ترجمة وتحرير: نون بوست
بينما كانت القنابل الأمريكية والإسرائيلية تتساقط فوق طهران في الأول من مارس/ آذار، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الحرب مع إيران هي أمر “لطالما كان يتوق إليه منذ 40 عاماً”. وهذا الاعتراف يثير تساؤلاً جوهرياً حول السبب الذي دفعه للانتظار حتى الآن لإشعال فتيل هذا الصراع.
على مدار العقود الثلاثة الماضية، دأب نتنياهو على تكرار تحذير يكاد يبدو هزلياً أن الوقت المتاحة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي يوشك أن ينفد. وفي صيف العام الماضي، في أعقاب ما سُمي بـ “حرب الـ12 يوماً”، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الضربات الأمريكية غير المسبوقة قد “دمرت” البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل. لا يوجد ما يشير إلى أن طهران كانت قريبة من إنتاج سلاح نووي منذ ذلك الحين.
هذه المرة، كان نتنياهو مُحقًا في قوله إن الفرصة تتلاشى – بل عدة فرص في الواقع. لكن لم يكن لأي منها علاقة بالطموحات النووية الإيرانية، بل كانت مرتبطة بشكل أكبر بالسياسة الإسرائيلية والأمريكية.
زار نتنياهو البيت الأبيض ست مرات خلال العام الماضي، وهو رقم قياسي غير مسبوق لم يسجله أي زعيم أجنبي. وفي تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، التي تعد فريدة من نوعها، تبرز علاقة ترامب ونتنياهو كحالة استثنائية لشدة التقارب بينهما.
هناك العديد من الأسباب لهذا التقارب. ربما يعود ذلك إلى العلاقات الشخصية بين الدوائر المقربة من نتنياهو وترامب، أو ربما كما قال السيناتور الأمريكي كريس فان هولين، أن نتنياهو “وجد أخيرًا رئيسًا غبيًا بما يكفي لمهاجمة إيران”. بيد أن المؤكد هو أن ترامب كان مستعداً ليقدم لنتنياهو ما لم يقدمه أي رئيس أمريكي سابق.
لكن هذا الثنائي لديه تاريخ انتهاء صلاحية، وقد يأتي في وقت مبكر من هذا العام، وذلك بسبب الانتخابات في كلا البلدين.
من المقرر إجراء انتخابات في إسرائيل في الخريف، وستكون أول انتخابات من نوعها منذ أن ترأس نتنياهو الحكومة خلال أكبر كارثة أمنية في تاريخ إسرائيل الحديث: الهجمات التي قادتها حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وأسفرت عن مقتل قرابة 1200 شخص. ولم تتح للجمهور الإسرائيلي حتى الآن فرصة محاسبته على هذا الإخفاق (ولم يقبل نتنياهو تحمل المسؤولية قط). كما أنها أول انتخابات إسرائيلية منذ عدة دورات تخوضها الأحزاب العربية مجتمعة ضمن ما يُعرف بـ”القائمة المشتركة” التي يمكن أن تعقّد حسابات تشكيل أي ائتلاف حكومي.
فرص نتنياهو في هذا السباق غير واضحة على الإطلاق. واجه رئيس الوزراء الإسرائيلي صعوبة في بناء تحالفات قوية خلال الانتخابات الأخيرة، ويرجع ذلك جزئياً إلى مشاكله القانونية، حيث يواجه مجموعة من تهم الفساد وقد يُحكم عليه بالسجن لسنوات في حال إدانته. ومن المرجح أن يحاول نتنياهو حشد الرأي العام الإسرائيلي حول حملته ضد إيران في محاولة للبقاء في منصبه. وبحسب استطلاع أجراه “معهد الديمقراطية الإسرائيلي”، فإن الغالبية العظمى من الإسرائيليين اليهود يؤيدون الحرب، بينما يؤيده الربع فقط من بين فلسطينيي الداخل.
وفي غضون ذلك، يستعد ترامب لانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. نادراً ما تصب هذه الانتخابات في مصلحة الرؤساء الموجودين في المنصب، وتشير استطلاعات الرأي إلى أنها قد تمثل ضربة قاسية لترامب على وجه الخصوص. كانت معدلات تأييد الرئيس منخفضة حتى قبل شن الحرب التي لا تحظى بشعبية وتفتقر إلى خطة خروج واضحة. ووفقاً لاستطلاع أجرته “رويترز/ إبسوس”، فإن ربع الأمريكيين فقط يدعمون الحرب على إيران. أي تغيير جوهري في الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون حالياً قد يحد من خيارات ترامب فيما يتعلق بإيران وقضايا أخرى.
إذا كان هدف نتنياهو وترامب هو إشعال حرب مع إيران خلال فترة زمنية تتيح لهما العمل دون رقابة تُذكر، فإنّ الخيار الأكثر أمانًا كان ربيع وصيف عام 2026، لأسباب انتخابية بحتة.
لكن نافذة أخرى توشك أن تُغلق أيضًا، وهي نافذة الرأي العام. بدأت إسرائيل تخسر تأييد الجمهور الأمريكي. كشف استطلاع أجراه معهد “غالوب” الشهر الماضي أن عدد الأمريكيين المتعاطفين مع الفلسطينيين أصبح لأول مرة يفوق عدد المتعاطفين مع إسرائيل. هذا الاتجاه بدأ قبل وقت طويل من الإبادة الجماعية في غزة، لكنه تسارع بشكل كبير بعدها.
من المرجح جداً أن تؤدي الحرب على إيران إلى تراجع التأييد بشكل كبير. والأهم من ذلك، أن إسرائيل بدأت تفقد أيضاً دعم الجمهوريين، لا سيما الشباب. لطالما كان اليمين الأمريكي ركيزة الدعم الأمريكي لإسرائيل على مدى العقدين الماضيين.
أما النافذة الثالثة فتتعلق بتغير طبيعة الصراع. بينما كانت العمليات السرية والصراعات بالوكالة هي السائدة لفترة طويلة في المواجهة بين إسرائيل وإيران، شهدت ديناميكيات المواجهة بين الطرفين تحولاً نحو الحرب التقليدية في السنوات الأخيرة.
تبادلت إسرائيل وإيران الهجمات المباشرة لأول مرة عام 2024، عندما استهدفت إسرائيل قنصلية إيرانية في سوريا، واغتالت قياديا من حماس في طهران، لتقوم إيران بالرد على تلك الهجمات. كما خاض الطرفان مواجهة في العام الماضي عُرفت بـ”حرب الـ 12 يوماً”.
استخلص كلاهما خلال هذه المواجهات دروساً حول نقاط ضعف الطرف الآخر. أصبحت إيران أكثر هشاشة أمام الهجمات الجوية، أما إسرائيل فقد أظهرت ضعفاً أمام الضربات الإيرانية حين واجهت مزيجاً من الصواريخ.
والأهم من ذلك، أن صواريخ الاعتراض الأمريكية والإسرائيلية كانت أكثر تكلفة بفارق كبير، وأقل وفرة، وتستغرق وقتاً أطول في التصنيع، مقارنةً بالصواريخ الإيرانية التي كانت تستهدف إسرائيل.
خلق ذلك وضعا غير ملائم لإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما في المنطقة. مع مرور الوقت، سيؤدي أي صراع ممتد مع إيران إلى تكاليف لا يمكن تحملها. ومع وجود فارق زمني كبير بين وتيرة إنتاج الصواريخ الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية، وبين إنتاج الصواريخ الإيرانية، فإن أي مكاسب استراتيجية حققتها إسرائيل من “حرب الـ 12 يوماً” ستصبح مكاسب عابرة.
كان نتنياهو ولا يزال القوة الدافعة وراء الحرب مع إيران. مع تلاشي عدة فرص في وقت واحد، واجه نتنياهو حقيقة مفادها أن حلمه القديم برؤية الجيش الأمريكي يقصف إيران قد لا يتحقق أبداً. ومع ابتعاد الشباب الأمريكي عن تأييد إسرائيل، ربما أدرك أنه لن يجد رئيسا ساذجاً في البيت الأبيض مثل ترامب مرة أخرى. إما الآن أو أن الحلم لن يتحقق أبداً.
لم يقم نتنياهو بست رحلات إلى البيت الأبيض في عام واحد لتقديم اقتراحات حول التصميم الداخلي لقاعة احتفالات ترامب الجديدة، بل كان يريد من الولايات المتحدة أن تحقق حلمه بشن حرب ضد إيران. وإذا انتهى الصراع في ظرف وجيز، ودون تكاليف باهظة على إسرائيل، فقد يتجنب السجن، وربما يتشبث بالسلطة في الانتخابات الإسرائيلية القادمة.
أما المنطقة، فستكون في وضع أسوأ بكثير. ستتضرر المصالح الأمريكية في هذه العملية أيضاً، وسيجد الأمريكيون أنفسهم مضطرين لدفع الفاتورة. ومن المفارقات أن حرب نتنياهو وترامب المشتركة قد توجه الضربة القاضية للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
المصدر: فورين بوليسي