“عقل الثائر لا يبني دولة، عقل الثورة لا يبني دولة. الثورة صفتها الهيجان والثوران وردود الأفعال، تصلح في إزالة حكم، لكن لا تصلح لبناء حكم. الثورة خلصت، هي جزء من تاريخنا نعتز ونفتخر به ونحتفل فيه، لكن لا نستحضر عقليته”.
بهذه العبارات رسم الرئيس السوري أحمد الشرع الإطار السياسي للمرحلة التي تلت سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، واضعًا خطًا فاصلًا بين زمن الثورة وزمن بناء الدولة، ومعلنًا أن الأولوية باتت لتأسيس حكم يقوم على القانون والمؤسسات.
اليوم، بالتزامن مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، وبعد أكثر من عام وثلاثة أشهر على هروب الأسد والخلاص من نظامه، يفتح “نون بوست” ملف التحول من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة، ويستعرض قدرة الثورة على التحول إلى مؤسسات دون أن تفقد معناها، وأبرز ملامح وخطوات هذا التحول والعقبات التي ما تزال تعترضه.
منطق الثورة والدولة
أنهت الثورة السورية التي انطلقت في مارس/آذار 2011، حقبة سياسية امتدت لأكثر من نصف قرن، مع سقوط نظام الأسد، بعد مسار طويل من التضحيات والبذل والنضال، لتشكّل لحظة السقوط بداية مرحلة جديدة في البلاد مثقلة بإرث الانتهاكات، وجراح لم تجد طريقها إلى المعالجة بعد.
في هذه المرحلة، برز تباين واضح في النظرة إلى العلاقة بين الثورة والدولة، فثمة من يرى أن الثورة بوصفها فعلًا مستمرًا لا ينبغي أن تتوقف بسقوط رأس النظام، فيما يعتبر آخرون أنها انتهت ويجب الانتقال إلى مرحلة جديدة بقواعد وأدوات مختلفة.
ولا يتحقق الانتقال إلى عقلية الدولة بالتصريحات أو النوايا المعلنة وحدها، إذ تظل ذاكرة الشارع ثقيلة على النسيان ما لم تُلبَّ مطالبها فعليًا، لذلك يحتاج هذا الانتقال إلى منظومة حوكمة تعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع على قواعد من الثقة والمساءلة، وترسّخ مبادئ العدالة والمساواة، وتضمن محاسبة مرتكبي الانتهاكات.
ولا يعني الانتقال من الثورة إلى وظائف وممارسات الدولة أبدًا إلغاء فكرة الثورة أو تهميشها أو التنازل عن أهدافها، فالثورة، بمعناها الوظيفي، تبقى حالة مستمرة ومتجددة، والمقصود هو تشذيب الفكرة الثورية وتدعيمها عبر دمجها بمؤسسات الدولة، وتحويلها إلى بوصلة للعمل، أي الإبقاء على روح الثورة كموجه للعمل، مع تحويل آلياتها إلى صيغة مؤسساتية تؤدي وظائف الدولة، كما ورد في مقالة لمركز “عمران للدراسات الاستراتيجية“.
ويقول الباحث الحقوقي ومدير وحدة التوافق والهوية في مركز “الحوار السوري”، نورس العبد الله، إن منطق الثورة في جوهره يعبر عن شرعية أخلاقية وواقعية، على عكس منطق الدولة الذي يقوم على شرعية قانونية وسياسية، وأوضح أن التدفق العاطفي والتعبئة القائمة على الشعارات الكبرى يشكلان سمة أساسية في المنطق الثوري، بخلاف منطق الإدارة والأرقام والمأسسة الذي يميز حالة الدولة.

ويضيف العبد الله في حديثه لـ”نون بوست” أن الواقع السوري بعد أكثر من عام على التحول، ما يزال يرتكز على شرعية النصر وإسقاط نظام الاستبداد، ما يعني أن المرتكز الحالي ليس مؤسساتيًا بالدرجة الأولى، ويتجلى ذلك، بحسب تعبيره، في صدور إجراءات قانونية أو مراسيم من دون غطاء أو استناد مؤسساتي واضح، رغم تكرار الحديث منذ بيان النصر (29 يناير/كانون الثاني 2025 إعلان انتصار الثورة السورية) عن انتهاء مرحلة الثورة وانطلاق مرحلة الدولة.
ويرى العبد الله أن العلاقة بين منطق الثورة ومنطق الدولة ليست متناقضة في مجملها، إذ جاءت الثورة، ولا سيما في الحالة السورية، كلحظة تأسيس لإعادة تعريف الدولة ككل، وعليه، فإن انتهاء مرحلة الفعل الثوري وبدء بناء الدولة لا ينبغي أن يعني قطيعة كاملة بين المرحلتين، لأن بناء الدولة يفترض، في الحالة المثالية، أن يقوم على أسس ومبادئ مستمدة من قيم الثورة نفسها.
ويشير إلى أن حضور الثورة كفكر ومبادئ يبقى ممتدًا، غير أن استمرار حضور الأساليب ومنطق الشرعية الذي ساد خلال المرحلة الثورية في سياق بناء الدولة يعد إشكاليًا، ولا سيما مع مرور الزمن، لافتًا إلى أن تصاعد الحديث شهرًا بعد آخر عن سيادة القانون، وأداء المؤسسات، والقضايا الخدمية والمعيشية، والوعود السابقة بتحسين الحياة، يعكس أن الاستناد إلى المرحلة الثورية لم يعد كافيًا.
مسار نحو الدولة
شرعت الإدارة السورية الجديدة في اتخاذ خطوات متعددة الاتجاهات بعد سقوط نظام الأسد، على وتيرة متباينة شهدت سرعة في بعض الملفات وتأخيرًا في أخرى، وكان أبرز هذه التحركات:
- تكليف هياكل وشخصيات حكم للحفاظ على الاستمرارية، عبر تشكيل حكومة تصريف أعمال برئاسة محمد البشير استمرّت نحو ثلاثة أشهر لضمان عدم فراغ السلطة وحماية مؤسسات الدولة من الانهيار، ثم إعلان حكومة انتقالية جديدة تضم 23 وزيرًا، مع دمج وزارات وتشكيل أخرى مثل وزارة الشباب والرياضة ووزارة الطوارئ، في خطوة نحو تنظيم الجهاز الإداري للدولة.
- مؤتمر “النصر” وقرارات تأسيسية لإعادة البناء السياسي، والذي انعقد في 29 يناير/كانون الثاني 2025، وفوّض أحمد الشرع برئاسة الجمهورية، وأقرّ حل حزب “البعث” والأحزاب المرتبطة به، وحلّ الأجهزة الأمنية والجيش السابقين، وبدء عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة.

- تنظيم الجانب العسكري تدريجيًا ورفض مطالب الانفصال والتقسيم، من خلال بدء هيكلة جيش جديد مع إجراء تعيينات في قياداته عقب اجتماعات كثيرة مع الفصائل، وتنظيم عمل وزارة الداخلية ودمج جهازي الشرطة والأمن العام ضمن جهاز واحد تحت مسمى “قيادة الأمن الداخلي في المحافظة”، ودمج “قسد” ضمن الجيش بعد تعثرٍ واشتباكات.
- حوار وطني وإعلان دستوري مؤقت، حيث عُقد مؤتمر الحوار الوطني في فبراير/شباط، وناقش العديد من القضايا والموضوعات منها ترسيخ حقوق الإنسان والمواطنة، تبعه إقرار إعلان دستوري مؤقت في آذار/مارس 2025.
- تشكيل هيئات وطنية مثل “الهيئة الوطنية للمفقودين” و”الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، لدعم العدالة الانتقالية واستعادة الحقوق ومعرفة مصير المفقودين والمختفين قسريًا.
- تنظيم انتخابات للبرلمان وتحديد توزيع المقاعد بين المنتخبين والمعينين، مع استمرار بعض التأجيلات.
- انفتاح دبلوماسي خارجي، إذ سعت الإدارة السورية الجديدة إلى فتح قنوات مع دول عربية وغربية، واعتماد سياسة مرنة تجاه مطالب المجتمع الدولي، بهدف كسر العزلة واستعادة الشرعية الدولية.

حراك خارجي وترتيبات الداخل
ترى سيلفيا كارينتسي، الباحثة المشاركة في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، أن ملف الجهود الدبلوماسية في الخارج يُعد من أبرز وأهم الخطوات في مرحلة ما بعد انتصار الثورة والانتقال نحو بناء الدولة، مشيرة إلى أن الحكومة السورية لعبت دورًا نشطًا جدًا على المستوى الدبلوماسي، محققةً عددًا من الإنجازات على الساحة الدولية، وخصوصًا إعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي، إذ شارك الرئيس أحمد الشرع، للمرة الأولى منذ نحو ستة عقود، في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وألقى كلمة خلالها.
وتقول الباحثة لـ”نون بوست” إن عام 2025 شهد تطورات دولية مهمة أخرى، من بينها اللقاءات التي جمعت الحكومة السورية بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإلغاء العقوبات، ولا سيما العقوبات المرتبطة بـ”قانون قيصر”، وإزالة “هيئة تحرير الشام” (حلّت نفسها في يناير/كانون الثاني 2025) من قوائم “الإرهاب” مؤخرًا.
View this post on Instagram
وتضيف كارينتسي التي تركز في أبحاثها على سوريا، أن الحكومة السورية اعتمدت في سياستها الخارجية مقاربة تقوم على مبدأ “صفر مشكلات” تجاه الدول الإقليمية وغيرها، إلى جانب تطوير علاقات متوازنة مع الدول الأخرى، وتجنب الانخراط في “سياسة المحاور”.
وتوضح أن هذه المقاربة تقوم، إلى حدٍّ ما، على النهج الذي تبنّته الإدارة السورية الحالية خلال إدارتها للمناطق المحررة في إدلب خلال السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد، حين اعتمدت مبدأي “العلاقات المتوازنة” و”تحييد العدوان”.
غير أن هذه المقاربة، مع بناء الدولة الجديدة، ارتقت إلى مستويات غير مسبوقة، وفق ما تراه الباحثة، فالمرحلة الانتقالية لم تشهد فقط تعميق العلاقات مع الدول التي تجمعها بسوريا نقاط التقاء أو مصالح تاريخية، وعلى رأسها قطر وتركيا، إنما شملت أيضًا بناء علاقات وتعزيزها مع حلفاء جدد، من بينهم المملكة العربية السعودية، وهو ما انعكس في توقيع اتفاقيات استراتيجية في مجالات الاستثمار وتعزيز التعاون الاقتصادي.
وتشير سيلفيا كارينتسي إلى أن مبدأ “تحييد العدوان” ينطوي على تجنب الصراعات غير الضرورية في التعامل مع أطراف قد لا تكون صديقة، أو في حال وجود توترات، موضحة أن هذا المبدأ تجلّى مؤخرًا في تأمين تراجع الصين عن اعتراضاتها داخل مجلس الأمن الدولي، إذ كانت بكين تبدي موقفًا متشككًا بسبب وجود مهاجرين تركستانيين ضمن صفوف الجيش السوري الجديد.
وبالإضافة إلى ملف السياسة الخارجية، تقول كارينتسي إن سوريا شهدت تقدمًا في عدد من الملفات الداخلية، منها تحقيق قدر من الأمن والاستقرار في البلاد بدرجات متفاوتة تبعًا لاختلاف المناطق، وإصلاحات في القطاع الأمني، وتوسيع المساحة الميدانية للحريات، مشيرة إلى أنه للمرة الأولى منذ عقود باتت القضايا السياسية تُناقش علنًا في الأماكن العامة. وأخيرًا، الاتفاق مع “قوات سوريا الديمقراطية”، واستعادة السيطرة على مناطق في شمال شرق سوريا وتجنب تصعيد الاشتباكات.
عقبات بثلاثة مستويات
شكّلت هذه التحركات محاولات وخطوات لتثبيت مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية، وترسيخ قواعد حكم رسمي بديلة عن منطق الثورة بحدّ ذاته، مع الإشارة إلى أن عدة خطوات قوبلت بانتقادات، منها سرعة انعقاد مؤتمر الحوار الوطني وقصر وقته، وصلاحيات الرئيس في الإعلان الدستوري، وطريقة الانتخابات البرلمانية.
ولم تكن خطوات الانتقال من منطق الثورة إلى الدولة على أرضية مستقرة، ففي الساحل السوري، أدت اشتباكات بين عناصر وزارة الدفاع وفلول النظام السابق بين 6 و10 مارس/آذار 2025 إلى مقتل المئات مع تسجيل انتهاكات انتقامية وطائفية.
وفي السويداء، أسفرت المواجهات الدامية خلال يوليو/تموز عن مقتل نحو 1013 شخصًا بمشاركة فصائل محلية وقوات حكومية ومجموعات عشائرية، كما تعثر دمج “قوات سوريا الديمقراطية” في الجيش وفق اتفاق العاشر من آذار 2025، واستمرت الاشتباكات حتى معارك نهاية “قسد” في يناير/كانون الثاني 2026، وسط تحديات دمج كوادرها في مؤسسات الدولة، ويضاف إلى ذلك اعتداءات إسرائيلية متكررة واستيلاء على أراضٍ وإنشاء نقاط عسكرية في الجنوب السوري.
ولا تزال بعض القرارات والملفات وطريقة إدارتها ومقاربتها من قبل الحكومة محلّ انتقاد على اعتبار أنها تعكس ضعف الاستناد إلى منطق دولة القانون والمؤسسات، منها تكرار إصدار مراسيم تخالف أحكام الإعلان الدستوري.
كما يوجد استياء من نمط التعيينات في مناصب حكومية التي تربطها دوائر قرابة وعلاقات اجتماعية متداخلة، ما يعزز الانطباع بترجيح الاعتبارات الشخصية على معايير الكفاءة والاستحقاق. وفي ملف مدينة السويداء، أثار التعاطي الرسمي مع التطورات الميدانية انتقادات بسبب ضعف الاحتواء، حيث وصف وزير الخارجية أسعد الشيباني تلك الأحداث بأنها “فخ وقعنا فيه جميعًا”.
ومن القضايا الأخرى التي تثير غضب الشارع السوري، تأخر ملف العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتأخر إعلان نتائج التحقيقات في اشتباكات الساحل والسويداء، إلى جانب “التسويات” مع شخصيات من النظام السابق، والتي يُنظر إليها على أنها قد تعيد إنتاج الفساد أو تؤدي إلى “صفقات” على حساب العدالة وحقوق الضحايا.
ويرى الباحث نورس العبد الله أن تقييم الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة في سوريا مرحليًا لا يزال مضطربًا، لأن العلاقة والصيغة المثالية التي تجمع بين الانتقال الإجرائي والثبات القيمي غير حاضرة، وكذلك مرتكزات الدولة لجهة استكمال أركان السلطة وإطلاق الحياة السياسية لا تزال غير مكتملة بصورة تامة، وإن كان من المفهوم وجود عقبات وتحديات تعترض هذا المسار.
ويقول إن ثمة مؤشرات عامة أخرى لسلوك الدولة باتت حاضرة خلال المرحلة الماضية، من بينها وجود خطط وسياسات عامة، واحتكار القوة والعنف لمؤسسات إنفاذ القانون، وإدارة الاحتجاجات الشعبية، إلى جانب مؤشرات عديدة أخرى، وذلك بغض النظر عن مستوى التقدم المحرز أو الفجوات الموجودة.
ويضيف الباحث أن هناك مجموعة من العقبات تواجه مشروع بناء الدولة في سوريا، وقسّمها إلى:
أولًا، عقبات مرتبطة بالسياق الوطني والعوامل الدولية والإقليمية، ومن أبرزها وجود قوى ومشاريع مناوئة لمشروع الدولة كانت حتى الأمس القريب تسعى للانقضاض عليها، مثل حالة “قسد” وشبكات الفلول (بقايا نظام الأسد)، أو ما تزال موجودة مثل حالة السويداء وبعض الشبكات الاجتماعية الرافضة لخسارة امتيازات معينة كالنفط. وتعمل هذه الجهات، بشكل مباشر أو غير مباشر، على عرقلة بناء الدولة وترسيخ حالة استقطابية وتعبوية حادة مرتبطة بالمرحلة السابقة، ما يولد تحديات أمنية تبقي البلاد في مرحلة غير مستقرة.
ثانيًا، عقبات ذاتية، وتتصل بالسلطة نفسها، من خلال استمرار الاهتمام بالعقلية التعبوية وحشد الجمهور، وهو ما يتجلى في الاهتمام الفائق والتركيز على القضايا الاحتفالية والمؤثرين وغيرها أكثر من الاهتمام بالتنظيم الذي تقوم عليه الدولة. كما يُلاحظ وجود حساسية مفرطة تجاه النقد والمساءلة المجتمعية، وإظهار حالة أولوية الولاء، وكل هذه المظاهر تشكل تحديات أمام الانتقال إلى عقلية الدولة المؤسسية.
ثالثًا، عقبات مرتبطة بالمجتمع نفسه، من ناحية مقاومة أي جهود تنظيمية والاستياء من مظاهر بناء الدولة وانتهاء مرحلة الثورة، وأبرزها قضية السلاح العشوائي ونمو دور المؤسسات على حساب الشبكات المناطقية والمحلية، وصولًا إلى قضايا بسيطة مثل تنظيم السير والمخالفات. ويُفسر ذلك بـ14 عامًا من الثورة وما رافقها من فقدان الثقة بالمؤسسات، وحالة من اقتصاد الفوضى، فضلًا عن الآثار النفسية والاجتماعية، ما يؤدي إلى وجود عقبات اجتماعية أمام بناء الدولة.
ملفات أساسية لبناء الدولة
تظلّ عملية الانتقال إلى منطق الدولة في سوريا مسارًا معقّدًا، في ظل إرث طويل من الفساد والعنف خلّفه حكم حافظ وبشار الأسد، إضافة إلى تداعيات سنوات الحرب من انقسامات أمنية ومجتمعية وتحديات مؤسسية متراكمة، ما يجعل هذه المرحلة الانتقالية دقيقة وحساسة، حيث تشهد تقييمات ونقاشات مستمرة حول كيفية استثمارها كفرصة تاريخية لبناء الدولة وإرساء مؤسساتها.
وتقول الباحثة سيلفيا كارينتسي لـ”نون بوست”، إن السنة الأولى من المرحلة الانتقالية ركّزت خصوصًا على الشَرْعَنة الخارجية، بينما يُتوقع أن تشهد السنة الثانية تركيزًا أكبر على التحديات الداخلية، مشيرة إلى عدد منها مع الحلول المقترحة لمواجهتها وتعزيز مسار بناء الدولة.
وترى أن من أبرز الملفات الداخلية توسيع المشاركة والشراكة السياسية، وإعادة هيكلة المؤسسات، وتطوير عقد اجتماعي متين للدولة الجديدة. وفي هذا الإطار، تظهر موازنة دقيقة بين اتجاهين، فبينما تعبر قطاعات من المجتمع عن رغبة متزايدة في الانخراط في القرار السياسي من جهة، شكلت تجربة القيادة خلال السنوات الماضية في بيئة نزاع محفوفة بالمخاطر رؤيةً تقوم على مركزية القرار ودوائر ثقة محدودة لضمان التماسك.
وتشير كارينتسي إلى أن الانتقال إلى مرحلة بناء الدولة يتطلّب زيادة الانفتاح، مع بقاء درجة من الحذر نظرًا لحساسية المرحلة والأخطار الأمنية القائمة، والدروس المستفادة من تجارب الربيع العربي في المنطقة.
وفي هذا السياق، ستكون الخطوات المقبلة تحت الأضواء، ومنها احتمال تعديل وزاري، وتعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، والانطلاق في عمله، والمسار نحو صياغة الدستور الجديد وقانون للأحزاب، وقد تكون نقطة الانطلاق زيادة انخراط شخصيات من الحاضنة الثورية ذات خبرة وموثوقية، بالتوازي مع إشراك شرائح أوسع من المجتمع لا تزال محدودة الحضور سياسيًا.
ووفق الباحثة، يمثّل السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي تحديًا حرجًا في ظل الإرث السياسي والاجتماعي الذي خلفه حكم نظام الأسد، مؤكدة أن بناء الثقة بين مختلف المجتمعات والمكونات سيكون عملية معقدة وطويلة، إلا أنه يمكن الاستفادة من الدروس السابقة ومراجعة المقاربات الناجحة، خصوصًا فيما يتعلق بالمبادرات المحلية التي تجمع مسؤولين حكوميين وممثلي المجتمع المدني ووجهاء المجتمع المحلي، وتهدف إلى تعزيز الثقة وتخفيف التوترات.
وتشير إلى أن التقدم في مسار العدالة الانتقالية له أهمية كبيرة، مع وجود مشروع القانون الجديد للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وضرورة محاسبة مرتكبي الجرائم، واحتمالية إنشاء لجان للحقيقة، وكذلك قد تسهم مواصلة الحوارات على المستويين المحلي والوطني في هذا المسار.
كما تبرز المسألة المادية والاقتصادية كعامل قد يتقاطع مع الملفات السياسية، فبينما تظهر بعض مؤشرات التعافي التدريجي، تبقى التحديات الاقتصادية قائمة، خاصة في ظل توقعات شعبية متزايدة بتحسّن الأوضاع المعيشية.