يبدو أن الحرب الأميركية الإيرانية على موعد مع منعطف أكثر حساسية وتعقيدًا، في ضوء ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال” في تقريرها الحصري الذي نشرته الجمعة 13 مارس/آذار، بشأن موافقة وزارة الدفاع الأميركية على إرسال وحدة من مشاة البحرية الأميركية (المارينز) وسفن حربية إضافية إلى المنطقة.
أما وكالة “أسوشيتد برس” فكشفت عن أن نحو 2500 عنصر من قوات المارينز، إضافة إلى سفينة هجومية برمائية على الأقل، يتجهون حاليًا إلى الشرق الأوسط، وبحسب ما نقلته عن مسؤول أمريكي، فقد صدرت الأوامر بالفعل إلى عناصر وحدة المشاة البحرية الاستكشافية 31، إلى جانب السفينة “يو إس إس تريبولي”، بالتحرك نحو المنطقة.
The Pentagon is moving a Marine expeditionary unit to the Middle East, as Iran steps up its attacks on the Strait of Hormuz, according to two U.S. officials. Expeditionary units typically consist of up to 2,500 Marines. https://t.co/g4fmC7lIhF
— The Wall Street Journal (@WSJ) March 13, 2026
ويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه القوات الأميركية خسائر متزايدة نتيجة الهجمات الإيرانية، أخرها ما تعرّضت السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد، فجر السبت 14 مارس/آذار، وذلك بعد يومين من تحطم طائرة عسكرية أميركية للتزويد بالوقود في العراق، ما أسفر عن مقتل كامل طاقمها المؤلف من 6 أفراد.
يتزامن ذلك مع تعرض خمس طائرات أميركية للتزويد بالوقود لأضرار جراء قصف استهدف قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، في وقت تشهد فيه الخسائر البشرية ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، مقتل 13 جنديًا أمريكيًا وإصابة 210 آخرين، بينهم 10 بجراح خطيرة.
ويُنظر إلى إرسال قوات المارينز باعتباره مؤشرًا مهمًا على مرحلة جديدة من التصعيد، ويشير إلى انتقال محتمل نحو مرحلة أكثر توتيرًا في مسار الصراع، بما يحمله ذلك من تداعيات عسكرية وسياسية على مستوى الإقليم.
مؤشرات التصعيد
تبدو التهديدات الأمريكية بالتصعيد هذه المرة أقرب إلى خطوات عملية تتجاوز مجرد الرسائل الردعية أو التصريحات الإعلامية، في ظل مؤشرات عسكرية متلاحقة توحي برفع مستوى الجاهزية.
وأفادت تقارير بأن السفينة البرمائية الأمريكية “تريبولي”، المتمركزة في اليابان وتعد من أحدث سفن الإبرار في الأسطول الأمريكي، شوهدت وهي تبحر جنوب تايوان، وسط توقعات باحتمال توجهها نحو الشرق الأوسط، وربما انضمام سفينتي النقل البرمائي “يو إس إس سان دييغو” و “يو إس إس نيو أورلينز” إليها ضمن مجموعة الجاهزية البرمائية.
ورغم رصد هذه التحركات عبر صور الأقمار الصناعية، فضّلت وزارة الدفاع الأمريكية عدم التعليق على تفاصيلها، مشيرة إلى اعتبارات تتعلق بالأمن العملياتي.
ويتزامن ذلك مع مؤشرات أخرى تعكس تصعيدًا تدريجيًا في الاستعداد العسكري، من بينها تقارير عن إعادة توجيه أعداد من الطائرات المسيّرة الاعتراضية التي كانت مستخدمة في الحرب الأوكرانية للتعامل مع التهديدات المرتبطة بإيران.
كما تتزايد التقديرات حول احتمال الدفع بعناصر من قوات المهام الخاصة الأمريكية، بما في ذلك وحدات من الفرقة 82 المحمولة جوًا المعروفة بقدرتها على الانتشار السريع لتنفيذ مهام تأمين المنشآت الحيوية أو السيطرة على المواقع الحساسة.
ويعزز هذه الاحتمالات ما تردد عن تعديلات مفاجئة في خطط تدريب بعض وحدات الفرقة خلال الأيام الأخيرة، وهو ما فُسر على نطاق واسع باعتباره مؤشرًا إضافيًا على احتمال تفعيل قوة الاستجابة الفورية إذا اقتضت التطورات ذلك.
ماذا يعني ذلك عمليًا؟
تلجأ الولايات المتحدة إلى قوات المارينز في المهام الحساسة والاستثنائية التي تتطلب تدخلًا سريعًا ومحدودًا لتحقيق هدف واضح، مثل السيطرة المؤقتة على منشأة عسكرية أو جزيرة أو موقع استراتيجي، من دون الانزلاق إلى غزو شامل أو احتلال طويل.
كما يمكن الاستعانة بهذه القوات في مهام الحماية والإجلاء وتأمين السفارات وخطوط الملاحة ومنشآت الطاقة، وإن كان هذا الاحتمال يبدو أقل ترجيحًا إذا تعلق الأمر بدخول مباشر إلى الأراضي الإيرانية، لما ينطوي عليه ذلك من تعقيدات سياسية وميدانية أكبر.
وفي الوقت نفسه، قد يُفهم الدفع بقوات المارينز بوصفه تمهيدًا لاحتمال فتح جبهة برية أوسع، باعتبارهم عادة قوة التدخل الأولى قبل دخول القوات الثقيلة، كما يحمل هذا التحرك دلالات سياسية وردعية تتجاوز البعد العسكري المباشر.
فإرسال المارينز والسفن البرمائية قد يعكس رغبة أمريكية في إظهار الجاهزية للتصعيد ورفع مستوى الضغط على الطرف الإيراني، من دون حسم الاتجاه نحو حرب شاملة، وهو ما يفسر اتساع دائرة التقديرات والتكهنات في ظل غياب إعلان واضح عن الهدف النهائي لهذا التحرك.
بنك أهداف مُلغم
بحسب ما يُتداول في التصريحات المنسوبة إلى الإدارة الأمريكية وما تكشفه بعض التقارير الإعلامية، فإن إرسال قوات المارينز إلى المنطقة قد يرتبط بعدة سيناريوهات محتملة، من بينها محاولة تخفيف أو كسر الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز عبر عمليات إنزال محدودة على جزر ذات أهمية جغرافية مثل قشم وهرمز، بهدف إعادة تأمين الممرات البحرية، إلا أن هذا الخيار يظل محفوفًا بمخاطر كبيرة، نظرًا لحساسية الجغرافيا العسكرية في محيط المضيق وكثافة التهديدات غير التقليدية فيه.
كما يُطرح احتمال أن تمثل هذه القوات إسنادًا أوليًا لعملية برية أوسع قد ترتبط بتحركات مجموعات من الأقليات الكردية أو الأذرية على أطراف الداخل الإيراني، وهو سيناريو طُرح في بعض التحليلات خلال المراحل الأولى من الحرب، لكنه يظل محل شك بسبب تعقيداته السياسية والميدانية.
– أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تنفيذ "أقوى غارة في تاريخ الشرق الأوسط" استهدفت الأهداف العسكرية في جزيرة خارك الإيرانية الاستراتيجية، مؤكدًا تدمير الدفاعات الجوية والقواعد البحرية، مع تحييد البنية التحتية النفطية "حتى الآن".
– أكدت مصادر إيرانية وقوع 15 انفجارًا في الجزيرة… pic.twitter.com/TuOVK8E2jn
— نون بوست (@NoonPost) March 14, 2026
وفي السياق ذاته، يبرز سيناريو السيطرة على جزيرة خارك الإيرانية، بالنظر إلى أهميتها الاقتصادية بوصفها مركزًا رئيسيًا لتخزين وتصدير النفط الإيراني، وشريان النظام الإيراني الأهم، وهو خيار قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع ويؤثر في استقرار أسواق الطاقة العالمية.
ويُشار كذلك إلى احتمال ارتباط هذه التحركات بمحاولة عرقلة جهود إيرانية محتملة لإخفاء أو نقل مخزونها النووي من اليورانيوم المخصب، خاصة بعد مؤشرات التقطتها صور أقمار صناعية قرب منشآت مثل أصفهان، ورغم امتلاك أمريكا وحدات متخصصة عالية التدريب تُعرف بوحدات المهام الخاصة (SMU) القادرة نظريًا على تنفيذ مثل هذه العمليات، فإن نجاح أي تحرك من هذا النوع يظل مرهونًا بتوافر معلومات استخباراتية دقيقة.
وتعكس هذه السيناريوهات أن نشر المارينز قد يحمل طيفًا واسعًا من الأهداف العسكرية والردعية، في ظل غياب إعلان أمريكي واضح عن الهدف النهائي لهذا الحشد.
مضيق هرمز الارجح.. ولكن
يرى الخبير الأمريكي مالكوم نانس، الضابط السابق في البحرية الأمريكية والمحلل الأمني والاستخباراتي، أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في حال الدفع بقوات المارينز إلى المنطقة يتمثل في محاولة السيطرة على بعض الجزر الواقعة في مضيق هرمز بهدف تأمين حركة الملاحة، ولا سيما النفطية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن وصول هذه القوات يستغرق نحو أسبوعين، ما يعني أن أي تحرك ميداني محتمل لن يكون فوريًا، بل يظل مرتبطًا بحسابات التوقيت والتصعيد خلال الفترة المقبلة.
كما يلفت إلى أن هذا السيناريو ليس جديدًا، إذ سبق أن طُرح في التصورات العسكرية الأمريكية قبل نحو أربعة عقود، وكان يتطلب حينها حشدًا كبيرًا من قوات المارينز والمعدات للسيطرة على عدد من الجزر الرئيسية تمهيدًا لتطويق بندر عباس وتقليص النفوذ الإيراني داخل المضيق.
REAL TALK FAM. As a Persian Gulf Naval Combat veteran who has survived the following:
1) An Antiship missile duel (we sank the Iranian Navy missile boat but it missed us by 150ft)
2) Sailing into a minefield to help save a Frigate that was sinking
3) Chased high speed IRGC…
— Malcolm Nance (@MalcolmNance) March 10, 2026
ومع ذلك، يؤكد نانس أن هذا الخيار ظل تاريخيًا بالغ التعقيد، لأن تنفيذه كان سيُفسَّر بوصفه دخولًا مباشرًا في مواجهة مفتوحة مع إيران، مع ما قد يستتبعه من رد واسع من الحرس الثوري وقوات الباسيج، إلى جانب التهديدات القادمة من الجبال المشرفة على المنطقة.
ومن هذا المنطلق، يعتبر أن الحديث عن أن إضعاف البحرية الإيرانية يكفي لفرض السيطرة الكاملة على مضيق هرمز لا يعكس الصورة العملياتية بدقة، إذ إن التحدي الأبرز يبقى في الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، وهي أدوات قادرة على إبقاء أي قوة مهاجمة تحت ضغط مستمر، لذلك فإن أي قرار بإرسال قوات أمريكية برية في هذا الاتجاه يظل خيارًا شديد الحساسية سياسيًا وعسكريًا، وقد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع.
ماذا عن طهران؟
يشير التعاطي الإيراني مع الحرب خلال الأسبوعين الأولين إلى أن الإقدام على أي من السيناريوهات السابقة بشأن الاستعانة بقوات المارينز في المواجهة، لن يمر هكذا دون كلفة باهظة، ورد عنيف من الجانب الإيراني، الذي قد يلجأ إلى التصعيد أكثر وأكثر، مواصلًا سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها منذ بداية الحرب.
وتملك إيران عدة مسارات لتوسيع دائرة التصعيد، من بينها تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وإقحام مضيق باب المندب عبر الألغام والمسيرات، مع احتمال دفع الحوثيين إلى الانخراط في المواجهة، كما قد يمتد التصعيد إلى استهداف منشآت النفط وناقلاته في الخليج، بما يرفع كلفة التأمين والشحن ويحدث اضطرابًا واسعًا في أسواق الطاقة، إلى جانب تكثيف استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة وتنشيط جبهات اليمن ولبنان والعراق.
تتجه الحرب وفق تلك المؤشرات، إلى جولة استثنائية من التصعيد، سرعان ما تحولها من حرب محدودة إلى مواجهة إقليمية أو ربما دولية، تستهدف شريان الطاقة والتجارة العالمية والملاحة البحرية وهو ما سيكون بمثابة الصدمة التي ستهز العالم أجمع، ويتجاوز صداها حدود الإقليم الضيق.