تبرز مفارقة جيوسياسية حادة مع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إذ يبدو أن نيران الصراع المشتعل في الشرق الأوسط تضيء ولو مؤقتًا، أروقة الكرملين.
إذ تتجه الأنظار نحو موسكو بوصفها أحد أبرز المستفيدين من إعادة خلط الأوراق الدولية، وذلك بفعل استنزاف موارد واشنطن، وارتفاع أسعار الطاقة، وتشتت تركيز الغرب عن حرب أوكرانيا.
أولا: استنزاف عسكري أمريكي
تكمن المنفعة الروسية المباشرة الأولى في الاستنزاف السريع والمكلف للترسانة العسكرية الأمريكية، حيث استهلكت ما تسمى عملية “الغضب الملحمي” مخزونات حرجة من الذخائر بعيدة المدى والمنظومات الدفاعية خلال أيام معدودة.
في أول 100 ساعة فقط من الحرب، أطلقت القوات الأمريكية أكثر من 2600 مقذوف نوعي لضرب نحو 2000 هدف إيراني، بتكلفة تتجاوز 3.1 مليار دولار، مع زيادة يومية تقدر بنحو 758 مليون دولار.
تبرز صواريخ “توماهوك” كأحد أهم محاور هذا الاستنزاف؛ إذ أطلقت البحرية الأمريكية أكثر من 160 صاروخًا من هذا الطراز في الموجة الأولى لتدمير منظومات القيادة والسيطرة والدفاع الجوي الإيرانية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية بالغة بالنسبة لروسيا عند النظر إلى طاقة الإنتاج الأمريكية التي لا تتجاوز 50 إلى 70 صاروخًا سنويًا، ما يعني أن واشنطن استهلكت فعلًا في ساعات ما يعادل إنتاج أكثر من عامين كاملين.
الأهم من ذلك، أن هذه الذخائر تحديدًا كانت على رأس خطة “النصر” التي قدمتها أوكرانيا أصلًا أواخر عامي 2024 و2025.
إذ طالبت كييف واشنطن مرارًا بتزويدها بصواريخ “توماهوك” لضرب المصانع العسكرية الروسية في العمق (مثل مصانع مسيرات “شاهد” في تتارستان ومصانع الصواريخ الباليستية في فوتكينسك).
قوبلت المطالب الأوكرانية بالرفض الأمريكي القاطع بحجة محدودية المخزون وحاجة البحرية الأمريكية إليه، لتشاهد كييف اليوم كيف تحترق هذه الصواريخ الثمينة في سماء الشرق الأوسط بينما تُحرم منها جبهة دونباس.
إلى جانب الأسلحة الهجومية، تواجه واشنطن استنزافًا قاسيًا في صواريخ الاعتراض الباهظة. إذ اضطرت القوات الأمريكية إلى التصدي لنحو 500 صاروخ باليستي و2000 طائرة مسيرة إيرانية، مستخدمة منظومات “ثاد” و”باتريوت” وصواريخ SM-3 البحرية.

هذا الخلل في معادلة التكلفة مقابل الهدف، يصب مباشرة في مصلحة التخطيط العسكري الروسي، الذي يراقب تآكل “عمق المخازن” الأمريكية أمام أسلحة هجومية إيرانية منخفضة التكلفة.
ثانيًا: تراجع التركيز على أوكرانيا
لم يقتصر أثر الحرب الإيرانية على استنفاد مستودعات السلاح، بل امتد ليخلق انكشافًا خطيرًا في الجبهة الأوكرانية، وهو ما وظفته موسكو ميدانيًا بأقصى سرعة، فانشغال واشنطن بنقل الموارد وتوجيه القدرات الدبلوماسية نحو الخليج فتح هامشًا استراتيجيًا مريحًا للجيش الروسي للتحرك بلا قيود.
أبرز تجليات هذا الانكشاف ظهر في منظومات الدفاع الجوي؛ إذ تعتمد أوكرانيا بشكل كامل على بطاريات “باتريوت” لصد الصواريخ الباليستية الروسية.
ومع تحويل أولوية تسليم الصواريخ الاعتراضية لدعم القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، وصف مفوض الدفاع والفضاء في الاتحاد الأوروبي، أندريوس كوبيليوس، الوضع الأوكراني بأنه “حرج”، مؤكدًا استحالة تلبية واشنطن لاحتياجات الخليج وجيشها وأوكرانيا في وقت واحد.
فكل بطارية باترويت تُرسل للدفاع عن الرياض أو أبوظبي هي بطارية لا يمكن نشرها في أوديسا أو خاركيف، وكل صاروخ اعتراض يُطلق في الخليج يعني دفاعا أقل عن الشبكة الكهربائية الأوكرانية.
واستغلت روسيا هذا التراجع ميدانيًا فورًا بتصعيد حملاتها الجوية. ففي فبراير/شباط 2026، سجلت الهجمات الصاروخية الروسية الليلية أعلى كثافة لها منذ أربع سنوات بزيادة بلغت 113% مقارنة بالشهر السابق.
وتُوج هذا التصعيد بموجة هائلة ليلة 6-7 مارس/آذار استخدمت فيها القوات الروسية صواريخ “زيركون” الباليستية فرط الصوتية و”إسكندر” و480 طائرة مسيرة، مستغلة النقص الحاد في الصواريخ الاعتراضية لدى كييف.
وبالتوازي، منحت هذه التطورات القيادة الروسية أريحية لإجراء إعادة انتشار جانبي لقوات النخبة من الإنزال الجوي (VDV) ومشاة البحرية نحو مناطق استراتيجية في الجنوب (مثل هوليايبولي وبولوهي الأوكرانيتين)، مستفيدة من تشتت الانتباه الغربي.
وسياسيًا، تتسابق الدبلوماسية الروسية، عبر تصريحات وزير الخارجية سيرغي لافروف، لطرح نفسها كوسيط عقلاني يطالب بوقف العنف والالتزام بالقانون الدولي.
وفي الوقت ذاته، يخفف هذا الانشغال من شدة العزلة الغربية المفروضة على موسكو، إذ يجد الحلفاء الأوروبيون أنفسهم أمام حقائق جيوسياسية واقتصادية تضطرهم لإعادة ترتيب أولوياتهم بعيدًا عن أوكرانيا مؤقتًا.
ثالثًا: الطاقة.. طوق النجاة المالي
في الوقت الذي كانت فيه عائدات روسيا من النفط والغاز تسجل أدنى مستوياتها في خمس سنوات بحلول مطلع 2026 بسبب العقوبات، جاءت الحرب على إيران لتمثل طوق نجاة مالي لم يكن في الحسبان.
وأسفر الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من تجارة النفط العالمية، عن قفزات سعرية هائلة، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 90 دولارًا للبرميل.
الاستفادة الروسية هنا محددة ومثبتة بالأرقام، إذ صُممت موازنة الكرملين لعام 2026 على أساس سعر 59 دولارًا لبرميل خام “الأورال” الروسي.
وقبل الحرب، كانت روسيا تبيع نفطها بخصومات كبيرة، مما هدد بعجز ضخم، لكن مع توقف إمدادات الشرق الأوسط، قفز سعر خام “الأورال” إلى أكثر من 70 دولارًا للبرميل، متجاوزًا توقعات الميزانية وموفرًا تدفقات نقدية حيوية لتمويل المجهود الحربي.
إذ يُقدر أن كل زيادة بمقدار 5 دولارات في سعر البرميل ترفع عائدات ضريبة الطاقة بنحو 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا. وترى وكالة أسوشيتد برس أن هذا الارتفاع يمنح روسيا متنفسًا ماليًا يساعدها على تمويل حربها في أوكرانيا.

ولا تمر صادرات النفط الروسية عبر هرمز، إذ صدّرت موسكو معظم نفطها إلى الهند والصين عبر موانئ البلطيق والبحر الأسود والمحيط الهادئ.
ومع إغلاق المضيق، صرّح نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك بأن بلاده مستعدة لزيادة الإمدادات إلى بكين ونيودلهي.
واستطاعت روسيا بالفعل زيادة حصتها في السوق؛ إذ قدر محللون أن الهند اشترت نحو 38 % من الصادرات الروسية في يناير/كانون الثاني 2026، بينما بلغت حصة الصين 48%.
كما أن تعطل إنتاج الغاز الطبيعي المسال (LNG) القطري، إثر استهدافه بضربات إيرانية، أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بشدة، ما أعاد تسليط الضوء على الإمدادات الروسية البديلة وعرقل خطط أوروبا للاستغناء عنها كليًا بحلول 2027.