريدون أن يُستَخدَموا ثم يُتخلّى عنهم.
وفي المجمل، لا يأتي إحياء الورقة الكردية من فراغ، فالضربات الجوية التي استهدفت البنية التحتية العسكرية الإيرانية أضعفت الوجود الحكومي في المحافظات الكردية، ما شجع بعض الفصائل على التحرك.
لكن حتى الآن، تظل المؤشرات على عملية برية جماعية مجرد توقعات خاصة من عدم وجود ضمانات سياسية حتى الآن أو دليل على وصول أسلحة جديدة.