بينما تحتل الضربات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية على إيران الشاشات والصحف، وتدور تحليلات الظل حول الجهود الاستخباراتية التي سبقت الهجوم ورافقته؛ تعمل قوى داخلية بهدوء ضمن استراتيجية واشنطن الأوسع للضغط على طهران؛ قوى تحمل في طياتها مستويات ومشارب وأهدافًا متعددة، وتدور في فلكها فواعل معارِضة لنظام المرشد من جماعات المهجر وميليشيات إثنية ومناوئين سياسيين وحقوقيين في الشارع الإيراني وفي الشتات.
فكيف قامت واشنطن بتوظيف قوى المعارضة الإيرانية في استراتيجيتها لإسقاط نظام المرشد؟ وكيف خدمت تلك القوى على المستويات السياسية والاستخباراتية للعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية؟ وكيف دعمت واشنطن تلك القوى في بناء سرديتها الشرعية؟ وأي دورٍ أناطته بها؟ يحاول هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.
لعبة قديمة
لا يعد لجوء واشنطن إلى المعارضين والجماعات الانشقاقية سياسة وليدة اللحظة؛ إذ لطالما لجأت إلى تحريك الفواعل الداخلية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية الدولية دون تدخل عسكري مباشر، ولم تشذّ طهران عن هذه القاعدة؛ فقد لجأت واشنطن لعقود إلى تمويل وتحريك قوى معارضة للنظام الإيراني، على اختلاف بل وتناقض صفات تلك القوى وأهدافها واستراتيجيات عملها. فمن مجاهدي خلق إلى أتباع رضا بهلوي، وصولاً إلى الجماعات الكردية المنشقة، سلكت واشنطن مسالك شتى لا يجمعها سوى هدف واحد، وهو زعزعة استقرار الداخل الإيراني والضغط على نظام المرشد وصولاً إلى لحظة إسقاطه.
خارطة المعارضة الإيرانية ليست واحدة على امتداد الجغرافيا والتاريخ؛ فقد شهدت العقود التي تلت الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه تغيراً مستمراً في خارطة المعارضة، وفقاً للمناخ الدولي السائد، كما تغيرت مقاربة واشنطن وأدواتها في استغلال معظمها تبعاً لتغير مقتضيات الحال، فبعد الثورة الإسلامية مباشرة، كانت قوى المعارضة منقسمة بين ملكيين بقيادة رضا بهلوي، وبين يساريين وماركسيين معادين لأمريكا.
لكن انهيار الاتحاد السوفيتي أوائل تسعينيات القرن الماضي، وإعلان انتهاء الحرب الباردة بانهياره، ساق العديد من المهنيين والطلبة والصحفيين والأكاديميين المنادين بالعلمانية خارج إيران نحو دول المهجر، ليشكلوا بذلك تجمعات جديدة تبحث عن إطار أيديولوجي جامع في الخارج لتوحيد جهود مناوئة المرشد، وقد أبقت كثير من هذه التجمعات على سردية حقوق الإنسان ونظام الحكم العلماني الاشتراكي بديلاً عن الجمهورية الإسلامية.
ولعبت نقطة الدعم الأمريكي لقوى المعارضة دوراً مزدوجاً في الشارع الإيراني؛ فمن ناحية أبقى نظام المرشد على سردية “العمالة لأمريكا” جاهزة وفي المتناول لمواجهة كافة أشكال المعارضة للنظام، ولحشد مزيد من التأييد والشرعية من أنصار الجمهورية الإسلامية وأتباع خامنئي. ومن ناحية أخرى، لم تتوانَ بعض قوى المعارضة الإيرانية عن تأكيد صلتها بواشنطن لتحصد بدورها مزيداً من الثقة والدعم من الفئات الساخطة على النظام، وتلك المستضعفة التي أنهكتها العقوبات الأمريكية ودفعت أثماناً باهظة للصراع الإيراني-الأمريكي.
الأقليات الإثنية: شوكة أمريكية في خاصرة طهران
تعاون استخباراتي ممتد
حيث أوردت تقارير أمريكية أن “مجاهدي خلق” قدموا معلومات سرية مفصلية حول المنشآت النووية الإيرانية لواشنطن مع بداية حربها المفتوحة على الإرهاب، وتواصل تعاونهم مع الوكالة حتى رُفعت صفتهم عن قوائم الإرهاب عام 2012.
سلاح التمويل وبرامج حقوق الإنسان
تعدّ مبادرات التمويل الأمريكية تحت غطاء دعم الديمقراطية في إيران مدخلاً مهماً لتوجيه وتوظيف تحركات المعارضة الإيرانية؛ فعلى امتداد عقود خصصت واشنطن للمعارضة الإيرانية مبالغ طائلة توجهت لدعم مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان الموافقة لأجندة واشنطن من جهة، ولدعم تغطية الشبكة العنكبوتية والبث الإذاعي والإعلامي المناهض للنظام والمحرّض على الثورة والتمرد من جهة أخرى.
فقد نوّعت واشنطن من مداخلها إلى طهران؛ فلم تقصر دعمها على الميليشيات المسلحة والمعارضة السياسية المنادية بشكل مباشر بإسقاط نظام المرشد، بل امتد دعمها طوال عقود لمنظمات المجتمع المدني والفواعل المجتمعية غير ذات الطابع السياسي، والتي تتمترس وراء خطابات حقوق الإنسان من حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق العمال والحريات الدينية وغيرها من الشعارات.
فبعد أن تصاعدت نبرة واشنطن تجاه طهران عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ أعلن جورج بوش الابن أن طهران جزء من “معسكر الشر”، لكنه أبقى على لغة الإصلاح تجاهها دون مناداة رسمية بتغيير النظام. وقد رصد الكونغرس عام 2002 مبلغ عشرين مليون دولار أمريكي لغايات “نشر الديمقراطية في إيران”.
وقد طالبت إدارة بوش الابن عام 2006 بمبلغ إضافي قدره 75 مليون دولار أمريكي لدعم عمليات الإصلاح ونشر الديمقراطية في إيران؛ حيث تم رصد مبلغ 36.1 مليون دولار منها لصالح محطة “صوت أمريكا” وإذاعة “راديو فاردا” الداعمتين لواشنطن. بينما تم توزيع بقية المبلغ على منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني في الداخل الإيراني أو في الخارج، مثل مركز توثيق حقوق الإنسان الإيراني الذي يتخذ من ولاية كونيتيكت مقرًا له.
كما تشكل برامج “الصندوق الوطني للديمقراطية”، الممولة من الكونغرس الأمريكي والموجهة لإيران، إحدى أهم مبادرات التمويل للمعارضة الإيرانية؛ وقد بدأ دعم الصندوق للنشطاء والصحفيين والمؤسسات المناوئة للنظام الإيراني منذ بداية تسعينات القرن الماضي، مانحًا تمويلًا سخيًا لمنظمات المجتمع المدني التي تقوم على سرديات حقوق الإنسان وتوثيق انتهاكات النظام الحقوقية ضد المدنيين الإيرانيين، وسط اتهامات من جهات عدة بتحول هذا الصندوق إلى غطاء لعمليات الولايات المتحدة الاستخباراتية والتجسسية، الرامية إلى زعزعة استقرار الدول والتدخل في شؤونها الداخلية.
وقد كانت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” الإيرانية، التي انطلقت عام 2022 عقب مقتل الكردية مهسا أميني في مراكز الاحتجاز الشرطية في طهران، واحدة من أبرز الجهات التي موّلها الصندوق. وبينما يتحفظ الصندوق على الأرقام الفعلية والجهات التي يمولها بصورة معلنة؛ فقد خصص الصندوق عام 2023 مبلغ 283 مليون دولار أمريكي لـ1989 مشروعًا وجهة ومبادرة تتفق مع أجندته حول العالم، تحت سرديات الحقوق والحريات ومناهضة اضطهاد الحكومات في الخارج.

كما تعدّ منظمة “الديمقراطية في إيران”، المنادية علانية بإسقاط نظام المرشد، جهة أخرى لتمويل الصندوق. وتضم المنظمة، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، وجوهًا وشخصيات إيرانية معارضة تسعى إلى توثيق ومتابعة مشهد حقوق الإنسان، والترويج لبديل ديمقراطي متفق مع توجهات واشنطن لقيادة الحكم في طهران.
كما تموّل واشنطن عبر قنوات أخرى، منها صندوق تمويل مبادرات الشرق الأدنى (NERD)، وهو برنامج تابع لوزارة الخارجية الأمريكية تأسس عام 2009 تحت إشراف إدارة أوباما بشكل مخصص لدعم مؤسسات المجتمع المدني والإعلام المناهض للنظام في إيران، بميزانية قدرها 600 مليون دولار أمريكي، كخلفٍ لبرنامج سابق مشابه هو صندوق تمويل إيران الذي أسسه بوش الابن عام 2006 بشكل مباشر لدعم المعارضة الإيرانية في الداخل، وركّز على حرية الإنترنت لتوثيق الاحتجاجات وتحريكها. بينما فضّل أوباما تخصيص البرنامج الجديد لدعم خارجي لبرامج القوة الناعمة التي تقوم على تدريب الصحفيين، وتوثيق الانتهاكات الحقوقية، وتوفير أدوات تجاوز قيود الإنترنت (VPN).
وقد تعرّضت برامج الصندوق لتضييقات في الكونغرس، وتم قطع تمويلها عدة مرات، خاصة خلال فترة إدارتي ترامب، حيث كانت ضمن برامج التمويل الخارجية التي أوقفتها الإدارة واعتبرتها تبذيرًا غير لازم للميزانية الأمريكية، ما أثار العديد من الانتقادات الأمريكية والإيرانية الداعمة للمعارضة، والتي رأت في هذه التضييقات إسكاتًا لصوت المعارضة الإيرانية في الأوقات الحرجة.
كما حظيت منظمات المجتمع المدني المعنية بالمعلومات والتوثيق والسردية الإعلامية في طهران والخارج بدعم وتمويل من مركز الانخراط العالمي التابع للحكومة الأمريكية، والذي ركّز جهوده على دعم المبادرات والبرامج والشراكات الإعلامية في روسيا والصين وإيران، قبل أن تقوم إدارة ترامب الحالية بإغلاقه في ديسمبر/كانون الأول 2024 بدعوى عدم الفعالية.
حربة الإعلام: سلاح واشنطن الناعم
لجأت واشنطن إلى سلاح الإعلام كأداة لدعم وتمكين المعارضة الإيرانية؛ فأسست وموّلت كلًّا من إذاعة “فاردا” ومحطة “صوت أمريكا” (VOA) الناطقتين باللغة الفارسية والموجّهتين لعموم الإيرانيين عبر تقنيات بث الأقمار الصناعية لتجاوز تقييدات الإنترنت، وتقدمان سردية مناوئة لتلك التي يقدمها الإعلام الرسمي الإيراني.
ويتم تمويل “صوت أمريكا” بتخصيصات من الكونغرس من خلال الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي، بميزانية وصلت إلى 199.5 مليون دولار أمريكي لصالح المحطة و643 مليون دولار أمريكي لصالح الوكالة الأم للسنة المالية الحالية 2026. وبالمثل موّلت واشنطن “راديو فاردا” واعتبرته ذراعها الإذاعي في طهران، قبل أن تهدد قرارات ترامب الأخيرة مستقبل الإذاعة بوقف تمويلها باعتبارها زائدة عن الحاجة.

من ناحية أخرى، سعت واشنطن إلى تمويل برامج متصلة بحرية الإنترنت في أوقات التضييق الحكومي على الشبكة في طهران، لدعم التواصل بين المتظاهرين وتسهيل تجمعهم وتحريكهم بعدة مبادرات، كان آخرها مشروع قانون “الوصول والاستخدام للإنترنت الآن” (IRAN) لعام 2026، لتطوير استراتيجيات توفر البث عبر الأقمار الصناعية والـVPN، وتمول تكنولوجيا التواصل المباشر التي تتجاوز تضييقات الإنترنت، مع ضمان ألا تحول العقوبات الأمريكية دون دخول التكنولوجيا المطلوبة للمعارضة الإيرانية للتواصل والتحرك في الداخل.
كما انضم إليه مشروع قانون آخر هو قانون “حقوق الإنسان وحرية الإنترنت والمحاسبة لإيران”، وقد طالبت هذه المبادرات التشريعية بتوسيع حدود برنامج “منحة حرية الإنترنت في إيران”، وهو برنامج آخر ينضم إلى جوقة البرامج الأمريكية الموجهة لدعم المعارضة الإيرانية في الداخل، والمدعومة من وزارة الخارجية الأمريكية وصندوق التكنولوجيا المفتوحة الأمريكي.
كما لم تتوانَ واشنطن عن منح وجوه المعارضة المنادية بإسقاط النظام مساحة واسعة في الإعلام والتنسيق داخل الولايات المتحدة؛ فمن استضافة معارضين إيرانيين على وكالات الإعلام الرسمية وتقديمهم بوصفهم متحدثين باسم الشعب الإيراني، إلى دعم مبادرات وفعاليات إعلامية وتحشيدية وجماهيرية بقيادة أبرز وجوه المعارضة الإيرانية في الولايات المتحدة.
فمع انطلاق الحملة العسكرية الأخيرة للولايات المتحدة على طهران، كثّفت المنصات الإعلامية الأمريكية من الحضور الإيراني المعارض في برامجها ونشرات أخبارها، فقد تكرر ظهور معارضين يؤيدون التحرك الأمريكي ويدعون واشنطن إلى زيادة ضغوطها لإسقاط النظام في طهران، من أمثلة مسيح علي نجاد وغولدي غاماري، اللذين ظهرا مرارًا على شبكة فوكس نيوز.
وقد حذت حذوها سي إن إن وإن بي سي ونيوز نيشن وغيرها من المحطات التي منحت منصاتها للإيرانيين في الشتات ونشطاء وصحفيين وحقوقيين أكراد وإيرانيين معارضين، نادت في مجملها بتفكيك الجمهورية الإسلامية، إما بتكثيف الضربات العسكرية الأمريكية أو بالضغط باتجاه انتقال سلمي للسلطة وإنشاء حكومة علمانية موافقة للنموذج الأمريكي.
وقد تعرّض الإعلام الأمريكي الرسمي، بسبب سرديته المضللة التي تركّز على وجوه بعينها وتتجاهل الرأي الآخر، لانتقادات متكررة بوصفه ذراع ترامب للبروباغندا الإعلامية في ظل الأحداث الحالية.
الحشد واللوبي الإيراني
دعمت واشنطن، إضافة إلى المساحة الإعلامية، مؤتمرات المعارضة في الولايات المتحدة التي تهدف إلى تجميع وتحشيد الأصوات المعارضة في الخارج؛ ففي عام 2023 عقدت أبرز وجوه المعارضة الإيرانية، ومنها رضا بهلوي ومسيح علي نجاد وشيرين إيبادي، مؤتمراً حاز على تغطية إعلامية واسعة في جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة، عمل على إبراز الأصوات المعارضة الشابة وتقديمها للإعلام والجمهور. وقد سبق هذا المؤتمر عدد من الفعاليات الجماهيرية التي تتخذ من شعارات حقوق المرأة والإنسان ومناهضة الديكتاتورية والدولة الدينية مظلة جامعة لجهودها، وحازت هذه الفعاليات على دعم لوجستي ومادي وإعلامي من واشنطن.

(توم برينر / غيتي إيمجز).
من جهة أخرى، منحت واشنطن مساحة معتبرة للوجوه الإيرانية المعارضة على أراضيها للتحرك السياسي والدبلوماسي وتشكيل جماعات ضغط سعت لدى الكونغرس والإدارات الأمريكية المتعاقبة لتحريك ملف العقوبات الأمريكية ضد طهران وتكثيف الجهود الدبلوماسية الضاغطة، بل وحتى طرح وتأييد ملف توجيه ضربات عسكرية للنظام ومنشآته النووية. ورغم أنه لا توجد كتلة معارضة موحدة في الكونغرس، فإن هذه الجماعات تشترك في هدف واحد هو إسقاط النظام الثيوقراطي الإيراني واستبداله بنظام علماني ديمقراطي على غرار النظام الأمريكي.
برز من هذه الجماعات المجلس الوطني الإيراني الأمريكي (NIAC)، والذي اتسمت جهوده بالدبلوماسية الرافضة للعقوبات الشاملة مع الحفاظ على مطلب إسقاط النظام. كما برزت منظمة المجتمعات الإيرانية الأمريكية (OIAC) والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (NCRI)، اللذان يدعمان جماعة مجاهدي خلق ويطالبان بإسقاط النظام بكافة الوسائل المتاحة.
ختاماً، في مقال لكاتب الرأي مارك ثيسن نشرته صحيفة واشنطن بوست حول “نظرية ترامب في إيران”، نال إعجاب ترامب حتى إنه أعاد نشره مرتين على حساباته على مواقع التواصل، اقترح الكاتب أنه لا حاجة لتدخل أمريكي بري مكلف، وأن الإيرانيين هم الجنود على الأرض القادرون على إنجاز المهمة إذا ما تم توجيههم بالصورة المناسبة، ويبدو أن واشنطن جادة في هذا المسعى لتلقم النار حطباً ليس لها.
