كشفت وكالة “بلومبيرغ“، نقلًا عن مسؤول في وزارة المالية الإسرائيلية، أن حكومة بنيامين نتنياهو تتجه إلى زيادة ميزانيتها الدفاعية بنحو 13 مليار دولار، بهدف تمويل الحرب على إيران، وذلك ضمن مشروع ميزانية معدلة لعام 2026، ومن المقرر أن يناقش مجلس الوزراء هذه التعديلات ويصوت عليها، قبل إحالتها لاحقًا إلى الكنيست للموافقة النهائية قبل نهاية الشهر الجاري.
وبحسب الخطة التي اطلعت عليها الوكالة، فإن ميزانية الدفاع سترتفع بنحو 9 مليارات دولار، إلى جانب تخصيص 3.2 مليارات دولار كاحتياطي لتغطية احتياجات عسكرية محتملة، ومن المتوقع أن يصل إجمالي الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي إلى نحو 45 مليار دولار، بما يمثل زيادة تُقدَّر بنحو 115% مقارنة بمستواه في عام 2023، أي قبل اندلاع الحرب في غزة.
وتعكس هذه الزيادة التاريخية في ميزانية الدفاع الإسرائيلية، والتي تأتي في ظل حرب متعددة الجبهات تخوضها دولة الاحتلال، جملة من الدلالات والرسائل المتشابكة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، كما تحمل في مضمونها رسائل واضحة إلى الداخل الإسرائيلي والخارج الإقليمي على حد سواء.
عسكريًا.. اتساع دائرة الحرب متعددة الجبهات
أول ما تكشفه هذه الميزانية الضخمة هو التحول العميق الذي بات يهيمن على العقيدة العسكرية لدولة الاحتلال، والمتمثل في ترسيخ حالة الحرب المستمرة ضمن بيئة قتال متعددة الجبهات، فبعدما كان هذا التوجه، حتى وقت قريب، محل جدل داخل الشارع الإسرائيلي، فإن التطورات الأخيرة، إلى جانب طبيعة التحديات التي يواجهها نتنياهو، دفعت بهذا المسار ليصبح أقرب إلى خيار استراتيجي ثابت لا مجرد استجابة ظرفية.
“لا أحد يريد أن يحارب من أجل إسرائيل”.. الجندي الأميركي السابق في مشاة البحرية، برايان ماكغينيس، يقتحم جلسة استماع للقوات المسلحة الأميركية لرفضه مشاركة الجنود الأميركيين في الحرب على إيران. pic.twitter.com/CPwFwIQd85
— نون بوست (@NoonPost) March 5, 2026
وبغض النظر عن حجم الارتدادات المترتبة على هذا النهج، فإن نتنياهو وتحالف اليمين المتطرف يميلان، وفق مقاربتهما السياسية والأمنية، إلى توسيع نطاق المواجهة وإدارة القتال بصورة متزامنة على أكثر من جبهة، تمتد من غزة والضفة الغربية إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق وصولًا إلى إيران.
ومن هذا المنطلق، تبدو محاولة تمرير ميزانية دفاعية بهذا الحجم انعكاسًا مباشرًا لقناعة سياسية وعسكرية مفادها أن المرحلة المقبلة ستظل محكومة بمنطق الحرب المفتوحة وكلفتها الباهظة.
استراتيجيًا.. اعتراف بحجم الخسائر
إن التوجه نحو تعديل موازنة عام 2026، رغم إقرارها سابقًا، ورفع مخصصات الدفاع فيها، يحمل في جوهره إقرارًا ضمنيًا بحجم الاستنزاف الذي تعرض له جيش الاحتلال خلال المرحلة الماضية، بدءًا من الحرب على غزة وصولًا إلى المواجهة الحالية مع إيران.
فهذه التطورات المتلاحقة فرضت على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أعباءً كبيرة، كشفت عن كلفة ميدانية وعسكرية مرتفعة تجاوزت التقديرات السابقة، واستنزفت جانبًا معتبرًا من قدراتها القتالية والتسليحية.
ورغم حالة الضبابية والتكتم التي تحرص سلطات الاحتلال على فرضها بهدف حجب الحجم الحقيقي للخسائر، فإن السعي إلى زيادة ميزانية الدفاع بنحو 13 مليار دولار يعد مؤشرًا واضحًا على وجود نقص حاد في الإمكانات والجاهزية العسكرية.
ويستهدف هذا التمويل الإضافي بالدرجة الأولى إعادة ترميم المخزون العسكري المستنزف، سواء ما يتعلق بالأسلحة أو منظومات الاستشعار والاستخبارات، فضلًا عن تغطية الكلفة المتصاعدة للعمليات العسكرية، بما في ذلك النفقات التشغيلية ورواتب القوات وعمليات الحشد والاستدعاء وسائر الأعباء المرتبطة بإدارة حروب ممتدة ومتعددة الجبهات.
اقتصاديًا.. عجز وأزمة خانقة
منذ أواخر عام 2023 وحتى اليوم، واصلت حكومة نتنياهو تخصيص اعتمادات مالية ضخمة لتمويل حربها متعددة الجبهات، ففي عام 2024، أنفقت ما يزيد على 31 مليار دولار على العمليات العسكرية في قطاع غزة ولبنان، ثم عاد مجلس الوزراء في ديسمبر/كانون الأول الماضي ليقر مشروع موازنة الدولة لعام 2026، متضمنًا نحو 35 مليار دولار لقطاع الدفاع، بزيادة كبيرة مقارنة بالمخصصات التي كانت واردة في المسودة السابقة.
ويعكس هذا المسار التصاعدي في الإنفاق العسكري حجم الرهان الذي تضعه حكومة الاحتلال على الخيار الأمني والعسكري، لكنه في المقابل يفرض أعباء اقتصادية ومالية متزايدة على بنية الاقتصاد الإسرائيلي، فبحسب ما أوردته بلومبيرغ، من شأن هذا التوسع الكبير في الإنفاق أن يدفع عجز الموازنة إلى مستويات أعلى من السقف المحدد سابقًا عند 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت يبلغ فيه الدين العام نحو 69% من الناتج.
“نحن في الطلقة الأولى من حرب عالمية”.. تاكر كارلسون وضيفه المحلل الجيوسياسي براندون وايشرت يحذّران من أن سياسات بنيامين نتنياهو وتصاعد التوتر مع إيران قد يقودان إلى حرب أوسع، منتقدَين ما وصفاه بتأثير “إسرائيل” على القرار الأميركي. pic.twitter.com/W8hpBzucXO
— نون بوست (@NoonPost) March 6, 2026
كما تشير التقديرات إلى أن احتياجات الاقتراض الحكومي لدى الاحتلال شهدت ارتفاعًا حادًا منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ وصل حجم الاقتراض إلى نحو 90 مليار دولار خلال عام 2024، قبل أن يتراجع إلى حوالي 64 مليار دولار في العام الماضي، مع توقعات بعودته إلى الارتفاع مجددًا خلال العام الجاري.
ولا تتوقف التداعيات عند حدود الاقتراض المباشر، بل تمتد كذلك إلى خدمة الدين والفوائد المترتبة عليه، والتي تُقدَّر بنحو 3.2 مليارات دولار سنويًا وفق تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية، ومع تعذر تغطية كامل الزيادة في الإنفاق عبر الاستدانة وحدها، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى تقليص الإنفاق في قطاعات مدنية أخرى أو فرض ضرائب جديدة، رغم أنها كانت قد أعلنت بالفعل عن إجراءات تقشفية بقيمة تقارب 9.6 مليارات دولار لتمويل العمليات العسكرية في غزة ولبنان وإيران.
سياسيًا.. غلق الباب أمام المعارضة الداخلية
في مواجهة الانتقادات الأمنية المتصاعدة التي تتعرض لها الحكومة الإسرائيلية على خلفية الحرب الجارية، يسعى بنيامين نتنياهو وتحالف اليمين المتطرف إلى إعادة ضبط الجبهة الداخلية واحتواء التراجع في ثقة الشارع، عبر توسيع الإنفاق الدفاعي وتقديمه بوصفه دليلًا على أن الأمن وحماية الكيان يتصدران سلّم أولويات الحكومة في هذه المرحلة الحساسة.
يكشف هذا التوجه نحو زيادة الإنفاق الدفاعي عن وجود نية مبيتة لدى الكيان المحتل لإبقاء الإقليم في حالة دائمة من التوتر والاشتباك، سواء عبر الاكتفاء بجبهة واحدة أو توسيع نطاق المواجهة لتشمل جبهات متعددة
وبالتوازي مع هذا المسعى الداخلي، يهدف نتنياهو من خلال رفع المخصصات الدفاعية والعمل على ترميم ما تكبده الجيش من خسائر واستنزاف خلال العامين الماضيين إلى الظهور بمظهر القيادة القادرة على الحسم وإدارة المواجهة بحزم أمام خصومه في الداخل.
كما يوظف هذا النهج باعتباره أداة ردع وترهيب سياسي وعسكري، في محاولة لمنع المعارضة من استثمار المشهد الراهن للتشكيك في كفاءة الحكومة أو الدفع باتجاه إسقاطها في أقرب فرصة.
إقليميًا.. رسائل لدول المنطقة
إصرار نتنياهو على المضي قدمًا في توسيع مخصصات الإنفاق الدفاعي ومعالجة العجز التسليحي الناتج عن حالة الاستنزاف التي تعرض لها جيش الاحتلال خلال الفترة الماضية، رغم العجز الاقتصادي الواضح، لا يعكس مجرد استجابة ظرفية لمتطلبات الميدان، بل يكشف عن رغبة متصاعدة في إطالة أمد المواجهة ومواصلة القتال، وصولًا إلى تكريس تحول أوسع يضع اقتصاد الكيان على مسار اقتصاد الحرب بوصفه أولوية حاكمة في هذه المرحلة.
وقد يُنظر إلى هذا التوجه باعتباره رسالة ردع استراتيجية متعددة المستويات، موجهة أولًا إلى فصائل المقاومة وخصوم تل أبيب في الإقليم، من غزة ولبنان وسوريا إلى اليمن والعراق، وصولًا إلى إيران ذاتها، فمضمون هذه الرسالة يقوم على أن جيش الاحتلال يسعى إلى إعادة ترميم ما فقده من قدرات وعتاد خلال العامين الماضيين، بما يسمح له باستعادة جزء من ترسانته التسليحية ورفع مستوى جاهزيته من جديد.
وفي سياق أوسع، تحمل هذه السياسة رسالة أكثر عمقًا ووضوحًا، مفادها أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع المواجهات القائمة باعتبارها جولات عسكرية محدودة، بل باتت تتهيأ لاحتمال حرب طويلة الأمد، وربما مواجهة إقليمية أشمل.
في المحصلة، يكشف هذا التوجه نحو زيادة الإنفاق الدفاعي عن وجود نية مبيتة لدى الكيان المحتل لإبقاء الإقليم في حالة دائمة من التوتر والاشتباك، سواء عبر الاكتفاء بجبهة واحدة أو توسيع نطاق المواجهة لتشمل جبهات متعددة، مستغلا لدعم إدارة ترامب اللا محدود.
وفي المقابل، يستند هذا الاندفاع الإسرائيلي أيضًا إلى واقع إقليمي يتسم بحالة من التراجع والاختلال في توازنات القوة، وهو ما شجع حكومة الاحتلال على المضي قدمًا في سياسات التصعيد، مستفيدة من مناخ إقليمي مرتبك أتاح لها توسيع نطاق المناورة وفرض وقائع جديدة على الأرض.