في نهاية فبراير/شباط 2026، ضربت مسيّرة إيرانية الصنع من نوع “شاهد” أطلقت من لبنان، قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص الجنوبية، مما ألحق ضررًا محدودًا بالمدرج لكنّه فجّر قلقًا أوروبيًا من تحول الجزيرة إلى مسرح للحرب.
بعد الضربة، زار رئيس الوزراء البريطاني الجزيرة مصطحبا وزير الدفاع ومسؤولين عسكريين مؤكدا التزام بلاده بأمن القواعد، كما وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قبرص وعقد قمة مع نظيره القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني، معلنًا أن “الهجوم على قبرص هو هجوم على أوروبا”.
فما طبيعة التحشيد في قبرص بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما قصة القواعد العسكرية الموجودة هناك ومدى تشابك هذه الجزيرة في صراعات الشرق الأوسط؟
حشد عسكري وسياسي
جاءت التعزيزات الأوروبية عقب ضربة أكروتيري كالتالي:
- أرسلت بريطانيا المدمرة “إتش إم إس دراغون” المزودة بمنظومة “سي فايبر” المضادة للصواريخ، ومروحيتين “وايلدكات” مجهزتين بصواريخ “مارتلت”.
- نشرت فرنسا منظومات دفاع جوي مضادة للمسيّرات والصواريخ وأرسلت الفرقاطة “لانغدوك”، كما تواجدت حاملة الطائرات “شارل ديغول” في شرق المتوسط.
- أرسلت اليونان أربع مقاتلات “إف‑16” إلى قاعدة بافوس وفرقاطتين، إحداهما مجهزة بنظام التشويش “سينتاوروس” القادر على رصد وتعطيل المسيّرات منخفضة الارتفاع.
- تتوالى التقارير عن نية إيطاليا وإسبانيا وهولندا نشر سفن حربية في المنطقة، مع وصول قطع بحرية أوروبية أخرى.
ماذا يوجد في جنوب قبرص؟
توجد في جنوب الجزيرة نوعان من مناطق القواعد نستعرضها كالتالي:
أولا: المنطقتان السياديتان البريطانيتان:
منذ استقلال قبرص عام 1960، احتفظت لندن بمنطقتي أكروتيري ودكليا وتبلغ مساحتهما 98–99 ميلًا مربعًا (نحو 3٪ من مساحة الجزيرة)، واللتان تضمان أكثر من عشرة آلاف قبرصي وقرابة 3800 عسكري ومدني بريطاني وعائلاتهم.
1- أكروتيري: القاعدة الجوية الرئيسية، تضم مدرجًا طويلًا يستقبل مقاتلات “إف‑35 بي” و”تايفون”، وطائرات التزويد بالوقود “فويجر”، والنقل “أطلس”، إضافة إلى سرب البحث والإنقاذ 84 الذي يعمل بالتنسيق مع السلطات القبرصية.
خلال حرب العراق 2003 كانت أكروتيري مركزًا لوجستيًا كبيرًا وما زالت تستضيف طائرة التجسس الأمريكية “يو‑2” التي تنفذ طلعات استطلاع على الشرق الأوسط. وتستخدم القاعدة اليوم لدعم العمليات ضد الحوثيين في اليمن ولتسهيل عمليات الإخلاء والمراقبة في سوريا ولبنان.
وأثناء الحرب الجارية حاليا، وصلت ست مقاتلات “إف‑35 بي” من قاعدة مارهم البريطانية ومروحيات “وايلدكات” للتصدي للمسيّرات.

وتستخدم البحرية الملكية ميناء أكروتيري لإمداد السفن العاملة بالشرق الأوسط. وقد أكد وصول المدمرة “دراغون” القدرة على دعم العمليات البحرية ضد تهديدات المسيّرات والصواريخ.
2- دكليا: تضم كتيبة مشاة بريطانية دائمة، مع وحدات لوجستية وطبية وهندسية وقوات شرطة عسكرية، وتشمل أيضًا منشآت اتصالات متقدمة في موقع آيوس نيكولاوس.
ثانيًا- المناطق التابعة لجمهورية قبرص:
أبرزها قاعدة سلاح الجو القبرصي المعروفة باسم أندرياس باباندريو، والتي بنيت في تسعينيات القرن الماضي كحجر أساس للتحالف الثلاثي بين نيقوسيا وأثينا وباريس، وتستقبل اليوم بشكل دوري مقاتلات يونانية وفرنسية.
وخلال الأزمة الحالية تمركزت فيها أربع مقاتلات “إف‑16” يونانية وأصبحت مسرحًا للقاءات السياسيين الأوروبيين أخيرا. وتقع القاعدة تحت السيادة القبرصية ولا وجود دائم لقوات أجنبية فيها سوى دورات تدريبية أو مناورات مشتركة.
بالإضافة إلى ذلك، تستضيف قبرص الجنوبية منشآت بحرية في ماري/زابنيك لإسناد عمليات البحث والإنقاذ، ويستخدم ميناء ليماسول لاستقبال السفن الأوروبية.
ولا تملك الدول الغربية قواعد سيادية خارج أكروتيري ودكليا، لكن اتفاقيات التعاون الدفاعي تتيح استخدام البنية التحتية القبرصية خلال الأزمات.
وفيما يخص القوى البشرية، يتمركز عدد محدود غير معلن من قوات الحرس الوطني والجيش اليوناني في قاعدة باباندريو، لكن الأخيرة تضم وحدة صواريخ “تور إم‑1” للدفاع الجوي ومهبطًا لطائرات النقل.
وبالنسبة للوجود الفرنسي فهو عادة مؤقت ويقتصر على تدريب أو مناورات مشتركة، كما لا توجد قوات أمريكية دائمة في القواعد القبرصية، لكن واشنطن تعتمد على أكروتيري لتشغيل طائرة “يو‑2” ولتزويد الطائرات الأمريكية بالوقود.
التجسس.. لصالح “إسرائيل”
قبرص ليست مجرد جزيرة تحتوي على مطارات وقواعد عسكرية، فهي أيضًا عقدة للاتصالات والاستخبارات تضم عدة مناطق لهذا الغرض أبرزها:
1- محطة آيوس نيكولاوس: تقع ضمن منطقة دكليا، وتضم وحدة “جاسوسية” رسمية تُسمى “وحدة الخدمة المشتركة للاتصالات” (JSSU).
توضح وثيقة حكومية بريطانية أن هذا الموقع يبعد 20 دقيقة عن دكليا ويؤمن وصلات اتصالات آمنة من قبرص إلى بقية العالم.
تشكلت الوحدة عام 2003 بعد دمج وحدات إشارات وتضم ثلاث أسراب: تشغيل، دعم هندسي، وهيئة قيادة للبنية التحتية. وتوظف الوحدة عناصر من القوات الثلاث إلى جانب مدنيين ومتعاقدين لتشغيل معدات اتصالات معقدة.
تشير التقارير الاستقصائية إلى أن وكالة الأمن القومي الأمريكية تمول نصف تكاليف محطة آيوس نيكولاوس وتتبادل المعلومات مع بريطانيا، وأن البيانات تُشارك مع “إسرائيل” في إطار التعاون الاستخباري.
2- محطة ترودوس الجبلية: كشفت تسريبات الموظف السابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية إدوارد سنودن في 2016 عن وجود مركز استطلاع بريطاني في جبال ترودوس يتتبع الطائرات المسيّرة الإسرائيلية ويجمع إشارات من شرق المتوسط وشمال إفريقيا.
وكشفت صحيفة الغارديان عن برنامج مشترك بين بريطانيا والولايات المتحدة يدعى “أناركيست” سمح بمتابعة طائرات إسرائيلية مسيرة واستنتاج نواياها تجاه إيران.
في المقابل، يلفت موقع قبرص الاستراتيجي الاهتمام في كل حرب بين “تل أبيب” وخصومها. ورغم عدم وجود قوات إسرائيلية علنية في قبرص، تشير تقارير إلى أن القواعد البريطانية تُستخدم لمراقبة أجواء لبنان وغزة وسوريا واليمن لمصلحة “إسرائيل”.
وتلفت إلى أن الطلعات الجوية البريطانية من أكروتيري شاركت في ضربات ضد الحوثيين باليمن عام 2024، كما كانت طائرات لندن تنطلق منها للتجسس على غزة ومحاولة معرفة أماكن الأسرى الإسرائيليين بالقطاع.
وتتحدث مصادر استخبارية مسربة عن مشاركة أمريكية-بريطانية باعتراض مكالمات ومتابعة نشاطات الشرق الأوسط، وترجح مشاركة “إسرائيل” في تحليلها.
حاملة طائرات ثابتة.. لماذا قبرص؟
يعود اهتمام الغرب بقبرص إلى عوامل جغرافية واستراتيجية:
1- القرب من مناطق النزاع: تبعد الجزيرة أقل من 200 كم عن سواحل سوريا ولبنان وغزة، ما يسمح للطائرات بالوصول إلى أهداف في دقائق، وهو ما يجعلها منصة مثالية للعمليات الجوية والاستخبارية دون الحاجة لحشد قوات ضخمة على متن حاملات طائرات.
2- العضوية الأوروبية: قبرص الجنوبية عضو في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، ما يسهّل التنسيق السياسي والقانوني مع باريس وأثينا وبرلين. كما أن وجود قواعد بريطانية سيادية داخل دولة عضو في الاتحاد يمنح لندن منفذًا عسكريًا إلى شرق المتوسط بعد خروجها من بروكسل.
3- بيئة آمنة نسبيًا: رغم الانقسام بين الشمال التركي والجنوب اليوناني، تتمتع المناطق الخاضعة لجمهورية قبرص باستقرار وأمن داخلي يسمح بعمل أنظمة متطورة مثل طائرات “يو‑2” ومنشآت الاتصالات.
4- البنية التحتية: تمتلك أكروتيري مدرجات طويلة ومرافق لتزويد الطائرات بالوقود، كما يوفر ميناء ليماسول عمقًا بحريًا للسفن الكبيرة. في المقابل، القواعد في الخليج أو البحر الأحمر غالبًا معرضة للتهديد المباشر من إيران والحوثيين، بينما تقع قبرص على مسافة أبعد عن الصواريخ والمسيّرات.
ومع اتساع الحرب على إيران وتزايد استخدام المسيّرات والصواريخ، يرجح أن تظل قبرص هدفًا محتملًا. لذلك يبدو أن الحضور العسكري في الجزيرة ليس مجرد رد فعل مؤقت، بل تجسيد لدور كانت تلعبه طوال عقود: عقدة أمامية تربط أوروبا بشرق المتوسط و”إسرائيل”، بين المدارج وآذان التنصت.