ترجمة وتحرير: نون بوست
قبل وقت طويل من سقوط الطائرات المسيّرة الإيرانية على المطارات وناطحات السحاب والسفارات في جميع أنحاء الخليج العربي خلال الأسبوع الماضي، كان الجيش الأمريكي منشغلاً بمحاولة إيجاد وسائل منخفضة التكلفة لإسقاطها.
في عام 2024، قامت جهود البحث والتطوير العسكرية بتفكيك طائرة “شاهد” المسيرة الإيرانية وإعادة هندستها عكسيًا لاستخدامها في تدريبات الاستهداف، بهدف تطوير وسائل دفاع جديدة ضد هذا السلاح الذي كانت إيران قد بدأت بتزويد حلفائها به، بما في ذلك روسيا وفنزويلا وحزب الله.
ومن هنا ظهرت فكرة جديدة: إذا كانت الطائرة المسيّرة الإيرانية رخيصة وفعّالة إلى هذا الحد، فلماذا لا يتم تقليدها؟
وهكذا وُلد “نظام القتال الهجومي غير المأهول منخفض التكلفة في الولايات المتحدة”، والمعروف اختصاراً باسم “لوكاس”. وخلال الأسبوع الماضي، استخدمت القوات الأمريكية هذه المُسيّرة للمرة الأولى في العمليات القتالية لاستهداف البنية التحتية وإرباك أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية.
وقالت القيادة المركزية الأمريكية في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي: “إن هذه الطائرات المُسيّرة منخفضة التكلفة، والمصممة على غرار طائرات “شاهد” الإيرانية، تُنزل الآن عقاباً أمريكي الصنع”.

وأصبحت مبارزة الطائرات المسيّرة سمة بارزة في الحرب مع إيران. فهي تمنحنا لمحة عن مستقبل تصبح فيه القدرة على استخدام التقنيات الجديدة، ومحاكاة أساليب الخصوم بسرعة، وإنتاج أسلحة رخيصة بكميات كبيرة، لا تقل أهمية عن القدرة على بناء أكثر الأسلحة تطورًا. إن هذا الأسلوب السريع في الابتكار يبدو مألوفًا أكثر في وادي السيليكون منه في بيروقراطية المشتريات داخل البنتاغون.
وتتفاوت المُسيّرات منخفضة التكلفة التي تصل إلى ساحة المعركة في الحجم والتكلفة والقدرات، إذ يبلغ طول كل من “شاهد” و”لوكاس” نحو 10 أقدام مع جناحين يصل طولهما إلى ثمانية أقدام، وتكلف كل منهما حوالي 35 ألف دولار، كما تحملان شحنة متفجرة في المقدمة تنفجر عند الارتطام. وبمجرد إدخال إحداثيات الهدف، يمكن لهذه الطائرات أن تقطع مئات الأميال بشكل ذاتي القيادة.
وتحتل هذه المسيرات، التي تشبه في مظهرها طائرات مقاتلة مصغرة، موقعًا وسطًا بين طائرات “الكوادكوبتر” الصغيرة المخصصة للهواة، والتي أُعيد توظيفها كقنابل موجهة يدويًا في أوكرانيا، وبين طائرات “بريديتور” و”ريبر” الأمريكية التي تبلغ تكلفتها ملايين الدولارات، والتي يمكنها التحليق في السماء ليوم كامل وحمل الصواريخ.
إن عمليات القصف التي كانت تتطلب ذات يوم دفعات من الصواريخ باهظة الثمن، يمكن الآن تنفيذها بتكلفة توازي مجموعة سيارات من طراز “هوندا أكورد”. وبذلك، أصبحت المناطق التي كانت تبدو محصنة ضد الصراعات، مثل المدن الفخمة في منطقة الخليج، في مرمى نيران هذه الطائرات وبكل سهولة.
وقال مايكل سي. هوروويتز، المسؤول في البنتاغون خلال إدارة بايدن، إن هذه القدرات تتزايد وتنتشر بسرعة كبيرة. وأوضح أن التقدم في البرمجيات الخاصة بالأنظمة ذاتية القيادة، وتسريع وتيرة التصنيع، وانتشار تقنيات التوجيه الدقيق للأهداف؛ ستجعل من الطائرات المُسيّرة منخفضة التكلفة واقعًا دائمًا في الحروب المستقبلية.
وقال هوروويتز، الذي عمل على برنامج “لوكاس”: “تزداد قدرة أي دولة أو جماعة مسلحة حول العالم على إجراء عمليات الاستطلاع، والضربات قصيرة المدى، وحتى الضربات طويلة المدى. إن هذا يغير حقًّا من طبيعة الحرب”.
وقد أنتجت شركة “سبيكتر ووركس”، وهي شركة ناشئة صغيرة في ولاية أريزونا، مُسيّرة “لوكاس”. ويعتقد محللون دفاعيون أنها تستخدم نسخة عسكرية من نظام “ستارلينك” في إيران تُعرف باسم “ستار شيلد” للملاحة، أو نظام اتصال آخر عبر الأقمار الصناعية. ويعد هذا مؤشرًا على الكيفية التي يمكن بها للتقدم في التكنولوجيا التجارية أن يثمر أسلحة جديدة وبسيطة لا تقل أهمية عن الأنظمة المعقدة التي أمضى مقاولو الدفاع عقوداً في بنائها.
وقالت لورين كان، المستشارة السابقة للسياسات في البنتاغون والمحللة البحثية البارزة حاليًّا في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورج تاون: “هذه هي المرة الأولى منذ فترة طويلة، وتحديداً منذ الأيام الأولى للحرب الباردة، التي ترى فيها الولايات المتحدة قدرة أنتجها خصم، فتقرر أنها تسد فجوة لدينا وتقوم بإنتاجها”.
ولم تستجب شركتا “سبيكتر ووركس” و”سبيس إكس”، المملوكة لإيلون ماسك والتي تدير “ستار شيلد”، لطلبات التعليق. ومن جانبه، قال ماسك في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن نظام “ستار شيلد” تديره الحكومة الأمريكية و”ليس تحت سيطرة سبيس إكس”.
ويعكس هذا الابتكار المتبادل بين الطرفين ما يحدث في حرب أوكرانيا، حيث بات سباق الابتكار المستمر في الأسلحة سمة أساسية للقتال على الخطوط الأمامية.
ويقول المسؤولون الأمريكيون إن الإنجاز الحقيقي لـ “لوكاس” لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في سرعة تطويرها، إذ نجح الجيش في إجراء هندسة عكسية لسلاح أحد المنافسين وطرح نسخته الخاصة في غضون 18 شهراً تقريباً. ومع سعر يبلغ 35 ألف دولار فقط، مقارنة بصاروخ كروز من طراز “توماهوك” الذي تبلغ تكلفته 2.5 مليون دولار، تصبح الجدوى الاقتصادية لهذا السلاح أمرًا لا يقبل الجدل.
غير أن الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة لها سلبيات؛ فهي بطيئة وتصدر طنيناً عالياً، مما يجعل اكتشاف الهجوم سهلاً. وبسبب حجمها الصغير، لا يمكنها حمل سوى حمولة محدودة من الذخيرة، مما يحد من حجم الأضرار التي يمكن أن تُحدثها، كما يمكن استخدام أنظمة الحرب الإلكترونية لتعطيل قدراتها على الملاحة.
رغم ذلك، يجري تطوير مزيد من تصاميم الطائرات المسيّرة؛ فبفضل تصميمها القابل للتعديل وبرمجياتها المرنة، يمكن تعديل “لوكاس” وتطويرها مع نمو قدرات التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي. وقد تضمن مشروع قانون الضرائب والسياسة المحلية الذي أقره الرئيس ترامب العام الماضي مبلغ 1.1 مليار دولار لـ “برنامج الهيمنة بالمُسيّرات” لبناء الآلاف من الطائرات الهجومية منخفضة التكلفة.
وقد وقع الجيش الأمريكي عقودًا مع شركات تكنولوجيا عسكرية خاصة، بما في ذلك “أندوريل” و”سكايديو”، لإنتاج طائرات مسيرة أكثر تطورًا مصممة للعمل جنبًا إلى جنب مع الطائرات الرخيصة. والهدف هو امتلاك ترسانة تجمع بين “الدقة” و”الكثافة العددية”، إذ تشير كان إلى أن بعض الخطط تقضي بأن يقود طيارو المقاتلات أسرابًا خاصة بهم من الطائرات المُسيّرة.
وقال هوروويتز، الذي يشغل حاليًا منصب مدير مركز “بيري وورلد هاوس”، وهو مركز أبحاث للشؤون العالمية بجامعة بنسلفانيا: “في الوقت الحالي، تميل هذه الأنظمة لأن تكون إما موجهة عن بُعد، أو أنظمة “أطلق وانسَ”. من السهل أن نرى كيف ستكون التطورات المستمرة في مجال الذكاء الاصطناعي خيارًا جذابًا للغاية لزيادة فاعلية هذه الأنظمة، شريطة أن تثبت كفاءتها وموثوقيتها”.
هدف إرهابي أوسع
وخلال الأسبوع الماضي، أنتجت الطائرات المسيّرة الإيرانية بعضًا من أكثر الصور رعبًا في هذا الصراع.
وانتشرت مقاطع فيديو عبر الإنترنت تُظهر طائرات “شاهد” وهي تصطدم بناطحة سحاب في البحرين، وفندق “فيرمونت ذا بالم” في دبي بالإمارات. كما أظهرت مقاطع أخرى مطار دبي وقد غطاه الدخان، ومنشأة رادار باهظة الثمن في البحرين وهي تنهار تحت وطأة انفجار ضخم. كما استهدفت الطائرات الإيرانية المسيرة السفارة الأمريكية في الرياض بالسعودية، ومراكز بيانات شركة “أمازون” في الإمارات، وإن لم يتسنَّ التحقق فورًا من أن تلك الهجمات قد نُفذت بطائرات “شاهد”. وقد تسببت هذه الأحداث في شلل حركة الملاحة الجوية في المنطقة، مما أدى إلى تقطع السبل بالسياح والمسافرين من رجال الأعمال.
وقالت آنا ميسكيلي، المحللة في شؤون الدفاع في “فوركاست إنترناشيونال”: “إن هذه الطائرات مصممة لإحداث دمار شامل وفوضى عارمة. كما أنها تحقق تأثيرًا إعلاميًّا قويًّا جدًّا عندما تتوفر مثل هذه الفيديوهات للانفجارات”.
وأوضح فرزين نديمي، خبير الشؤون الأمنية الإيرانية والزميل البارز في معهد واشنطن، أن القدرة على بث الرعب في نفوس المدنيين، وزعزعة الاستقرار الاقتصادي، وقلب موازين الحياة اليومية، تشكل جزءًا جوهريًّا من إستراتيجية الطائرات الإيرانية المسيرة. وأضاف أن هذه الهجمات تخدم الدعاية السياسية في الداخل الإيراني والتي تحتاجها الحكومة لاستعراض ما تصفه بـ “قصص النجاح”.
وذكر نديمي أن إيران قامت بتخزين آلاف الطائرات المُسيّرة في كهوف ومخابئ أخرى. ويعتقد أن الإيرانيين يمتلكون ما يكفي من المخزون لمواصلة إطلاق أسراب تضم مئات المُسيّرات في هجمات يومية لمدة لا تقل عن عدة أسابيع. وتتميز هذه الطائرات بسهولة وسرعة الإطلاق، إذ لا يتطلب الأمر غالبًا سوى حاوية مثبتة على شاحنة لمنصة الإطلاق. ومن جانبها، استهدفت القوات الأمريكية والإسرائيلية مراكز تصنيع طائرات “شاهد” ومناطق إطلاقها.
ويُعتقد أن أحد أولى استخدامات تصميم “شاهد” كان في هجوم عام 2019 على المنشآت النفطية السعودية. وقد اعتمد هذا السلاح الجديد على تصميم مركب من تكنولوجيا موجودة مسبقًا، بما في ذلك محرك ألماني بسيط مخصص للطائرات الخفيفة تمت إعادة هندسته.
وبسبب بدائية هذه الطائرات، فإن سرعتها البطيئة وتحليقها المنخفض يجعلان من الصعب على أنظمة الدفاع الجوي الحديثة اكتشافها؛ إذ غالباً ما تقوم برمجيات الرادار بتصفية واستبعاد الأجسام التي تتحرك بهذه السرعة البطيئة. وإذا ما تم تعديل تلك البرمجيات، فقد تلتقط أهدافًا إيجابية خاطئة مثل الطيور أو طائرات “سيسنا” المدنية. كما أن الدفاع ضد هجمات “شاهد” باهظ الثمن، إذ قد تصل تكلفة الصاروخ الدفاعي الواحد إلى 3 ملايين دولار.
وقالت ميسكيلي: “إنها صغيرة بما يكفي للاختباء من الرادار، ورخيصة بما يكفي ليتم إطلاقها بكميات ضخمة، وفتاكة بما يكفي لإجبارنا على استخدام تكنولوجيا أكثر تكلفة بكثير لإيقافها”.
دروس من كييف
في أوكرانيا، أصبحت هجمات أسراب “شاهد” شائعة جدًّا لدرجة أن اسم هذه المُسيّرة صار مصطلحاً متداولاً في كل بيت. بل إنها حظيت بـ “رمز تعبيري” خاص بها في القنوات الإلكترونية المخصصة للتحذير من الغارات الجوية.
ويرى برايان كلارك، الزميل البارز في معهد “هيدسون”، أن الصراع الإيراني يمثل، من نواحٍ عديدة، امتداداً لما يحدث في أوكرانيا منذ عام 2022. فقد أجرت روسيا، التي تمتلك الآن مرافق إنتاج خاصة بها لطائرات “شاهد”، مجموعة من التعديلات التي انتقلت بدورها إلى إيران، مثل أجهزة استشعار أكثر تطورًا، وأنظمة ملاحة آلية، وقدرات استهداف معززة.

وطورت القوات الأوكرانية أيضًا أنظمة رصد تستخدم الكاميرات والأجهزة الصوتية للتنصت على صوت الطنين الذي تشتهر به هذه المُسيّرات، والذي يشبه صوت “آلة قص العشب”. وتنوعت تجارب اعتراض هذه الطائرات بين استخدام الرشاشات والأسلحة الإلكترونية، وصولاً إلى الشبكات وحتى استخدام مُسيّرات أخرى لمواجهتها.
وقد بدأت بعض تقنيات الدفاع الأوكرانية تصل إلى الأطراف المشاركة في الصراع الإيراني. وفي تصريحات أدلى بها يوم الأربعاء، ذكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه تحدث مع مسؤولين أمريكيين وقادة في الإمارات وقطر بشأن تزويدهم بالتكنولوجيا اللازمة للحماية من هذه المُسيّرات، تزامنًا مع تراجع مخزونات الأنظمة الدفاعية الأخرى باهظة الثمن.
وكتب زيلينسكي: “إن خبرة أوكرانيا في مواجهة طائرات شاهد المسيرة هي الأكثر تقدمًا في العالم حاليًا. من الواضح تمامًا سبب توجيه الكثير من الطلبات إلى أوكرانيا”.
ومع تزايد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي تهدف إلى تدمير مرافق إنتاج المُسيّرات الإرانية بالكامل، يراقب الكثيرون ليروا ما إذا كانت روسيا ستزود إيران بتعزيزات من طائرات “شاهد”، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد الحرب بشكل أكبر.
وقال كلارك: “تمتلك روسيا حاليًّا مرافق تصنيع أكبر، فبعد أن قدمت إيران الدعم الإنتاجي لروسيا خلال حرب أوكرانيا، هل سترد روسيا الجميل الآن؟”.
المصدر: نيويورك تايمز