مرّ أكثر من تسعة أيام على اغتيال المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، وهي أيام انشغل خلالها الرأي العام الدولي، كما الداخل الإيراني، بانتظار ما ستفضي إليه مشاورات مجلس خبراء القيادة في إيران، الهيئة المنوط بها اختيار المرشد الجديد.
لم تكن أجهزة الاستخبارات الدولية والإقليمية بعيدة عن هذه الأجواء، كما عكست التصريحات السياسية الصادرة عن الرئيس الأمريكي وقادة الاحتلال الإسرائيلي اهتمامًا واضحًا بمآلات عملية الخلافة في طهران، بل سعت -بشكل أو بآخر- إلى الدفع نحو تحويل لحظة اختيار المرشد الجديد إلى فرصة للضغط باتجاه قبولٍ إيراني ما بأشكال من “الهندسة السياسية” الأمريكية لشكل النظام القائم.
في هذا السياق، يتقدم آية الله مجتبى علي خامنئي، الابن الثاني للمرشد الراحل، إلى موقع المرشد الأعلى، بعد أن نجا من قصف الضربة الافتتاحية للحرب التي استهدفت منزل العائلة، وأسفرت عن مقتل والده ووالدته وعدد من أفراد العائلة، بمن فيهم زوجته زهرة حداد.
ويصل اليوم إلى هذا الموقع محمّلًا بإرثٍ ثقيل من الدماء والثأر، في لحظة حرجة تمر بها إيران ونظام الثورة الإسلامية، في ظل استهداف يُعد الأخطر في تاريخها المعاصر، تجاوز في خطورته ضرب بنية النظام السياسي ليصل إلى التهديد بتفكيك بنية الدولة الإيرانية وجغرافيتها.
وخلال السنوات السبع والثلاثين التي تولى فيها علي خامنئي قيادة إيران، ظل مجتبى على تماس مباشر مع دوائر الحكم، في مرحلة شهدت خلالها الجمهورية الإسلامية مسارًا طويلًا من التحديات والأزمات، الخارجية والداخلية. إذ لم يكن ابن المرشد بعيدًا عن هذه التحولات، بل انخرط -خصوصًا في السنوات الأخيرة- في العديد من الترتيبات السياسية والمؤسسية، كما طُرح اسمه في سياق المنافسة المحتملة على موقع المرشد مع تقدم والده في العمر وتراجع حالته الصحية.
ورغم ذلك، بقي حضوره الإعلامي محدودًا للغاية، مقتصرًا على بعض المناسبات الدينية والاجتماعية، فهو يُعد شابًا نسبيًا مقارنة بأعمار رجال الدين المعممين في إيران، ولا يشغل موقعًا رسميًا في تركيبة الدولة. ومع ذلك، تشير العديد من التقارير إلى أنه كان لاعبًا مؤثرًا خلف الكواليس، فيما تداولت قوى المعارضة اسمه سابقًا في سياق الاتهام بالمسؤولية عن تعزيز نفوذ التيار المحافظ ومواجهة الاحتجاجات. كما ظل ملف توريث السلطة في النظام الإيراني عاملًا حساسًا يحيط باسمه، في ظل إدراك واسع لحساسية هذا الاحتمال داخل بنية النظام، وهو أمر لم يكن والده يميل إليه علنًا، ولم يعمل بصورة مباشرة على تمهيد الطريق له.
من الحرس الثوري إلى الحوزات
وُلد مجتبى حسيني خامنئي في 8 سبتمبر/أيلول 1969 في مدينة مشهد شمال شرق إيران، وهو الابن الثاني للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، وأحد أبنائه الستة.
ويحمل اسم “مجتبى” بالعربية معنى “المختار” أو “المنتقى”، وهو لقب ذو دلالة خاصة في الفقه الشيعي، إذ ارتبط تاريخيًا بالإمام الحسن بن علي، الإمام الثاني في التسلسل الشيعي. وتضفي هذه الدلالة رمزية روحانية متصلة بفكرة “الاختيار والقيادة”.
نشأ مجتبى في بيئة دينية وسياسية تشكّلت ملامحها بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 إثر الإطاحة بالنظام الملكي، وينتمي إلى عائلة دينية معروفة في إيران؛ فهو شقيق رجل الدين مصطفى خامنئي، ومن أقاربه رجل الدين هادي خامنئي.
تلقى تعليمه الثانوي في مدرسة العلوي الدينية في طهران، وفي أواخر ثمانينيات القرن الماضي خدم في كتيبة “حبيب” التابعة للحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988). وقد شكّلت هذه التجربة محطة مهمة في بناء علاقاته داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، إذ أتاحت له تكوين صلات مع عدد من الشخصيات التي صعدت لاحقًا إلى مواقع مؤثرة في مؤسسات الأمن والاستخبارات الإيرانية، بما في ذلك قيادات بارزة في الحرس الثوري، وهو ما أسهم لاحقًا في توسيع نفوذه داخل دوائر النظام.
وفي عام 1999 انتقل إلى مدينة قم، أحد أهم مراكز الدراسات الشيعية في العالم، لمواصلة دراساته الدينية في الحوزة العلمية، ولم يرتدِ الزي الديني إلا في تلك المرحلة، كما أن التحاقه بالحوزة في سن الثلاثين يُعد متأخرًا نسبيًا مقارنة بالمسار المعتاد لطلاب العلوم الدينية، الذين يبدأون دراستهم في سن أصغر.

درس هناك الفقه إلى جانب العلوم الدينية التقليدية، وعلى الرغم من أنه لم يبرز بوصفه مرجعًا دينيًا بارزًا داخل المؤسسة الحوزوية، فإنه استفاد من التماس مع عدد من أبرز منظري الثورة الإسلامية، وقد وصفه النائب في البرلمان عن طهران حميد رسائي بأنه “رجل دين بارز ومدرّس في المستويات العليا للحوزة”، مشيرًا إلى أنه تتلمذ على يد عدد من كبار العلماء، من بينهم محمود هاشمي شاهرودي، ومحمد تقي مصباح يزدي، ولطف الله صافي كلبايكاني، كما حصل على رتبة “حجة الإسلام”.
كما ارتبط بعلاقات عائلية مع شخصيات بارزة في التيار المحافظ؛ إذ تزوج من زهرة حداد، ابنة السياسي المحافظ غلام علي حداد عادل، الرئيس السابق للبرلمان الإيراني، والتي قُتلت أيضًا في القصف الذي استهدف منزل المرشد.
رجل النفوذ خلف الظلال
رغم أن مجتبى خامنئي لا يشغل منصبًا رسميًا داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، فإن كثيرًا من التقديرات تشير إلى أنه كان أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في الدائرة المقربة من المرشد الأعلى الراحل. ويُعتقد أنه لعب دورًا استشاريًا مؤثرًا في عدد من الملفات الحساسة المرتبطة بالحرس الثوري، والسياسة الداخلية، والأمن، إضافة إلى توجيه الانتخابات ودعم التيارات المحافظة داخل النظام.
وتنامى نفوذ مجتبى بالتوازي مع نفوذ والده، عبر نشاطه داخل مكاتب المرشد في وسط طهران. وقد بدأت برقيات دبلوماسية أمريكية نُشرت عبر موقع “ويكيليكس” في أواخر العقد الأول من الألفية الثانية بالإشارة إليه بوصفه “القوة الخفية وراء الرداء”، في وصف يعكس حضوره المؤثر خلف دوائر صنع القرار.
وتشير إحدى تلك البرقيات إلى أن مجتبى يُعد من أكثر المقربين إلى والده، وأنه يشكل إحدى القنوات الرئيسية لنقل الرسائل والتوجيهات داخل النظام، كما وُصف بأنه “حارس رئيسي” للمرشد، يعمل في الوقت ذاته على بناء شبكة نفوذ خاصة به داخل البلاد.
وجاء في برقية دبلوماسية صدرت عام 2008 أن “خامنئي يُنظر إليه على نطاق واسع داخل النظام بوصفه قائدًا ومديرًا كفؤًا وحازمًا، قد يرث يومًا ما، ولو جزءًا من القيادة الوطنية؛ وربما يراه والده كذلك”.
برز اسم مجتبى خامنئي في المجال العام للمرة الأولى خلال الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2005، التي انتهت بفوز الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد. ففي رسالة مفتوحة إلى علي خامنئي، اتهم المرشح الإصلاحي مهدي كروبي مجتبى بالتدخل في الانتخابات عبر عناصر من الحرس الثوري وقوات الباسيج، مشيرًا إلى أن هذه الجهات قامت بتوزيع أموال على جماعات دينية لدعم فوز أحمدي نجاد.
وبعد أربع سنوات، عادت الاتهامات ذاتها إلى الواجهة عقب إعادة انتخاب أحمدي نجاد عام 2009، وهي الانتخابات التي فجّرت احتجاجات واسعة في أنحاء البلاد عُرفت باسم “الحركة الخضراء“، وخلال تلك الاحتجاجات رفع بعض المتظاهرين شعارات ترفض احتمال أن يخلف مجتبى والده في منصب المرشد الأعلى.
وفي العام نفسه وصفته صحيفة الغارديان البريطانية بأنه “شخصية متقشفة يُنظر إليها غالبًا على أنها أكثر تشددًا من والده”.
وفي سياق الضغوط الدولية على الدائرة المقربة من القيادة الإيرانية، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية اسمه عام 2019 ضمن قائمة العقوبات المفروضة على شخصيات قالت واشنطن إنها مرتبطة بمكتب المرشد الأعلى.
وتشير تقارير عديدة إلى أن مجتبى خامنئي يحافظ على علاقات وثيقة مع شخصيات نافذة داخل الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى شبكات سياسية محافظة داخل النظام، كما يُعتقد أنه لعب دورًا في التنسيق بين بعض المؤسسات السياسية والأمنية.
ومع ذلك، تبقى طبيعة نفوذه الفعلية داخل بنية النظام الإيراني غير معلنة رسميًا، إذ يستند كثير مما يُتداول حول دوره إلى تحليلات وتقارير غير مباشرة، في ظل الطابع المغلق الذي يميز دوائر صنع القرار في الجمهورية الإسلامية.
مفارقات اللحظة في تعزيز الخيار
لا يمكن الجزم بشكل قاطع بتوجهات المرشد الجديد في ما يتعلق بالمشهد الداخلي الإيراني، ويعود ذلك بدرجة أساسية إلى أن الصورة المتداولة حول دوره وتوجهاته تعتمد إلى حد كبير على التسريبات وحديث مصادر متعددة، يشكل جزء مهم منها روايات صادرة عن أطراف في المعارضة الإيرانية، سواء الإصلاحية الموجودة داخل بنية النظام، أو المعارضة الخارجية التي تعادي النظام وتسعى إلى تفكيكه.
ففي الوقت الذي تُوصف فيه توجهات مجتبى خامنئي بأنها محافظة إلى حد بعيد، يشير بعض المتابعين إلى أنه، بوصفه مرشدًا جديدًا يبلغ من العمر 56 عامًا، قد يحمل في الوقت ذاته مقاربة إصلاحية نسبية تتضمن توسيع بعض الحريات الاجتماعية والعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية، بل ويذهب بعضهم إلى اعتباره من بين الشخصيات القليلة داخل النظام القادرة على الدفع بمسار إصلاحي من داخل بنية السلطة نفسها.
وفي المقابل، فإن الخلفية الفكرية التي تشكّل وعيه الديني والسياسي تشير إلى مسار أكثر تشددًا في بعض القضايا، فقد تتلمذ مجتبى خامنئي في الحوزة العلمية على يد رجل الدين الإيراني الراحل محمد تقي مصباح يزدي، أحد أبرز المنظرين الشيعة لفكرة ولاية الفقيه، والمقربين فكريًا من إرث مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني. كما ارتبطت هذه المدرسة الفكرية بمدرسة حقاني الدينية التي ركزت على إدماج مبدأ ولاية الفقيه في مختلف مناحي الحياة السياسية والاجتماعية في إيران.
وتشير هذه الخلفية إلى أن المرشد الجديد قد يحمل مقاربات سياسية وفكرية قد لا تتطابق تمامًا مع توجهات والده في بعض الملفات، ما يعني أن المرحلة المقبلة قد لا تكون مجرد امتداد مباشر لتجربة المرشد الثاني في إيران. ويعزز هذا التقدير ما يُتداول عن مواقف سابقة نُسبت إلى مجتبى تتعلق بمعارضته فتوى والده التي تقضي بعدم امتلاك السلاح النووي، إضافة إلى تحفظاته على بعض المقاربات التي وُصفت بالوسطية في إدارة ملفات إقليمية ودولية.
ورغم الجدل الذي أحاط باسمه لسنوات طويلة، فإن فرص وصول مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد لم تكن تبدو يسيرة في الظروف الطبيعية. فقد كان علي خامنئي نفسه متحفظًا على فكرة أن يتنافس ابنه على موقع القيادة من بعده، خشية الوقوع في مسار توريث السلطة، وهو مسار لا يحظى بقبول واسع في الفقه السياسي الشيعي، كما يثير حساسية كبيرة داخل أوساط علماء الحوزات.
إلا أن المفارقة أن ظروف الحرب والتحديات الوجودية التي فرضتها أعادت تشكيل معادلات الاختيار داخل النظام. فقد دفعت لحظة الصراع، وما رافقها من استهداف مباشر للقيادة الإيرانية، بفرص الابن الذي نجا من الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي إلى الواجهة بقوة، خصوصًا مع ما يتمتع به من علاقات وثيقة داخل الحرس الثوري ومعرفته العميقة بكواليس الحكم خلال فترة قيادة والده الطويلة.
وبذلك، فإن الرجل الذي ظل لسنوات يُوصف بأنه “رجل الظلال” داخل النظام، أصبح اليوم يحمل أيضًا رمزية المواجهة والتضحية، بعد أن فقد أفرادًا من عائلته في عملية الاغتيال التي استهدفت منزل المرشد، وهو ما أضفى على صعوده إلى موقع القيادة بعدًا رمزيًا يرتبط بسياق الحرب التي تواجهها إيران ومحاولات استهداف بنية النظام والدولة معًا.
من دولة الحوزات إلى دولة الحرس
تواجه إيران اليوم تحديًا وجوديًا كبيرًا يفرض نفسه على مجمل التحولات التي تعصف ببنية النظام. ففي ظل الحرب الجارية والضغوط المتصاعدة، يسعى النظام الإيراني إلى الحفاظ على تماسك الجمهورية الإسلامية والدولة الوطنية معًا، في وقت تدفع فيه الولايات المتحدة وإسرائيل نحو ما يتجاوز تحييد النظام أو إعادة هندسته، ليصل إلى التهديد بتفكيك الجغرافيا الإيرانية نفسها، عبر دعم النزعات الانفصالية في بعض الأقاليم الحساسة.
وقد انعكست هذه التهديدات بشكل مباشر على مسار إعادة إنتاج القيادة داخل النظام الإيراني في هذه اللحظة الحرجة، فبدل أن تكون عملية اختيار المرشد الجديد ساحة لتنافس داخلي بين التيارات، بدت أقرب إلى لحظة تغليب خيار المواجهة وتعزيز الالتفاف حوله، في ظل إدراك واسع داخل مؤسسات الدولة والثورة معًا لطبيعة التحدي القائم.
ويقوم النظام الإيراني أساسًا على بنية مؤسسية مزدوجة تجمع بين مؤسسات الدولة التقليدية -الرئاسة والحكومة والبرلمان والجيش- ومؤسسات الثورة الإسلامية، مثل الحرس الثوري ومجالس القيادة ومجمع تشخيص مصلحة النظام. وفي لحظة التهديد الراهنة، بدا أن مختلف هذه المكونات، إلى جانب التكتلات السياسية من محافظين وإصلاحيين، تميل إلى إعطاء الأولوية لوحدة الجبهة الداخلية في مواجهة الخطر الخارجي.
وقد أفضى هذا التداخل المؤسسي والسياسي إلى خلق توافق واسع حول خيار اختيار مرشد يحظى بدعم أقوى مؤسسات القوة داخل النظام، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي يقود عمليًا مسار المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ويمسك بقدر كبير من تفاصيلها الميدانية والاستراتيجية.
وقد ظهر هذا الدور بوضوح في بعض التباينات التي برزت مؤخرًا داخل المشهد السياسي الإيراني، مثل الجدل الذي أعقب تصريحات للرئيس الإيراني تضمنت اعتذارًا لدول الخليج عن بعض الاستهدافات، قبل أن يتم التراجع عنها سريعًا تحت ضغط التوازنات الداخلية.
وفي هذا السياق، تعززت القناعة داخل مختلف دوائر النظام بأهمية تثبيت موقع المرشد بوصفه الضابط الأعلى الذي يضمن انسجام مؤسسات الجمهورية الإسلامية وفك الاشتباك بين مراكز القرار المختلفة، خاصة في ظل رهان خصوم إيران على توسيع التباينات الداخلية واستثمارها لإضعاف الموقف الإيراني.
وقد حرصت المؤسسات الإيرانية على إخراج مشهد الإعلان عن المرشد الجديد في إطار تعبوي يعكس الالتفاف الشعبي حول النظام، إذ شهدت شوارع العاصمة طهران مسيرات حاشدة شارك فيها آلاف الإيرانيين دعمًا للمقاومة ورفضًا للضغوط الخارجية، قبل الإعلان رسميًا عن اختيار المرشد الجديد وسط هذه المشهدية التي هدفت إلى إرسال رسائل داخلية وخارجية تؤكد تماسك بنية النظام الرسمية وانسجام قاعدته الاجتماعية مع هذا الخيار.
كما انعكس هذا الالتفاف في البيانات الرسمية الصادرة عن مختلف مؤسسات النظام، بدءًا بإعلان الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني عن الخبر، مرورًا ببيانات الدعم الصادرة عن الحرس الثوري وقوات التعبئة الباسيج، ووصولًا إلى مواقف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إضافة إلى هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة وقيادة مقر خاتم الأنبياء المركزي. وهو ما أظهر أن اختيار المرشد الجديد يحظى بتوافق واسع داخل البنى المركزية للنظام، حاسمًا إلى حد كبير التسريبات التي تحدثت عن وجود خلافات داخلية حول هذا الملف.
وفي ضوء هذه التطورات، بدأت تتضح ملامح ما يمكن تسميته الحقبة الثالثة من عمر الجمهورية الإسلامية في إيران، إذا ما نجحت طهران في تجاوز الحرب التي تستهدفها. فالمعادلة الجديدة تشير إلى تحوّل تدريجي في ميزان التأثير داخل النظام، حيث تميل الكفة أكثر نحو المؤسسات العسكرية والأمنية للثورة الإسلامية، وعلى رأسها الحرس الثوري، بعد أن حافظ المرشد السابق علي خامنئي لسنوات طويلة على توازن مرن بين مؤسسة الحوزة الدينية ومؤسسات القوة الثورية.
كما أن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، لن يمتلك على الأرجح منذ البداية ذلك الحجم من النفوذ الذي تمتع به والده، والذي تراكم عبر عقود من القيادة والخبرة السياسية والقدرة على إدارة التوازنات داخل النظام، وهو ما يرجح أن تشهد المرحلة المقبلة بروز صيغة أكثر تشاركًا في صناعة القرار، تقوم على تفاعل ثلاثي بين مؤسسة المرشد، والحرس الثوري، والمجلس الأعلى للأمن القومي.
وبطبيعة الحال، ستنعكس هذه التركيبة على استراتيجية إيران في إدارة الحرب، فبينما توحي هذه المعادلة بتغليب خيار المواجهة في المرحلة الحالية، فإنها تمنح القيادة الإيرانية في الوقت نفسه هامشًا كافيًا من الشرعية للذهاب إلى تسويات محتملة يمكن أن تنهي الحرب، بشرط أن تحافظ على بنية النظام القائم وألا تمس الخطوط الحمراء الاستراتيجية التي حكمت سياسات الجمهورية الإسلامية خلال عهد المرشد الراحل علي خامنئي.