ترجمة وتحرير: نون بوست
وقف مساعي إسرائيل للهيمنة الإقليمية لا يتحقق إلا بقطع الدعم الأميركي، الناتج عن تصاعد الاشمئزاز في المجتمع الأميركي من هيمنة الطبقة المرتبطة بإسرائيل وإبستين
شهدت سماء طهران نهاية الأسبوع الماضي دخانًا أسود كثيفًا نتيجة احتراق النفط، فيما اشتعلت النيران في الشوارع بعد أن قصفت إسرائيل مستودعات النفط في العاصمة. وأسفرت هذه الهجمات عن إطلاق أبخرة سامة في الهواء التصقت بحناجر ورئات ملايين المواطنين.
وتظل العواقب الصحية المحتملة، من أمراض وسرطان ووفيات مبكرة خلال السنوات المقبلة، غير قابلة للقياس بدقة، على غرار ما حدث بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، حيث توفي عدد أكبر من الناس لاحقًا بسبب سرطانات مرتبطة بالغبار مقارنة بعدد ضحايا الهجمات نفسها.
وكانت المشاهد كارثية، أقرب إلى نهاية العالم، ومشابهة لما شهدته حرب الخليج الأولى قبل 35 عامًا، عندما أحرقت القوات المنسحبة التابعة لصدام حسين آبار النفط الكويتية، محولة النهار إلى ليل في سماء الخليج. لكن ذلك التدمير البيئي لم يحدث في قلب مدينة يقطنها عشرة ملايين نسمة.
عملية “الغضب الملحمي” تمثل حرب اختيارية بدأت باغتيال زعيم الدولة علي خامنئي وعشرات المسؤولين الكبار، فضلاً عن ضربة مزدوجة استهدفت مدرسة للبنات وأودت بحياة 165 تلميذة.
هذه الفظائع ليست جديدة على الولايات المتحدة؛ ففي حرب الخليج عام 1991 قصفت الولايات المتحدة ملجأً، ما أسفر عن مقتل 400 طفل وآبائهم.
وتُشن الحرب الحالية على المدن الكبرى والمدنيين. وقد تجاهل وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أي قواعد للاشتباك بفخر، واصفًا بنبرة حماسية: “قادة إيران ينظرون إلى الأعلى فلا يرون سوى القوة الجوية الأميركية والإسرائيلية… قاذفات بي-52 وبي-1 وبي-2، وطائرات بريداتور المسيّرة، تختار الأهداف، والموت والدمار ينهمران من السماء طوال اليوم”.
وفي الوقت نفسه، تشن إسرائيل حربًا على كامل السكان المدنيين في جنوب لبنان والعاصمة بيروت، مما أجبر 700 ألف شخص على مغادرة منازلهم، فيما قُتل نحو 600 شخص خلال أسبوع واحد فقط، بينهم 86 طفلًا.
ولو أن إيران أو حزب الله تسببوا في هذا القدر من الموت والمعاناة، لكانت وسائل الإعلام الغربية في حالة غضب عارم. لكن القصف الإسرائيلي المتواصل يُطَبَّع بوصفه “عمليات عسكرية”، كما حدث خلال الحرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزة.
“سنحقق قدرًا هائلًا من المال”
وادعى دونالد ترامب أنه أنهى سبع حروب في عامه الأول في المنصب، وشكّل “مجلس السلام” الذي قال إنه سيجلب السلام للعالم. لكن الحقيقة أن الإبادة الجماعية في غزة لم تنتهِ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كما أن الحرب على لبنان لم تنتهِ مع وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
والآن، انضم ترامب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حرب غير مبررة على إيران، وهي حرب خطط لها الزعيم الإسرائيلي منذ عقود، وأخيرًا أصبح لديه رئيس أميركي ينفذ كل ما يطلبه.
وقال السيناتور الجمهوري المؤيد للحرب ليندسي غراهام هذا الأسبوع: “عندما يسقط هذا النظام سنحصل على شرق أوسط جديد، وسنجني قدرًا هائلًا من المال”. وأضاف: “تمتلك فنزويلا وإيران 31 في المئة من احتياطيات النفط في العالم. سنقيم شراكة مع 31 في المئة من الاحتياطيات المعروفة، وهذا كابوس للصين. إنه استثمار جيد”.
وتُظهر تصريحاته بوضوح أن اختطاف الولايات المتحدة للزعيم الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، والحرب على إيران، كانا جزءًا من استراتيجية للسيطرة على إمدادات النفط العالمية وحرمان المنافس الرئيسي، الصين، منها.
أما السياق الداخلي الأميركي الذي سبق هذه الحرب فيمكن تلخيصه بكلمة واحدة: إبستين. فاسم ترامب حاضر بقوة في ملفات إبستين، كما أكد أعضاء في الكونغرس اطلعوا عليها. وقد أطلق الحرب في الأسبوع نفسه الذي نُشرت فيه شهادات كانت محجوبة سابقًا لامرأة قالت إن ترامب وإبستين اعتديا عليها جنسيًا عندما كانت مراهقة، فيماينفي ترامب جميع هذه الاتهامات.
إنه رئيس مُقوَّض بشكل قاتل، تتدهور شعبيته في استطلاعات الرأي، ويدفعه ضعفه إلى اتخاذ إجراءات أكثر تهورًا، تُوِّجت بما يعادل الغزو الروسي لأوكرانيا الذي قاده فلاديمير بوتين من جانب الولايات المتحدة.
وكما كان هدف الغزو الروسي تغيير النظام، فإن الهدف هنا أيضًا هو تغيير النظام، وقد أدى ذلك إلى زعزعة الاستقرار العالمي بشكل جذري. وعلى عكس ترامب، لا يحتاج بوتين للقلق بشأن الانتخابات النصفية عندما يرسل الجنود الروس للموت في دونباس.
إذا نظرت إلى خريطة العالم، ستجد قوسًا من الحروب يبدأ في السودان على الساحل الشرقي لأفريقيا، ويمر عبر مضيق باب المندب إلى اليمن، ثم عبر دول الخليج العربي إلى إيران، غربًا إلى فلسطين المحتلة وإسرائيل ولبنان، ثم شمالًا فوق البحر الأسود إلى روسيا وأوكرانيا.
وفي الشرق، أُغرقت سفينة إيرانية بطوربيد أميركي على بعد آلاف الأميال من منطقة الحرب قبالة سواحل سريلانكا، بينما تتعرض كوبا في نصف الكرة الغربي لحصار أميركي.
وقد تصاعدت الحروب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتشمل المنطقة بأكملها والعالم، بفضل تأثير إغلاق مضيق هرمز والضربات التي استهدفت النفط والغاز في الخليج.
ونفت روسيا التقارير التي تحدثت عن تزويدها إيران بمعلومات استخباراتية لدعم ضرباتها الصاروخية، في حين ترسل أوكرانيا الآن خبراء لمساعدة دول الخليج على إسقاط طائرات “شاهد” الإيرانية المسيّرة التي أرسلت سابقًا إلى روسيا واستخدمت ضد أوكرانيا. ويرى بعض المعلقين، مثل جيفري ساكس من جامعة كولومبيا، أن هذا التصعيد الأخير في الخليج قد يمثل المراحل الأولى من حرب عالمية ثالثة.
لا مخرج
كيف ستنتهي هذه الأزمة؟ لا أحد يعرف، رغم أن الإيرانيين يبدون واثقين بشكل لافت من أن الولايات المتحدة قد شرعت في حرب لا تستطيع إنهاؤها. ويؤكد قادة الجيش الإيراني وحرس الثورة الإسلامية استعدادهم لخوض حرب استنزاف طويلة، فيما صرح أحد المتحدثين باسم الحرس الثوري بأن لديهم مخزونات تكفي لحرب تستمر لعشر سنوات. “حتى ونحن نستخدم صواريخنا وطائراتنا المسيرة، فإن مخازننا واحتياطياتنا ممتلئة، وفائضة، ومكتظة.”
استغرق الأمر شهرين فقط حتى أعلن جورج دبليو بوش في أيار/ مايو 2003 عن إنجاز المهمة المزعومة في العراق، وهو ادعاء كاذب، إذ استمرت الحرب طويلاً بعد القبض على صدام حسين بعد ستة أشهر، ما أسفر عن مقتل مئات الآلاف، بينهم آلاف الجنود الأميركيين. أما ترامب فيزعم اليوم أن الحرب على وشك الانتهاء؛ إنها كذبة جديدة.
وفي ليبيا، استغرقت الحملة الجوية للناتو عام 2011، دعمًا لانتفاضة المعارضين؛ سبعة أشهر حتى قُتل معمر القذافي. وسخرت هيلاري كلينتون في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 قائلة: “جئنا.. رأينا… مات”، في إشارة إلى الإطاحة بالقذافي بقيادة الولايات المتحدة. لكن ليبيا غرقت في حرب أهلية وانقسمت إلى شطرين، ولم تُوقع شركات النفط الأميركية والفرنسية الكبرى اتفاقية بقيمة 20 مليار دولار لاستخراج النفط الليبي إلا بعد 15 عامًا.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست عراق صدام حسين، ولا ليبيا القذافي، وهما نظامان تهيمن عليهما عائلة حاكمة، كما كان الحال في سوريا حتى كانون الأول/ ديسمبر 2024. إيران تمتلك عمقًا مؤسسيًا هائلًا يضمن صمودها حتى في حال اغتيال زعيمها الأعلى، وهي دولة شاسعة يبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة.
يبدو أن نتنياهو وترامب اعتقدا أن النظام سينهار بعد وفاة خامنئي، مع قيام الشعب بالانتفاض بأمر منهما للإطاحة بحكامه، تمامًا مثل الخيال الذي رُوِّج قبل غزو العراق قبل 23 عامًا.
وتميل حروب تغيير الأنظمة إلى الانزلاق نحو صراعات وحشية تطلق العنان للتوترات العرقية والقبلية والمذهبية من خلال تدمير مؤسسات الدولة، وهو ما يسعى إليه الإسرائيليون تحديدًا في إيران، في حين يهتم الأميركيون بالنفط فقط.
قد يكون تغيير النظام وشيكًا، لكن لإنهاء هذا الصراع المتصاعد، يجب أن تسقط الأنظمة المتهورة في واشنطن وإسرائيل.
ترامب يواجه أزمة كبيرة، فهناك نوع جديد من الديمقراطيين المعارضين للحرب سيظهر في نوفمبر/ تشرين الثاني، رغم غياب محاولة حقيقية للتفكك عن الثنائية الجمهورية – الديمقراطية المؤيدة للحرب. بين ملفات إبستين وهذه الحرب الكارثية، يبدو من الصعب أن يكمل ترامب ولايته الثانية، ومع ذلك، فإن الرئيس جيه دي فانس ليس خيارًا جذابًا للمتابعين.
أما نتنياهو، فبخلاف ترامب، يحظى بدعم ثلاثة أرباع الإسرائيليين لحروبه في غزة ولبنان وإيران، ومن يدري أين ستكون الخطوة التالية؛ فإسرائيل تحت رحمة هوس حرب مسياني.
فقط قطع الدعم الأميركي، الذي قد ينجم عن تنامي اشمئزاز واشنطن من سيطرتها السياسية عبر الطبقة المرتبطة بإسرائيل وإبستين، يمكن أن يوقف مساعي إسرائيل للهيمنة الإقليمية، أو مواجهة هزيمة كارثية.
أما بالنسبة لزعيم إيران الجديد، مجتبى خامنئي، فهناك دوافع شخصية قوية للانتقام من الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد مقتل والده، وزوجته زهرة عادل، ووالدته، وابنه، وأخته يوم السبت قبل الماضي.
إيران لم تعد تسعى لتجنب الصراع، بل تهدف الآن إلى توجيه ضربة حاسمة. وكما قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف: “يرى النظام الصهيوني وجوده الدنيء في استمرار دورة ‘الحرب – التفاوض – وقف إطلاق النار – ثم الحرب مرة أخرى’ لتعزيز هيمنته. سنكسر هذه الدورة.”
السؤال يبقى: أي تغيير في النظام سيحدث أولاً، وما الثمن الذي سيدفعه العالم بالدماء والثروات؟
المصدر: ميدل إيست آي