منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تراكمت المئات من ناقلات النفط وسفن الشحن عند مدخل مضيق هرمز في حالة انتظار مفتوحة ومرتبطة بمسار الصراع، ومن جهة أخرى هناك محاولات للتفاوض المنفرد الذي ابتدرته عدد من الدول الأوروبية كفرنسا وإيطاليا مع طهران لضمان مرور سفنها، بالإضافة لارتفاع عدد السفن التي تعرضت لاستهداف في محاولة العبور إلى 16 سفينة حسب تحقيقات المصادر المفتوحة.
ومع كل أزمة في هذا الممر البحري يعاد طرح السؤال القديم حول أمن الطاقة والتجارة العالمية، نظرًا لأن المضيق يعد أحد أكثر النقاط حساسية في الاقتصاد الدولي.
على الجانب السوداني، تظهر آثار هذه التوترات بصورة مختلفة، ففي عدة مدن وعلى رأسها العاصمة الخرطوم بدأت طوابير الوقود تتمدد أمام محطات الخدمة، لأن الإمدادات التي تصل عبر البحر الأحمر ترتبط مباشرة باستقرار سلاسل الإمداد في الخليج وتكاليف الشحن، وأي اضطراب في تلك السلاسل ينعكس سريعًا على الأسواق المحلية.
وهكذا، يتحرك السودان داخل جغرافيا شديدة التعقيد، فطريق الوقود يمر عبر الخليج ومضيق هرمز، فيما تمر السلع والبضائع عبر باب المندب قبل أن تصل إلى بورتسودان قادمة من المحيط الهندي وخليج عدن، مما يعني أن تأثير الاضطراب في المنطقة يصل إلى الموانئ والأسواق السودانية، ثم يمتد تدريجيًا إلى الاقتصاد والغذاء.
هرمز: النفط والأسمدة
عند الحديث عن إغلاق مضيق هرمز، يتجه الانتباه عادةً إلى النفط، فالممر البحري الضيق الذي يفصل الخليج عن بحر عمان يمر عبره نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعله نقطة اختناق رئيسية في سوق الطاقة. ومع تصاعد التوترات الأخيرة في الخليج، قفزت أسعار النفط سريعًا في الأسواق العالمية مع رفع بنوك الاستثمار الكبرى توقعاتها، إذ قدّر محللو غولدمان ساكس سعر البرميل بنحو 110 دولارات، فيما رفع جي بي مورغان السقف إلى حدود 130 دولارًا في حال استمرار إغلاق المضيق.
تأثير هذه التقلبات يصل إلى السودان بسرعة، فالبلاد تعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد الوقود عبر البحر الأحمر، وتُقدّر واردات السودان من الديزل بنحو 60 إلى 70 ألف طن شهريًا، أي ما يقارب 720 إلى 840 ألف طن سنويًا، تصل في معظمها عبر ميناء بورتسودان بعد عبور الممرات البحرية الممتدة من الخليج، ويعني ذلك أن أي ارتفاع في أسعار النفط أو تعطّل في حركة الناقلات ينعكس مباشرة على تكلفة الاستيراد وعلى قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها من الطاقة.
غير أن النفط ليس السلعة الوحيدة التي يعبرها المضيق، وتمر ثلث تجارة الأسمدة العالمية عبر هرمز، وتُعد قطر أكبر مصدر لليوريا في العالم، فيما تمثل صادرات دول الخليج حوالي 45% من السوق العالمية لهذه المادة الأساسية في الزراعة، وهي سماد نيتروجيني رئيسي لا يملك بديلًا حقيقيًا في كثير من المحاصيل، ويعتمد عليه الإنتاج الزراعي في دول واسعة من العالم.
ومع اضطراب الأسواق العالمية ارتفع سعر طن اليوريا من نحو 450 دولارًا إلى أكثر من 600 دولار خلال أسبوع واحد، أي بزيادة تتجاوز 37%. في أسواق الطاقة توجد احتياطيات استراتيجية يمكن اللجوء إليها عند الأزمات. أما في سوق الأسمدة فلا توجد آلية مماثلة، ما يجعل أي اضطراب في طرق التجارة يتحول سريعًا إلى ضغط مباشر على الزراعة والأمن الغذائي.
باب المندب: تهديد وشيك
التوتر في الخليج لا يقف عند مضيق هرمز، ففي الأيام الأخيرة، نقلت قناة الجزيرة عن مسؤول عسكري إيراني رفيع تحذيرًا من أن أي خطأ استراتيجي أمريكي قد يدفع مضيقًا آخر إلى وضع مشابه في إشارة واضحة إلى باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وأحد أهم الممرات التي تربط تجارة آسيا وأوروبا.
أهمية هذا التهديد ترتبط بالواقع العسكري القائم في اليمن، لأن الجماعة الحوثية المدعومة من إيران سبق أن نفذت هجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر، مؤدية في فترات سابقة إلى اضطراب الملاحة وتحويل مسارات الشحن الدولية بعيدًا عن الممر. هذه السوابق جعلت باب المندب جزءًا من معادلة الضغط الإقليمي، حيث يمكن لأي تصعيد في المنطقة أن ينعكس سريعًا على حركة السفن في هذا المضيق.
بالنسبة للسودان، يكتسب باب المندب أهمية مباشرة لأن عددًا من السفن المتجهة إلى ميناء بورتسودان تعبر هذا الممر قبل الوصول إلى الساحل السوداني، إضافة إلى ذلك، يسلك الوقود القادم من الخليج الطريق ذاته، كما تمر عبره السلع التجارية والمواد الغذائية، فالمضيقان ليسا بديلين لبعضهما، وأشبه بطرفي المقص الذي يُمسك السودان بين نصليه.
السودان: ثلاثة عوامل تزيد هشاشة الوضع
لا يقتصر تأثير إغلاق مضيق هرمز على دولة بعينها، وتعتمد دول صناعية كبرى بدرجات مختلفة على الطاقة القادمة من الخليج، فاليابان تستورد نحو 75% من نفطها عبر هذا الممر، كما ترتبط به واردات مهمة لكل من الصين والهند وكوريا الجنوبية. هذه الدول تمتلك أدوات اقتصادية واحتياطيات تمكنها من امتصاص جزء من الصدمة في حال تعطل الإمدادات.
الوضع في السودان مختلف لعدة أسباب:
العامل الأول يتعلق بضعف الاحتياطي النقدي، إذ إن استيراد الوقود يعتمد على العملة الصعبة، وهي مورد نادر في الاقتصاد السوداني منذ سنوات. أي ارتفاع في الأسعار العالمية يضاعف الضغط على فاتورة الاستيراد، ويقلّص قدرة الحكومة على تأمين الإمدادات في الوقت المناسب. أما التحول إلى مسارات بديلة أو موردين جدد، فيحتاج إلى قدرة مالية لا تتوفر بسهولة في الظروف الحالية.
العامل الثاني يرتبط بالحرب الداخلية، فالنزاع المستمر منذ منتصف أبريل عام 2023 استنزف موارد الدولة وأضعف مؤسساتها الاقتصادية، وأصبحت إدارة قطاع الطاقة أكثر هشاشة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى سياسات استباقية وتخطيط طويل الأمد. وأشار وزير الطاقة السوداني السابق عادل علي إبراهيم في تصريحات سابقة إلى أن الحرب والفساد أضعفا قطاع استيراد وتوزيع الوقود، مع تنامي نفوذ شركات خاصة في هذا المجال.
العامل الثالث يتصل بالجغرافيا اللوجستية للبلاد، لأن معظم واردات السودان تصل عبر ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، والذي يمثل المنفذ البحري الرئيسي في دولة بمساحة السودان وتعداد سكانها. محدودية البدائل تعني أن أي اضطراب في الملاحة في البحر الأحمر أو في الممرات المؤدية إليه ينعكس مباشرة على حركة الإمدادات. في ظل هذه المعطيات، يجد السودان نفسه تحت ضغط مزدوج، صراع داخلي يستهلك موارده، وأزمات إقليمية تتحكم في طرق التجارة التي يعتمد عليها.
الأسمدة والموسم الزراعي
في الحسابات المباشرة للأزمة، يتركز النقاش غالبًا حول الوقود، وتقول وزارة الطاقة السودانية إن المخزون الحالي قد يكفي حتى نهاية أبريل 2026، بينما يلمّح وزير المالية إلى ضغوط أكبر على الإمدادات والتمويل. هذه التقديرات تعكس حالة من عدم اليقين في سوق الطاقة، لكنها لا تغطي جانبًا آخر لا يقل أهمية بالنسبة للاقتصاد السوداني.
والحديث هنا يتعلق بالأسمدة، فالسودان يستعد للدخول في موسمه الزراعي الصيفي خلال الأشهر المقبلة، وهو موسم يعتمد على توفر مدخلات الإنتاج في الوقت المناسب. وفي السياق أشار المحلل الاقتصادي عبد العظيم المهل في حديث مع “سودان تربيون” إلى أن تداعيات التوتر في الممرات البحرية لن تتوقف عند الوقود، وستطال أيضًا أسعار اليوريا والأسمدة والمبيدات الزراعية.
وقد بدأت الأسواق العالمية بالفعل تسجيل هذه الضغوط، وارتفعت أسعار الأسمدة خلال الأسابيع الأخيرة بنسب عالية مع تصاعد التوترات في الخليج الذي تأتي منه معظم الأسمدة النيتروجينية. بالنسبة لبلد كالسودان فيعتمد قطاع واسع من اقتصاده على الزراعة، لذلك أي ارتفاع في تكلفة المدخلات الزراعية سينعكس مباشرة على حجم الإنتاج في الموسم التالي وسيضع ضغوطًا على المزارعين، ثم يصل بعد أشهر إلى الأسواق المحلية ومستويات توفر الغذاء.
هذا البعد الزراعي يمثل أهمية خاصة في حالة السودان التي كانت تستورد قبل الحرب نحو 450 ألف طن من الأسمدة سنويًا وانخفضت إلى 50 ألفًا أثناء الحرب لتغطية احتياجات القطاع الزراعي.
هذه التطورات تأتي في وقت يواجه فيه السودان أصلًا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي بحسب تقارير برنامج الأغذية العالمي التي تضع البلاد ضمن الدول الأكثر عرضة لأشد مستويات الجوع في العالم إلى جانب اليمن وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا وفلسطين وهايتي.
فرصة ضائعة وسط الكارثة
من جانب آخر، يطرح بعض المحللين الاقتصاديين زاوية مختلفة للنظر إلى التحولات الجارية في طرق التجارة العالمية، لأن اضطراب الملاحة في بعض الممرات ربما يدفع جزءًا من حركة السفن إلى البحث عن مسارات بديلة عبر البحر الأحمر. في مثل هذا السيناريو، يمكن لميناء بورتسودان أن يكتسب أهمية لوجستية أكبر، بوصفه محطة محتملة لإعادة توزيع البضائع نحو أسواق شرق ووسط أفريقيا.
هذه الإمكانية ترتبط بموقع السودان الجغرافي على واحد من أهم طرق التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا. غير أن تحويل الموقع الجغرافي إلى مكسب اقتصادي يحتاج إلى بنية تحتية فعّالة، وقدرة إدارية على إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية، إضافة إلى بيئة سياسية مستقرة تشجع حركة الاستثمار والتجارة.
في الظروف الراهنة تبدو هذه الشروط بعيدة، فالحرب الداخلية والضغوط الاقتصادية تجعل من الصعب استثمار أي فرصة قد تخلقها التحولات في حركة الملاحة.