• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

التصعيد الإقليمي يمنح إسرائيل غطاءً لتكثيف سياساتها.. حوار مع نهاد أبو غوش

سندس بعيرات١٧ مارس ٢٠٢٦

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، تتحول الضفة الغربية إلى ساحة مفتوحة لتكثيف السياسات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، حيث تواجه المجتمعات الفلسطينية قيودًا مشددة تشمل الإغلاقات والحواجز وعمليات الاعتقال التعسفي، إلى جانب تسارع وتيرة الاستيطان وتهجير بعض التجمعات السكانية.

في هذا السياق، أجرى “نون بوست” حوارًا مع نهاد أبو غوش، الكاتب والمتخصص في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، الذي قدّم قراءة معمّقة للاستراتيجيات الإسرائيلية، ورصد السيناريوهات الأمنية المحتملة في حال تصاعد الصراع الإقليمي.

يكشف هذا الحوار كيف تحوّلت الضفة الغربية إلى حالة يومية من التوتر والمواجهة، تتشابك فيها الإجراءات الإسرائيلية مع ردود الفعل الفلسطينية، بما يجعل حياة السكان وأمنهم، بل ومستقبل المنطقة ككل، رهينة للتحولات الإقليمية والسياسات الإسرائيلية المتصاعدة.

إلى أي مدى تؤثر التوترات أو الحروب الإقليمية في المنطقة على مستوى الإجراءات الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية؟

هي، لا شك، تؤثر من عدة جوانب. أولاً، حين تشتعل الصراعات الإقليمية، حتى لو لم يكن لإسرائيل يد فيها، يعني عندما تكون هناك أزمة طاحنة في السودان أو في سوريا، فإن ذلك يساهم في تهميش الشأن الفلسطيني وتهميش القضية الفلسطينية. مثال على ذلك، حين يُستشهد ثلاثة مواطنين برصاص المستوطنين في قرية فلسطينية، مثل قرية أبو فلاح أو المغير أو قريوت، كان ذلك يُعدّ حدثاً مهماً جداً ويستدعي ردود فعل دولية وإقليمية حادة في الأوقات الطبيعية. لكن حين نسمع عن غارات يكون ضحيتها مئات الناس يومياً، يصبح الحدث الفلسطيني، مهما بلغت شدته، حدثاً هامشياً. هذا من جهة.

وبالتالي، فإن إسرائيل لديها برنامج واضح في ما يتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة. فهذه الحكومة اليمينية المتطرفة تمتلك برنامجاً مُعلناً وليس خفياً؛ أي إننا لا نستنبطه، بل هو مُعلن في الاتفاقيات الائتلافية بين حزب الليكود وشركائه، ومُعلن أيضاً في التوجهات العامة للحكومة بأنها ستعمل بكل ما أوتيت من قوة على تكثيف الاستيطان وتوسيعه، وفي الوقت نفسه على تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية. وطبعاً، يقود ذلك تلقائياً إلى مخطط التهجير وجعل الأرض الفلسطينية غير قابلة للحياة.

ولذلك، تُشكّل التوترات والتصعيد الإقليمي بيئة مواتية جداً؛ أولاً بسبب انشغال العالم بها، وثانياً لأنها تشبه حالة العتمة التي تناسب الحرامي، كما يقول المثل الشعبي. ففي ظل هذا الانشغال الدائم بما يجري في الخارج، ينفلت المستوطنون ويمارس الجيش كل ما يريد من إجراءات، أحياناً بحجة الأمن والحفاظ عليه، وأحياناً من خلال غضّ النظر عن سلوكيات المستوطنين.

ثم لا ننسى أن إسرائيل تحاول أن تزرع قناعات مفادها أنها تواجه الأعداء أنفسهم، سواء في إيران أو في اليمن أو في لبنان أو في الأراضي الفلسطينية، وأن كل ذلك يُسمّى محور الشر. وبالتالي، فهي تحاول أن تصنّف الحركة الوطنية الفلسطينية وفصائلها كأنها جزء من محور موالٍ لإيران. لذلك يصفون حركات المقاومة بأنها أدوات لإيران، وليس بأنها ردّ طبيعي على الاحتلال أو أنها نتاج إرادة الشعب الفلسطيني في الحرية.

ومن المعروف أن حركات المقاومة سبقت الثورة الإيرانية أصلاً، وهي موجودة ما دام الاحتلال موجوداً. وبالتالي، فإن المقاومة لا ترتبط بإيران، ولا بحماس، ولا بأي فصيل سياسي يتضامن مع إيران، بل هي مسألة تاريخية أفرزها الشعب الفلسطيني عبر نضالاته وتضحياته عبر التاريخ.

هل يمكن أن نقول إن إسرائيل تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ساحة قد تتأثر، مثلاً، مباشرة بأي تصعيد إقليمي؟

بالتأكيد. فالضفة الغربية تعتبرها إسرائيل شأناً داخلياً خاصاً بها، خصوصاً أنها اتخذت إجراءات سياسية وتشريعية تنص حرفياً على ذلك؛ فهناك قانون في الكنيست يُسمّى قانون القومية، ويعتبر أن حق تقرير المصير في أرض إسرائيل (والمقصود بأرض إسرائيل هنا كل فلسطين) هو حق حصري لليهود. وبالتالي، فهي ترى أن الفلسطينيين ليس لهم أي حقوق سياسية أو وطنية، وأن أقصى ما يمكن أن يتاح لهم هو الحقوق المعيشية والاقتصادية.

وهذه ليست مجرد وجهة نظر إسرائيلية، بل تبنّاها إلى حد كبير دونالد ترامب حين طرح صيغة صفقة القرن. كما تكاد تكون حاضرة أيضاً في خطة ترامب للسلام في غزة، لأن الحديث عن حق تقرير المصير للفلسطينيين يأتي بشكل معقد وملتبس وغامض، ومشروط بشروط تعجيزية.

وبالتالي، تتصرف إسرائيل على أساس أن كل الشأن الفلسطيني هو شأن داخلي إسرائيلي، وشأن أمني لا علاقة للأمم المتحدة، ولا للعرب، ولا للجيران، ولا لأي طرف آخر في العالم به. فهي تديره كيفما تشاء، وتتعامل معه بالقوة المسلحة، وليس عن طريق المفاوضات أو الاتفاقيات.

تاريخياً، هل شهدت الضفة الغربية تشديداً أمنياً مشابهاً خلال أزمات إقليمية سابقة؟

بالتأكيد. ففي كل الحروب التي خاضتها إسرائيل، مثل حرب الخليج، وكلما اندلعت حروب أو أزمات إقليمية، كانت تُعدّ فرصة بالنسبة للحكومات الإسرائيلية لفرض مزيد من التقييدات. وأصبحت هذه الإجراءات، في الواقع، عادة لديها؛ إذ لا يقتصر فرض القيود على فترات التوترات الأمنية فقط،

بل يحدث أيضاً خلال الأعياد اليهودية والمناسبات المختلفة. وحتى عندما يرغبون في الاحتفال بأي مناسبة تخصهم، فإنهم يعطون هذه المناسبة أولوية على حقوق الفلسطينيين الإنسانية والمعيشية.

وكما قال إيتمار بن غفير، إن حرية الحركة، أو حق اليهود في الحركة، أهم من حق الفلسطينيين. وبالتالي، فإن هذه المسألة تُعدّ تاريخية أيضاً، لأنها محكومة بنظرة عنصرية من قبل الإسرائيليين، ترى أن حياة الشعب الفلسطيني وشؤونه الحياتية أمر هامشي لا يهم أحداً.

ما أبرز الإجراءات الأمنية التي تلجأ إليها إسرائيل في الضفة الغربية عندما تتصاعد التوترات في المنطقة؟

يعني، أُذكّر هنا بأن إسرائيل، منذ بدء الحرب على قطاع غزة، اتخذت إجراءات قانونية اعتبرتها إجراءات حرب. وبالتالي، فإن القوانين التي تُطبَّق في الضفة الغربية هي قوانين تُنفَّذ وتُمارس في ظل ظروف استثنائية، أي ظروف حرب. فمثلاً، تتعلق هذه الإجراءات بأسباب اعتقال أي مواطن، أو تمديد اعتقاله، أو طريقة التحقيق معه، ومكان احتجازه، ومصادرة أملاكه، إضافة إلى الاغلاقات المستمرة، وزيادة عدد البوابات في الضفة الغربية إلى أكثر من ألف بوابة تُغلق بموجبها المداخل على أهالي المناطق.

كما تشمل هذه الإجراءات الممارسات التعسفية وعمليات التنكيل على الطرق بين المدن وفي المناطق المختلفة، إضافة إلى حملات الاعتقال التي طاولت أكثر من 15 ألف فلسطيني خلال الحرب. ومن بين هؤلاء، طبعاً، أكاديميون ونقابيون وطلاب ونساء ورجال وأطفال ورؤساء بلديات، أي من مختلف التيارات السياسية ومن مختلف الاتجاهات ومن مختلف فئات الشعب، وليس بالضرورة أن يكونوا ناشطين.

كذلك، هناك الاستسهال في عمليات إطلاق النار، أو ما يُسمّى في اللغة العسكرية تعليمات إطلاق النار. فقد قتلت إسرائيل، خلال الحرب على غزة، حوالي 1100 فلسطيني في الضفة الغربية، من بينهم نحو 60 أو 70 قُتلوا برصاص المستوطنين. وهنا أُشير إلى أنه من بين أكثر من 60 حالة قتل على يد المستوطنين، لم يُجرَ التحقيق فعلياً في أي حالة، ودائماً ما يسعى الجيش والمحاكم والقضاء في إسرائيل إلى إيجاد تبريرات وأعذار لهؤلاء المستوطنين، بحيث يُعتبر أن لهم الحق في قتل أي فلسطيني لمجرد الاشتباه به. فمثلاً، قد يُعدّ تسريع فلسطيني لسيارته بطريقة تثير مخاوف مستوطن مبرراً لإطلاق النار عليه، أو حتى رفع يده لأي غرض إنساني، أو مدّ يده إلى جيبه؛ فأي حركة يرتاب بها المستوطن قد تُتخذ مبرراً للقتل.

وتأتي كل هذه الأوضاع، إضافة إلى الاقتحامات المستمرة، واستلاب صلاحيات السلطة الفلسطينية وانتزاعها يوماً بعد آخر، وعمليات القضم التدريجي للأراضي، وتهجير التجمعات البدوية، وهي من أخطر الإجراءات التي قامت بها إسرائيل خلال الحرب. فحتى الآن جرى تهجير أكثر من 75 تجمعاً رعويّاً وبدويّاً في مختلف مناطق الضفة الغربية، بهدف تمهيد السيطرة على كامل منطقة ج.

إذن، كل هذه الإجراءات تصب في نهاية المطاف في خدمة مشروع التوسع الاستيطاني، وليست مجرد إجراءات أمنية. فظاهرها إجراءات أمنية، لكنها في الجوهر إجراءات تنكيلية تهدف إلى جعل الحياة صعبة على الفلسطينيين. وكما حدث في قطاع غزة من تدمير للمستشفيات ومحطات تحلية المياه ومحطات الكهرباء والمدارس والطرق، والقضاء على الأراضي الزراعية، بحيث تصبح الحياة هناك شبه مستحيلة وتصبح الهجرة الخيار الأسهل للفلسطينيين، فإن إسرائيل تمارس في الضفة الغربية شيئاً من هذا القبيل، لكن ربما بدرجة أقل من التوحش.

فهي تفعل كل ما في وسعها لجعل المستقبل بالنسبة للفلسطينيين غامضاً، محفوفاً بالحذر والخطر، وبالتالي يتراجع الأمل لدى الفلسطينيين في مستقبل آمن لهم ولأبناء أسرهم. وهذا من شأنه أن يخلق ظروفاً طاردة للسكان ومشجعة على الهجرة.

إلى أي مدى يمكن ربط الحواجز الإسرائيلية والاغلاقات التامة للبوابات الحديدية وتشديد القيود على الحركة بالتخوف من تصعيد داخلي؟

ظاهرياً، يدّعى أن السبب هو إجراءات أمنية، لكن في الحقيقة، ليست الإجراءات الأمنية هي الهدف الرئيسي. فالضغط يولد ردود فعل؛ إذ إنّ حملات القمع والاعتقالات التعسفية والاغتيالات غالباً ما تحفّز الشباب على اللجوء إلى خيارات المقاومة. وبالتالي، ليست هذه الإجراءات الأمنية بالضرورة مبررة وفعالة، بل هي إجراءات تنكيلية لها أهداف سياسية، تهدف إلى التضييق على السكان ودفعهم إلى الاستسلام الكامل.

هناك رؤية صاغها سمو تريتش قبل سنوات، الذي لا يعترف بالفلسطينيين ويصفهم فقط بأنهم “سكان عرب” في أرض إسرائيل. ووفق هذه الرؤية، يُفترض بالعرب إما القبول بالعيش في البلاد بمرتبات أدنى من اليهود وبحقوق أقل، أو الهجرة طوعاً، أو الموت. هذه هي الخيارات التي طرحها سمو تريتش، وهو أحد أبرز قادة التيار اليميني المتطرف

ربما نظرياً لا يتبنى نتنياهو هذا الرأي بشكل علني، لكنه عملياً يسمح لجيشه والمستوطنين والقوة المتطرفة في إسرائيل بتطبيق هذه الرؤية على الفلسطينيين.

كيف تؤثر هذه الإجراءات على الحياة اليومية للفلسطينيين وعلى الحركة الاقتصادية والاجتماعية؟

بلا شك، اتخذت إسرائيل سلسلة من الإجراءات التي ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة اليومية للفلسطينيين. وهذه الإجراءات تراكمية وتصاعدية؛ إذ لم تبدأ مع الحرب، بل تعود إلى سنوات طويلة سبقتها. ومن بين هذه الإجراءات السيطرة على الموارد والأراضي والمياه، وتقييد الدخول إلى الأراضي المحتلة عام 1948، بما في ذلك العمل في المؤسسات والمشاريع الإسرائيلية، إضافة إلى تعقيد عمليات الاستيراد، وفرض نظام اقتصادي غير متكافئ وفق بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي ساهم في إضعاف الاقتصاد الفلسطيني وتقويض قدرته على النمو.

كما زادت إسرائيل من الضغوط عبر مصادرة الأموال الفلسطينية، مثل أموال المقاصة، حيث تُختلق باستمرار ذرائع جديدة لاقتطاع هذه الأموال: مرة لتعويض مصابين في حوادث، ومرة لتعويض ما يُسمى ضحايا “الإرهاب”. وحتى العمليات التي وقعت قبل عقود، يمكن للإسرائيليين رفع دعاوى أمام المحاكم الإسرائيلية للحصول على تعويضات كبيرة من أموال الفلسطينيين. وفي أحيان أخرى تُقتطع الأموال بحجة تمويل السلطة الفلسطينية للأسرى والشهداء.

كما اختُلقت ذرائع أخرى، مثل معالجة النفايات، رغم أن إسرائيل تصادر الأراضي الفلسطينية وتمنع استخدامها لأغراض مدنية وعمرانية، بما في ذلك التخلص من النفايات. فهذه الأراضي تُستخدم أحياناً لوضع النفايات الفلسطينية والإسرائيلية، ويستفيد الإسرائيليون مالياً من ذلك، بينما يُحرم الفلسطينيون من أي منفعة.

وقد أدى هذا الواقع إلى عجز السلطة الفلسطينية، منذ أكثر من ثلاثين شهراً، عن سداد التزاماتها تجاه الموظفين والقطاع الخاص، ما خلق أزمة اقتصادية صعبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي حين وصلت الأوضاع في قطاع غزة إلى مستوى الكارثة، يواجه سكان الضفة الغربية أيضاً ظروفاً اقتصادية قاسية، مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتدمير المؤسسات الإنتاجية والخيرية ومنعها من العمل، إضافة إلى تقييد عمل الوكالات الدولية، بما في ذلك وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تقدم خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية لقطاع واسع من اللاجئين الفلسطينيين، إذ تم تهجير أكثر من ستين ألف لاجئ من مخيمات الشمال.

برأيك، هل تهدف هذه الإجراءات أساساً إلى منع أي تحرك شعبي أو أمني في الضفة الغربية؟

في اعتقادي أن هذا أحد الأسباب، لكن الهدف الأوسع والأعمق  لهذه الإجراءات هو الدفع نحو حسم الصراع. فالصراع القائم والمستمر منذ أكثر من قرن، ترى حكومة اليمين أنه آن الأوان لحسمه نهائياً بدل إدارته، وبالتالي يرسمون ملامح الحل النهائي، ويقولون إن هذا الحل يجب أن يشمل مصادرة مساحات واسعة من الأراضي وتوسيع الاستيطان. فالشعار المرفوع حالياً هو في الوصول إلى مليون مستوطن في منطقة “السامرة” فقط، وهو المصطلح الإسرائيلي المستخدم للإشارة إلى شمال الضفة الغربية، ويُعد هذا رقماً كبيراً من المستوطنين يفترض أن يسكنوا المنطقة، بما يفرض وقائع جديدة على الأرض.

بالتالي، كل ما يجري هو محاولة لفرض ملامح الحل المستقبلي للصراع، بعيداً عن المفاوضات وأي اتفاقيات سابقة. وفي سياق ذلك، تراهن إسرائيل على خلق وقائع جديدة على الأرض تكون مادية وسيكون من الصعب التراجع عنها، مثل موضوع الاستيطان. وحتى على المستوى الدولي، وخصوصاً في الولايات المتحدة، أصبح يُنظر إلى الاستيطان على أنه أمر واقع، ومن الصعب التراجع عنه.

للأسف، تبنت السلطة الفلسطينية في أوقات معينة مقاربة مماثلة، مثل فكرة تبادل الأراضي، أي أن المستوطنات يمكن أن تُقابل بأراضٍ فلسطينية بالمثل والقيمة، كما كانوا يقولون. وهذا كرس قناعة بأن الوقائع التي تبنيها إسرائيل من خلال المستوطنات ومصادرات الأراضي سيكون من الصعب التراجع عنها، وأن المجتمع الدولي والفلسطينيين سيضطرون في النهاية إلى الاستسلام لهذه الوقائع.

إلى أي مدى يمكن لإسرائيل استخدام التوترات الإقليمية في المنطقة لتبرير سياسات أمنية أكثر تشدداً في الأراضي الفلسطينية؟

في الماضي، كانت إسرائيل تلجأ إلى تبرير كل خطوة صغيرة أو كبيرة بذريعة الأمن، لكن في اعتقادي أنها لم تعد مضطرة لذلك في ظل الواقع السياسي الجديد الذي فرضه الرئيس دونالد ترامب. فقد تبنى ترامب منطق نتنياهو فيما يُسمّى السلام القائم على القوة، واضعاً القانون الدولي جانباً. ومثلما مارس ترامب القوة العارية في فرض أجنداته السياسية على دول أخرى مثل فنزويلا، ومحاولاته ضم جرينلاند، وفرض الوصاية والهيمنة على بعض دول أمريكا اللاتينية، وصولاً إلى الحرب على إيران، فقد تجاهل القانون الدولي والأمم المتحدة والمعاهدات وحتى القوانين التجارية، واستخدم منطق القوة المفرطة لتحقيق أهداف الولايات المتحدة.

تحاول إسرائيل بدورها تطبيق نفس المنطق على المستوى المحلي، بمعنى أنه طالما تملك القوة والهيمنة والسيطرة، فهي تستطيع فرض كل المعادلات السياسية ليس فقط على الفلسطينيين، بل على المنطقة بأكملها. وكما نلاحظ، فإنهم يطرحون حتى موضوع نزع السلاح من سوريا، وليس فقط في الضفة الغربية وغزة أو نزع سلاح حماس؛ فهم يطالبون بعدم وجود أي سلاح ثقيل أو متوسط جنوب وغرب دمشق، كما يسعون إلى نزع سلاح حزب الله في لبنان، والآن يتجهون نحو نزع سلاح إيران.

ترى إسرائيل أن لها الحق في الهيمنة على هذه المنطقة من ناحية التوسع والاستيطان، وتوسيع حدودها، وحتى فرض نوع الأنظمة السياسية ومستوى التسليح للدول المختلفة، بما في ذلك دول الخليج ومصر. أحياناً، نسمع بين السطور تصريحات إسرائيلية تتساءل عن أسباب تسليح مصر ومن تستهدف به، ما يعكس نزعة الهيمنة والسيطرة على المنطقة.

وترى إسرائيل أن الظروف الحالية توفر لها فرصة تاريخية ربما لا تتكرر، وذلك بفضل حكومة اليمين ووجود رئيس أمريكي مؤيد تماماً لإسرائيل، بالإضافة إلى حالة الضعف العربي والانقسام الفلسطيني. وهذه العوامل مجتمعة تمكّن إسرائيل من فرض رؤيتها الاستراتيجية لمستقبل المنطقة لعقود قادمة.

في حال توسعت المواجهة الإقليمية، ما هي السيناريوهات الأمنية المحتملة في الضفة الغربية؟

من الناحية الأمنية والسياسية، صحيح أن إسرائيل تملك التفوق الحاسم عسكرياً، لكن هناك معادلات صعبة التجاوز. أهم هذه المعادلات هو وجود أكثر من خمسة ونصف مليون فلسطيني يعيشون في الضفة وغزة، ومن الصعب جداً حسم الصراع دون أخذ مصالحهم وحقوقهم بعين الاعتبار. يمكن للترتيبات الأمنية والعسكرية المؤقتة أن تدوم لسنة أو سنتين أو حتى عشرين سنة، لكن إسرائيل تتجه إلى فرض نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد)، وهذا يثير سخط العالم كله، الذي لا يريد تكرار تجربة جنوب أفريقيا.

الحملة التضامنية الواسعة التي انتشرت خلال العامين الماضيين مع فلسطين في كل أنحاء العالم، في الولايات المتحدة وأوروبا، لدى جماهير وأحزاب ودول، والاعترافات الدولية المتتالية بدولة فلسطين (حيث تعترف 160 دولة بدولة فلسطين ) تؤكد أن السيطرة الإسرائيلية على الأرض ممكنة على المدى القصير: اعتقال، قتل، احتلال، تهجير، أو هدم، لكن لن تستطيع حسم الصراع السياسي مع الفلسطينيين بشطب حقوقهم الوطنية؛ فهذا أمر مستحيل، فالشعب الفلسطيني لا يمكن تجاوزه.

حتى إذا لجأت إسرائيل إلى خيارات التهجير، فإنها ستواجه معارضة شديدة من دول العالم، خصوصاً دول المنطقة. فقد أصبح العالم العربي الآن أكثر إدراكاً من أي وقت مضى أن إسرائيل ليست خطرة على الفلسطينيين فقط. قبل نحو عشر سنوات، روجت مقولة “فلسطين ليست قضيتي”، وكان كثير من الناس يتخذون موقفاً مماثلاً، لكن بات واضحاً الآن أن الأطماع الإسرائيلية لا تقتصر على فلسطين، بل تشمل أراضي دول أخرى، وخاصة لبنان وسوريا.

حتى رئيس الوزراء الإسرائيلي تحدث عن إسرائيل الكبرى وإسرائيل الكاملة في تصريحات صحفية، وكرر هذه الرؤية أيضاً رئيس المعارضة يائير لبيد، وكذلك السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي. وبذلك، بات العالم أكثر إدراكاً من أي وقت مضى لخطر إسرائيل على الإقليم والعالم، لا سيما أنها هي التي ورطت ترامب في الحرب ضد إيران، في سياق تجاوز واضح للقانون الدولي والأمم المتحدة، محاولةً فرض إرادتها بالقوة فقط، دون أي اعتبار للقانون الدولي.

هل يمكن أن نشهد انتشاراً عسكرياً أوسع أو إجراءات استثنائية في الضفة الغربية، مثل الإغلاقات الشاملة؟

يقوم الاحتلال بمثل هذه الإجراءات بين فترة وأخرى، خصوصاً خلال المناسبات أو أوقات التوتر. على سبيل المثال، خلال هذه الحرب، أغلقوا الضفة الغربية عملياً؛ فأحياناً، المسافة التي تستغرق ساعة واحدة بين محافظة وأخرى قد تمتد إلى ست أو سبع ساعات. حتى العمليات البسيطة، مثل المرور العفوي أو حادث دهس عفوي، يمكن أن تؤدي إلى إغلاق بعض المناطق لأيام متتالية.

كما يقوم الاحتلال بعمليات انتقام وتنكيل للقرى والبلدات، كما حدث في قرية المغير، حيث اقتلعوا آلاف أشجار الزيتون بحجة إطلاق النار عليهم. هذه العمليات مستمرة، وكما ذكرت سابقاً، تنبع أساساً من أهداف توسعية واستيطانية وليس من أسباب أمنية. فالسؤال هنا: ما علاقة قطع أشجار الزيتون بالعنف أو بالعمل المسلح؟ بالعكس، مثل هذه الإجراءات تؤجج المقاومة الفلسطينية وتدفع إلى مزيد من مواجهة الاحتلال.

برأيك، ما مدى احتمال أن تتحول الضفة الغربية إلى ساحة توتر إضافية في حال تصاعد الصراع في المنطقة؟

أعتقد أن الضفة الغربية كانت وما زالت ساحة توتر دائمة، بغض النظر عن شكل المقاومة. أحياناً تكون المقاومة منظمة مع بعض الفصائل، وأحياناً عفوية أو فردية، وأحياناً تنشأ ظواهر خاصة كما شهدنا قبل سنتين، مثل عرين الأسود في نابلس وكتيبة جنين.

معادلة الاحتلال واضحة وطبيعية طالما استمر الاحتلال والقمع والتنكيل والقهر. فكل فلسطيني معرض للانتهاك حتى لو كان مسالماً، سواء بشكل مباشر عبر الاعتقال أو التنكيل أو الإذلال، أو بحرمانه من الموارد أو التدخل في حقه بالسفر أو الانتقال. الاحتلال لا يترك الفلسطيني في حاله، حتى لو أراد أن يعيش حياته بسلام.

ولا يقتصر الخطر على مكان معين؛ فالفلسطيني معرض للاعتداء سواء في المدن أو القرى أو الطرق أو الزراعة. أحياناً تظهر آثار هذا الوضع في شح المواد الغذائية في الأسواق الفلسطينية، مثل الخضار والفواكه واللحوم، نتيجة اعتداءات المستوطنين، تفجير شبكات المياه، السيطرة على المواقع الأثرية، أو حرمان الناس من الصلاة في القدس أو دخولها.

باختصار، الفلسطيني مستهدف في حياته، كرامته، وحقوقه الطبيعية في الحياة، العبادة، الحركة، الدراسة والعمل. وهذا ما يولد رغبة لدى قطاعات واسعة من الشباب لمقاومة الاحتلال ورفض إجراءاته.

علاماتالانتهاكات الإسرائيلية ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران ، الحرب على الضفة الغربية ، الضفة الغربية المحتلة
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الضفة الغربية ، حوارات نون بوست

قد يعجبك ايضا

سياسة

عنصرية تحت الصواريخ.. من يحتمي في “إسرائيل” ومن يُترك للموت؟

نون إنسايت١٧ مارس ٢٠٢٦
سياسة

حصار المآذن: الأقصى مغلق حتى إشعار آخر

لبنى مصاروة١٦ مارس ٢٠٢٦
سياسة

العراق يحذر السلطات الكردية من الانجرار إلى الحرب على إيران

ميدل إيست آي١٦ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑