مع استمرار الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وتصاعد تداعياتها، تتسارع التحولات في الشرق الأوسط بوتيرة غير مسبوقة، بالتزامن مع تطور سياسي لافت داخل إيران عقب مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وتنصيب نجله مجتبى خامنئي خلفًا له. وسط هذا المشهد، لا تبدو التحليلات السريعة كافية لفهم ما يجري في المنطقة، فالحرب الدائرة اليوم تطرح أسئلة أوسع تتعلق بطبيعة التوازنات الإقليمية ومستقبلها.
في هذا الحوار، يقدّم المفكر والأكاديمي البارز برهان غليون قراءة أعمق لطبيعة الصراع الدائر في المنطقة، حيث لا يمكن فهم هذه الحرب بمعزل عن مشروع أوسع يعيد طرح أسئلة الهيمنة والنفوذ، كما لا يمكن فصلها عن محاولات إعادة تشكيل خرائط التحالفات في الشرق الأوسط والعالم.
نحاول الاقتراب من طبيعة الحرب الدائرة وحدودها، وصولًا إلى مشروع “المحور الإقليمي الجديد” الذي تطرحه “إسرائيل”، وما ينطوي عليه من رهانات على إعادة هندسة التوازنات في المنطقة. ولا يقف النقاش عند حدود الإقليم، بل يمتد إلى سوريا نفسها، البلد التي وجدت نفسها لسنوات في قلب العاصفة الإقليمية، وتحاول اليوم أن تحافظ على ما تبقى من هامش سيادتها.
هل ما يجري اليوم ضد إيران هو حرب على نفوذ ونظام حكم، أم بداية تفكيك بنية الشرق الأوسط التي نشأت بعد الثورة الإيرانية عام 1979؟
الحرب التي يشهدها الشرق الأوسط الآن هي أولًا حرب نتنياهو للبقاء في السلطة، وحرب إسرائيل العنصرية لإعلان هيمنتها الإقليمية وإرساء أسس نظام الأبارتهايد في فلسطين والقضاء على أي أمل بولادة دولة فلسطينية، وحرب الرئيس ترامب والإمبريالية المأزومة ضد القانون الدولي والأعراف المرعية لاستباحة حقوق الشعوب الأخرى والسطو على مواردها بالقوة المسلحة، وضرب روح التضامن الإنساني، وقطع الطريق على صعود الدول والأقطاب الأخرى؛ هكذا يمكنه استخدام التفوق العسكري لتحصيل مكاسب سريعة ومجانية على حساب الشعوب الأخرى والسلام والعدالة والأمن العالمي. وهي أيضًا حرب حرس الإمبراطورية الإيرانية الثوري للحفاظ على بقائه بعد انحسار هيمنته الإقليمية.
والضحية الرئيسية لها هو الشعب الإيراني وشعوب المنطقة الأخرى التي يُراد لها أن تدخل في حقبة جديدة من الحروب الإقليمية، ليس لأيٍّ منهم مصلحة فيها، وإنما هم الذين يحصدون جميعًا نتائجها الكارثية، وما تتسبب به من دمار وخراب وضياع مستقبلهم ومستقبل أجيالهم القادمة.
وقد وصل الصلف واحتقار الرأي العام العالمي والدول الأخرى بمشعلي نار هذه الحرب المنفلتة من أي عقال إلى درجة لم يجدوا ضرورة لتبريرها سوى اكتشافهم مقر قادة طهران واستغلال هذه الفرصة لتصفيتهم جميعًا وإجبار طهران علنًا على الاستسلام، كما لو كان العالم يعيش في عصر القرون الوسطى أو في “ملحمة” الاستيطان الأبيض للقارة الأمريكية وإبادة سكانها الأصليين منذ أكثر من خمسة قرون. وهم أطلقوا على حملتهم أيضًا اسم “حملة الغضب الملحمي”.
للأسف لن تكون هذه الحملة سوى مقدمة لاستباحة المنطقة بأكملها ونشر الفوضى والخراب فيها، وهو ما تريده حكومة المستوطنين الإسرائيليين لإطلاق يدهم في جميع البلاد العربية بذريعة الدفاع عن أمن إسرائيل وحقوقها التوراتية.
قبل نحو أسبوع من اندلاع الحرب الجارية، تحدث بنيامين نتنياهو عن مشروع “محور إقليمي جديد” يضم دولًا مثل الهند واليونان وقبرص إلى جانب دول عربية، في مواجهة ما وصفه بمحور سني يتشكل ومحور شيعي ينهار.
اليوم، وبعد أيام من اندلاع الحرب، كيف تقرؤون هذا الطرح؟ وإلى أي مدى يعكس تصورًا إسرائيليًا لإعادة ترتيب شبكة التحالفات في المنطقة؟
يحاول نتنياهو بهذا الإعلان أن يقدم جزرة لبعض الحكومات العربية الخائفة كي تغض النظر عن تدميره مستقبل الأمن والسلام والتنمية الإنسانية للإقليم بأكمله، كما يحاول أن يقنع نفسه والإسرائيليين وربما بعض زعماء المنطقة أنه صاحب مبادرة استراتيجية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بقيادة إسرائيل كما كان يطمح دائمًا.
لكن ما حصل منذ حرب الإبادة في غزة واحتلاله المزيد من الأرض في جنوب سورية ولبنان، واستهتاره بمصالح الدول العربية جميعًا، حتى تلك التي وقعت معه اتفاقيات أبراهام، وانقلابه على كل التعهدات التي أبرمها معهم، كاف لدفع العرب إلى تجنب السقوط في الفخ والقبول بشرعنة سياسة الغزو والسطو على أراضي وحقوق شعوب المنطقة جميعًا، وفي مقدمها الشعب الفلسطيني.
على القادة العرب أن يرفضوا الإطاحة بالقانون الدولي والقبول بالفوضى التي يسعى إليها ويعمل عليها صراحة نتنياهو وترامب، وأن يتعاونوا من أجل شرق أوسط جديد قائم على احترام سيادة الدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض حروب التدخل الخارجي التي لم ولن تجلب على دول المنطقة سوى الخراب والدمار، كما حصل حتى الآن في العراق وسورية ولبنان واليمن والسودان وليبيا وغيرها، وكما يحصل اليوم لإيران.
يدرك العرب أنه لا يوجد أي هدف لهذا التحالف المزعوم سوى إشعال حرب عربية إيرانية، سنية شيعية، تستنزف جميع دول المنطقة لحساب إسرائيل وحدها لعقود جديدة قادمة، ولا أعتقد أن من مصلحة الحكومات العربية أن تقع في جحر الأفعى ذاتها مرتين.
على الدول العربية أن تحبط هذا المشروع وتعمل بعكس ذلك، جماعة، وبالتعاون والتنسيق مع الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن، على مبادرة إقليمية شاملة لبسط السلام والأمن والتعاون بين شعوب المنطقة، وحماية حقوق الجميع، ووضع حد لتغول إسرائيل على جيرانها ولأطماعها التوسعية المعلنة.
كما أن إيران الخمينية ليست ممثلة للشيعة، مذهبًا وشعبًا، وإنما تستخدمهما لمشروع هيمنة ونفوذ إقليمي، فإن حكومات البلدان العربية في المشرق ليست ممثلة للسنة، لا جماعة ولا شعوبًا، وإنما هي نخب سياسية تعمل لمصالحها، ولا تدعي هي نفسها الدفاع عن المذهب السني ولا تتماهى معه.
تفجير الصراع السني الشيعي مشروع استعماري استخدم منذ زمن طويل لضرب شعوب المنطقة بعضها ببعض بهدف تحييدها لصالح تسهيل السيطرة الأوروبية ثم الأمريكية، وقد استخدمها في العقود الأربع الماضية نظام “ولاية الفقيه” الإيراني للهدف ذاته، وقد تسببت في تمزيق المنطقة، ونحن نشهد الآن ارتدادها عليه في العزلة الإقليمية التي يعيشها في مواجهة الحرب الاستعمارية. هذا ما تريد تل أبيب أن تعيد إنتاجه واستخدامه لتحييد العرب بالإيرانيين والإيرانيين بالعرب في حرب أبدية لن يكون الرابح فيها سوى إسرائيل.
بخلاف ذلك، ما ينبغي أن نعمل عليه ونسعى لتحقيقه بعد هذه الحرب المدمرة الجديدة هو صحوة السنة والشيعة معًا من غفلتهم، وإدراكهم بأن ما حصل لم يكن سوى سياسة إسرائيلية/أمريكية، أي استعمارية، لإضعاف الجميع وتحويل المنطقة إلى مزرعة سائبة لواشنطن وتل أبيب.
كيف تقرؤون موقع سوريا اليوم في خضم هذه التحولات الإقليمية؟ وما أبرز السيناريوهات التي قد تواجهها البلاد أمنيًا أو سياسيًا واقتصاديًا في المرحلة المقبلة؟
ليس لدى سورية خيار آخر سوى النأي بنفسها عن هذه الحرب والتضامن مع الدول العربية التي تتعرض للقصف من قبل طهران من جهة، وللضغوط الإسرائيلية الأمريكية لتوريطها في الدخول في الصراع من جهة ثانية.
في المقابل، يشكل استمرار الحرب تهديدًا كبيرًا للاستقرار الهش الذي تعيشه، سواء من ناحية انعكاساته السياسية أو آثاره الاقتصادية، فسورية ليست بعيدة عن ساحة الصراع بل هي في قلبه، وكانت منذ أشهر معدودة ساحة أحد أهم بلدان ما سمي محور المقاومة، وأحد رهانات الصراع الإقليمي الراهن أيضًا السيطرة على موقع سورية الاستراتيجي التي تحاول بشق النفس أن تحتفظ بالحد الأدنى من هامش السيادة واستقلال القرار.
زعزعة الاستقرار الإقليمي لا يؤثر فقط على الاستقرار الداخلي ويعقد مسيرة الانتقال السياسي ويهدد الأمن والسلام الاجتماعي، إنما يتجاوز ذلك إلى الميدان الاقتصادي، فلا يخفى على أحد أن جزءًا كبيرًا من الرهان، لإعادة الإعمار ومعالجة آثار الخراب والدمار الكبير الذي تسببت به الحرب الداخلية، (والتي كانت أيضًا بمشاركة واسعة من نظام طهران)، كان على الاستثمارات الخليجية، ويخشى أن يغير مناخ الحرب الراهنة وما سوف ينتج عنها من دمار في بلدان الخليج نفسها، ومن عدم ثقة في مستقبل الاستثمار في المنطقة عمومًا، من هذا الاتجاه.
من هنا أعتقد أن من مصلحة السوريين إعادة النظر في خططهم المتعلقة بإعادة الإعمار وأن يركزوا اهتمامهم وجهدهم على الموارد الداخلية البشرية والطبيعية.
ما هي الخطوات العملية والسياسية التي يجب على الحكومة السورية أن تقوم بها لتُجنب سوريا الانجرار إلى صراع إقليمي بهذا الحجم؟
أعتقد أن أهم ما ينبغي فعله لتجنيب سورية مخاطر الانجرار إلى الحرب الراهنة، هو تعزيز الرقابة على الحدود اللبنانية العراقية لضمان عدم استخدامها من قبل الميليشيات المدعومة من إيران في لبنان والعراق لجرها إليها، والتنسيق مع البلدان العربية الأخرى، وبشكل خاص مع دول الخليج والأردن وتركيا، لتوحيد مواقفها ومواجهة المخاطر المشتركة.
والأهم من ذلك تعزيز الجبهة الداخلية سواء ما تعلق منها بحسم المسائل السياسية التي تعرقل التقدم في مسار الانتقال السياسي ووضع برنامج واضح لتحقيق أهداف هذه المرحلة الدقيقة والتي تجري في ظروف إقليمية صعبة للغاية، أو ما تعلق منها بمواجهة المسائل الاقتصادية والاجتماعية الملحة التي ورثتها السلطة الجديدة عن ستة عقود من الحكم الاستبدادي الحليف لطهران.
وليس هناك خيار أكثر دعمًا للوحدة الوطنية، وتعزيزًا للثقة، التي أكثر ما نكون بحاجة إليها في عصر الأزمات، من الاقتراب من عموم الشعب والتعاون معهم على حل مشاكلهم وإشراكهم في المسؤولية، والتعامل معهم بشفافية، ووضع سلطة القانون فوق أي اعتبارات أيديولوجية أو حسابات سياسية.