مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، وتصاعد تداعياتها الإقليمية إثر الانخراط المباشر لحزب الله في المعركة، عاد نهر الليطاني ليتصدر المشهدين العسكري والسياسي بصفته محور ارتكاز لا غنى عنه في الحسابات الاستراتيجية لـ”تل أبيب”.
فقد ضاعف جيش الاحتلال الإسرائيلي إصدار إنذارات إخلاء عاجلة ومفتوحة زمنيًا لأكثر من 100 بلدة وقرية تقع جنوبي النهر، دافعًا بمئات الآلاف من السكان قسريًا نحو الشمال في موجة نزوح جماعية غير مسبوقة.
لا يمثل هذا التصعيد مجرد تكتيك ميداني عابر أو استجابة انفعالية لإطلاق الصواريخ، بل يكشف عن مسار مبيت لسلخ هذه البقعة الجغرافية عن محيطها اللبناني. ومن هنا، يبرز تساؤل مركزي: لماذا تستميت “إسرائيل” للسيطرة على هذه المنطقة تحديدًا؟
1- أصل إستراتيجي
لا يُعد نهر الليطاني مجرد مجرى مائي يتدفق في الأراضي اللبنانية، بل هو أصل استراتيجي وخط فاصل يعيد تعريف جغرافية جنوب لبنان بالكامل.
ينبع النهر من ينابيع العليق غرب مدينة بعلبك على ارتفاع 1000 متر، ويخترق سهل البقاع من شماله إلى جنوبه، قبل أن ينحرف بحدة نحو الغرب بالقرب من منطقة مرجعيون، ليشق طريقه عبر جبال لبنان نحو البحر الأبيض المتوسط شمالي مدينة صور.
يبلغ طول النهر نحو 140 كيلومترًا، وهو أطول الأنهار اللبنانية وأغزرها، ويتميز بكونه نهرًا وطنيًا خالصًا ينبع ويصب داخل الحدود اللبنانية، ما يسقط عنه أي تصنيف قانوني بموجب القانون الدولي للأنهار يتيح لدول الجوار المطالبة بتقاسم مياهه.
وتغطي مساحة حوض الليطاني نحو 1940 إلى 2170 كيلومترًا مربعًا، ما يعادل تقريبًا 20% من مساحة لبنان الإجمالية، ويصرّف كميات مياه تعادل 24% من إجمالي المتساقطات الصافية على الأراضي اللبنانية.
هذا التكوين الفريد جعل منه، “مفتاح مستقبل لبنان”، إذ يربط بين الموارد المائية الهائلة والموقع الجيوسياسي الحساس الذي يفصل فعليًا منطقة الجنوب عن بقية الجغرافيا اللبنانية.
كما يجعله قاعدة انطلاق لأي مشروع تنموي وفي المقابل، يمكن أن يصبح هدفًا جوهريًا لأي مشروع هيمنة.
2- شريان حياة
يشكل الليطاني الشريان الاقتصادي والمائي للبنان، ما يجعله هدفًا ثمينًا لأي قوة تسعى لفرض سيطرة شاملة على الجنوب.
ويؤمن النهر مياه الشرب والري لكتلة سكانية ضخمة موزعة على 263 بلدة، فضلًا عن دوره المحوري في توليد الكهرباء عبر سد وبحيرة القرعون التي تخزن نحو 220 مليون متر مكعب من المياه.
تعتمد مشاريع حيوية، كمشروع ري القاسمية ومشروع منسوب 800 متر، على مياهه لتغذية أكثر من 6000 هكتار من الأراضي الزراعية والبساتين الخصبة في البقاع والجنوب.
واستوعبت “إسرائيل” هذه القيمة مبكرًا، حيث تعاني بنيويًا من أزمات مائية متلاحقة دفعتها تاريخيًا للاعتماد على الموارد المسلوبة من الأراضي العربية.

ولتحقيق غاياتها، عمدت خلال محطات الصراع المتعددة إلى استهداف منشآت النهر وأقنية تحويل المياه ومحطات الضخ، في مسعى صريح لتعطيل استثمار لبنان لموارده، وضرب أمنه الغذائي، وتدمير مقومات الصمود الاقتصادي لأبناء الجنوب.
ويشكل خنق هذه الموارد أداة ضغط استراتيجية تدفع السكان نحو الهجرة القسرية وتسهّل تفريغ المنطقة ديموغرافيًا.
وهو ما يخدم المطامع الإسرائيلية في الاستفادة من هذه المياه كبديل استراتيجي أو مكمل لمياه الضفة الغربية والجولان، إذ أن تحويل مياه الليطاني قد يزيد موارد “إسرائيل” المائية بنسبة 50%.
3- خندق عسكري
تكمن العبقرية القاتلة لليطاني في تضاريسه؛ إذ يشكل مجراه، وخصوصًا في قسمه الغربي المعروف بنهر القاسمية، خطًا جغرافيًا حاكمًا وحاجزًا طبيعيًا شديد التعقيد. ويمتد النهر موازيًا تقريبًا للحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة على مسافة تبعد نحو 29 إلى 30 كيلومترًا إلى الشمال.
وما يجعل هذا الخط ذا قيمة استثنائية في الحسابات العسكرية هو الانحدار السحيق لوديان النهر، حيث يحفر الليطاني مجراه في خوانق صخرية عميقة يصل عمقها في بعض النقاط إلى حوالي 275 مترًا (900 قدم).
يفصل هذا الخندق الطبيعي القاسي مساحة تقدر بنحو 850 كيلومترًا مربعًا جنوبي النهر عن بقية الأراضي اللبنانية شمالًا، ما يحد من قدرة المهاجمين على المناورة المفتوحة والتقدم السريع.
ولذلك، تعني السيطرة الميدانية أو النارية على الضفة الجنوبية للنهر، التحكم تلقائيًا في الممرات الإلزامية وعزل الجنوب عسكريا، وتحويله إلى جيب مغلق يسهل تطويقه بأقل كلفة بشرية للغزاة.
وأظهرت الحروب بين “إسرائيل” ولبنان أن السيطرة على النهر أو تجاوزه ليست مهمة سهلة. ففي حرب يوليو/تموز 2006، هدفت قوات الاحتلال إلى دفع مقاتلي حزب الله إلى ما وراء الليطاني، لكنها تأخرت في شن هجوم بري واسع ولم تتمكن من الوصول إليه إلا في الأيام الأخيرة.
عندها اضطرت قواتها إلى التحرك عبر مسارات متوقعة بسبب الوديان العميقة، فتعرضت لكمائن كثيفة. وعندما حاولت إغلاق طرق الانسحاب، لم تتمكن من سد جميع القنوات بسبب التضاريس وضيق الوقت، مما سمح لمقاتلي حزب الله بالانسحاب شمالًا.
هذه المحاولات جعلت جيش الاحتلال يعترف بأن أي عملية اجتياح للجنوب ستواجه تعقيدات جغرافية تعطي الأفضلية للمدافعين، كما أن هذا الواقع المعقد يفسر لماذا تضع “إسرائيل” خط النهر كحد أقصى لتطلعاتها البرية؛ فهي تسعى لاتخاذه درعًا طبيعيًا يحمي قواتها من الاشتباك المفتوح.
وفي التصعيد الحالي، يعمل جيش الاحتلال تحت استراتيجية أطلق عليها اسم “الدفاع الأمامي المعمق”، مستهدفا تحويل القرى الممتدة من الحدود وحتى الليطاني إلى ساحة دمار شاملة لرفع التكلفة على حزب الله وحرمانه من نقاط الانطلاق.
تاريخ الهوس الإسرائيلي بالليطاني
لم يكن حضور الليطاني في التفكير الإسرائيلي وليد اللحظة الراهنة، بل هو هوس تاريخي يتأرجح بين أطماع سرقة المياه ومفهوم التوسع العسكري الممتد إلى ما تعتبره أدبيات الاحتلال “الجليل الشمالي”.
- 1943: أنشأت الوكالة اليهودية مكتب الأبحاث المائية، وفيه وحدة الليطاني.
- 1946: زارت لبنان بعثة زراعية أمريكية وكتبت تقريرًا مفصلًا بشأن الليطاني.
- 1949: وضعت لجنة “كلاب” التابعة للأمم المتحدة اقتراحات تتعلق بالاقتصاد اللبناني، واعتبرت نهر الليطاني “مفتاح مستقبل لبنان”.
- مطلع الخمسينيات: تداول مخططون صهاينة فكرة ضم هذا النهر أو تحويل جزء من مياهه إلى فلسطين المحتلة.
- 1954: طرح المهندس الأمريكي جون كوتون خطة لشق قناة بطول 100 كيلومتر وتغيير مجرى الليطاني عبر وديانه إلى “إسرائيل”، ما يستوجب السيطرة العسكرية على جنوب لبنان بأكمله.
- حرب 1982: غزا جيش الاحتلال لبنان ووصل إلى بيروت، لكنه أنشأ فيما بعد منطقة أمنية احتلها حتى عام 2000 على امتداد حدود الجنوب.

جرى تفسير أحد أهداف الغزو بأنه الحصول على معلومات هيدرولوجية من سد القرعون؛ إذ ذكرت مصادر بحثية أن قوات الاحتلال استولت على بيانات مسح للنهر ونقلت معدات من مؤسسة مياه الليطاني.
أما الصحافة الأمريكية فذكرت في الثمانينيات أن مسؤولين إسرائيليين رأوا في تحويل جزء من مياه النهر فرصة لزيادة مواردهم المائية بما بين 25 و45٪.
ورغم أن هذه الخطط بقيت في مستوى الطموح لأسباب سياسية وفنية، فإن النهر ظل يظهر في الأدبيات الاستراتيجية كمفتاح لعمق أمني يمنع تمركز مقاتلي حزب الله في المدى القصير ويؤمن مياهًا إضافية لدولة الاحتلال في المدى البعيد.
وخلال المواجهة الحالية، يحاول الاحتلال تطبيق استراتيجية الأرض المحروقة في الليطاني لتهيئة مسرح عمليات بري متقدم من أجل تحويل الضفة الجنوبية للنهر إلى مساحة رماية حرة خالية من الكثافة السكانية، ما يعوض الإخفاق الاستخباراتي والميداني في مواجهة الصواريخ والمسيّرات.