لم تشهد الصناعة النفطية العراقية ضربة مباشرة منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى، لكن البلاد بدت كمن فقد ثروته تحت الأرض بسبب توقف المرور عبر مضيق هرمز الذي يعبر منه نحو 20٪ من تجارة النفط العالمية.
سرعان ما انتقل هذا الاختناق إلى البصرة، حيث تتركز معظم حقول العراق ومرافئ تصديره، مما أجبر بغداد على خفض الإنتاج لتنخفض معه الإيرادات العامة، وهو ما يكشف مدى هشاشة اقتصاد ريعي يعتمد على “البرميل المار عبر الماء” أكثر من اعتماده على النفط نفسه.
كيف وصل الاختناق إلى البصرة؟
مع بداية الحرب أواخر فبراير/شباط، أوقفت إيران الملاحة عمليًا عبر مضيق هرمز، لترسو مئات الناقلات التي تنقل نفط الخليج قرب الممر أو داخل الموانئ، فيما أعلنت إيران أنها ستطلق النار على أي سفينة تحاول العبور.
بالنسبة للعراق، الذي يصدر معظم إنتاجه عبر مرافئ البصرة في الجنوب، كان ذلك بمثابة قطع شريان الحياة. وفقد هذا البلد عمليًا ثلاثة أرباع قدرته التصديرية خلال أقل من أسبوع.
وجاءت محطات التراجع كالتالي استنادا إلى ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤولين في وزارة النفط العراقية.

ماذا حدث حين امتلأت الخزانات؟
اختناق الصادرات جعل العراق يصطدم بمشكلة قديمة تتمثل في محدودية التخزين. ففي الثالث من مارس/آذار، أكدت وزارة النفط أن خفض الإنتاج لن يؤثر على عمل المصافي، لكن المسؤولين أشاروا إلى أن الخزانات في الموانئ الجنوبية “وصلت إلى مستويات حرجة”.
ونقل تقرير لرويترز عن محللي “جيه بي مورغان” توقعهم أن يؤدي إغلاق هرمز إلى إجبار العراق على وقف إمدادات بمقدار 3.3 ملايين برميل يوميًا بحلول اليوم الثامن من الصراع، لأن البلاد لا تمتلك سوى نحو ثلاثة أيام من السعة التخزينية، مقابل 14 يومًا للكويت على سبيل المثال.
وفق التقرير نفسه قد تتصاعد الخسائر إلى 3.8 ملايين برميل يوميًا بحلول اليوم الخامس عشر وإلى 4.7 ملايين في اليوم الثامن عشر من الإغلاق.
التخزين ليس العائق الوحيد، فالطاقة التكريرية في العراق رغم توسعها في السنوات الأخيرة، فهي لا تتجاوز 1.3 مليون برميل يوميًا بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بينما كان إنتاج الحقول الجنوبية قبل الأزمة نحو 4.3 ملايين برميل يوميًا.
هذا يعني أن المصافي تستطيع استيعاب أقل من ثلث الإنتاج في أفضل الأحوال، فضلًا عن أن معظم المصافي العراقية تنتج زيت الوقود الثقيل بكميات أكبر من حاجتها ولا تنتج ما يكفي من البنزين والديزل.
في الأزمات، يُفترض أن تستوعب المصافي الفائض مؤقتًا، لكن نوعية الخام الثقيل وحاجة المصافي للتشغيل المتواصل تجعل استخدامها كخيار لتصريف النفط محدودًا.
وإضافة إلى ذلك، فإن سعة المخزون عند المصافي محدودة، ما يعني أن أي توقف طويل للصادرات سيجبر الشركات على غلق الآبار تدريجيًا، وهو ما بدأ بالفعل عندما خُفض إنتاج حقل الرميلة 700 ألف برميل يوميًا، وغرب القرنة‑2 بنحو 460 ألفًا، وميسان بـ325 ألفًا.
دولة الرواتب تحت ضغط البرميل المفقود
تظهر خطورة الأزمة عندما تنتقل من الآبار إلى الخزينة العامة، إذ تشير البيانات الرسمية من وزارة النفط إلى أن صادرات النفط شكلت أكثر من 90٪ من إيرادات الحكومة العراقية في 2023.
ويذهب تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2025 إلى أبعد من ذلك، إذ يؤكد أن القاعدة الضريبية غير النفطية “منخفضة للغاية” وأن إيرادات النفط ستظل تمثل أكثر من 90٪ من إيرادات الحكومة حتى عام 2030.
ويحذر التقرير من أن توسع الإنفاق وتباطؤ الإيرادات غير النفطية رفع سعر النفط المطلوب لموازنة الموازنة إلى نحو 84 دولارًا للبرميل في 2024، ارتفاعًا من 54 دولارًا في 2020.
وفي بلد يبلغ فيه عدد موظفي القطاع العام والمتقاعدين عدة ملايين، فإن أي فجوة كبيرة في التدفقات النقدية تهدد بصعوبة دفع الرواتب أو تعطل المشاريع أو تراكم المتأخرات.
لكن ينبغي الإشارة إلى أن الصدمة المالية لا تتحقق في يوم وليلة، فالعراق دخل الأزمة وهو يملك احتياطيات نقدية في البنك المركزي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، كما أن ميزانية 2025 لم تكن قد نفدت بالكامل.
ومع ذلك فإن صندوق النقد الدولي توقع في يونيو/حزيران 2025 أن يؤدي انخفاض أسعار النفط والإنفاق المرتفع إلى “قيود تمويلية” واضطرار الحكومة إلى تقليص أو تأجيل الإنفاق غير الضروري.
وإذا استمر توقف الصادرات لأكثر من أسابيع، فإن تلك الاحتياطيات قد تُستهلك بسرعة، وسيضطر العراق إما للسحب من صناديق ادخار مثل صندوق التنمية العراقي، أو زيادة الاقتراض الداخلي والخارجي، أو تقليص فاتورة الأجور والمنافع؛ وكلها خيارات محفوفة بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية.
لماذا العراق أقل قدرة على المناورة؟
تكشف مقارنة سريعة مع دول الخليج الأخرى أن المشكلة ليست في مضيق هرمز وحده، بل في بنية الاقتصاد واللوجستيات العراقية.
السعودية مثلًا، تصدر عادة نحو 7.2 ملايين برميل يوميًا، لكن لديها خط أنابيب “شرق‑غرب” الذي ينقل النفط من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى 5 ملايين برميل يوميًا، وقد استخدمته في 2019 لنقل 7 ملايين برميل يوميًا بعد تحويل خطوط سوائل الغاز.
إلا أن قدرة ميناء ينبع على التحميل لا تتجاوز 1.5 مليون برميل يوميًا، ما يحد من مرونتها، علاوة على المخاطر الأمنية في البحر الأحمر.
بدورها، تمتلك الإمارات خط أبوظبي‑الفجيرة الذي ينقل 1.5 مليون برميل يوميًا إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان.
كما أن الكويت لديها مخزون يكفي لأربعة عشر يومًا وفق تقديرات “جيه بي مورغان”، وهي تعتمد على مرافئ الشعيبة والأحمدي لكن يمكنها الاستفادة من التخزين العائم ومن أسطول ناقلاتها المملوكة للدولة.

أما العراق فليس لديه خطوط أنابيب بديلة نشطة، إذ أن خط كركوك‑جيهان إلى تركيا الذي يبلغ طاقته نحو مليون برميل يوميًا ظل متوقفًا منذ مارس/آذار 2023 بسبب نزاع تحكيمي. ورغم اتفاق مبدئي في سبتمبر/أيلول 2025 لاستئناف عمله، ظل التفعيل معطلًا بسبب خلافات بين بغداد وأربيل والشركات الدولية.
كما أن المشروع المقترح لخط البصرة‑العقبة عبر الأردن لم يبدأ تنفيذه بعد، وأيضًا، لا يملك العراق أسطول ناقلات كبيرًا ولا منشآت للتخزين الخارجي، على عكس السعودية والإمارات.
وماليًا، تمتلك السعودية والإمارات احتياطيات سيادية ضخمة تسمح لهما بتعويض خسائر الصادرات مؤقتًا، بينما يبقى العراق مثقلًا بعجز مزدوج وفائضٍ محدود.
لذلك يتضح أن العراق يقع في “عنق زجاجة” مزدوج: منفذ بحري واحد وتبعية مالية مطلقة، بينما يمتلك جيرانه طرقًا بديلة واحتياطيات مالية توفر هامش مناورة أكبر.