رغم كثافة القصف الجوي الأمريكي والإسرائيلي على إيران، لا تزال واشنطن تتعامل بحذر مع سؤال الحرب البرية، وتبعث رسائل متضاربة بشأنها، فالرئيس دونالد ترامب لم يغلق الباب تمامًا حين قال: “لا أقول عبارة إنَّه لن تكون هناك قوات على الأرض، ربما لا نحتاج إليها، أو إذا لزم الأمر”.
وبين حملة جوية مفتوحة السقف، وتلويحات غير محسومة بشأن الانتقال إلى البر، يعود سؤال قديم إلى الواجهة: هل يمكن اختراق إيران برًا كما حدث في محطات سابقة من تاريخها الحديث، أم أن كلفة ذلك اليوم باتت أعلى بما لا يقاس؟
وتكشف العودة إلى تاريخ إيران الحديث حالتين بارزتين لاختراق حدودها: الغزو البريطاني السوفيتي الخاطف عام 1941، والهجوم العراقي الواسع عند اندلاع حرب 1980. لكن ما الذي تغيَّر اليوم في الجغرافيا والجيش والدولة وأدوات الردع ليجعل أي اجتياح بري مقامرة باهظة الكلفة؟
الغزو البريطاني‑السوفيتي لإيران 1941
عشيّة الحرب العالمية الثانية كان مؤسس الدولة البهلوية وحاكمها رضا شاه بهلوي يسعى لإبقاء إيران محايدة بين القوى المتصارعة، لكن بريطانيا والاتحاد السوفيتي خشيا من تعاظم النفوذ الألماني في طهران ومن تأثيره على إمدادات النفط وخطوط النقل إلى الاتحاد السوفيتي.
فجر 25 أغسطس/آب 1941 بدأ التحالف الأنغلو‑سوفيتي عملية “كنتنانس”، فقد عبرت وحدات من الجيش البريطاني والفرقة الثامنة الهندية نهر شط العرب من البصرة نحو مدينة عبادان جنوب غربي إيران وسيطرت بسرعة على مصافي النفط فيها بدعم من قوة بحرية صغيرة.
في الوقت نفسه، تقدّمت وحدات بريطانية أخرى من خانقين على الحدود العراقية متوغلة في حقل نفط نفت شاه (نفت شهر) ثم اجتازت ممر باي تاك نحو كرمنشاه (شمال غرب) بعدما انسحب المدافعون.
من الشمال، هاجمت ثلاثة جيوش سوفيتية إيران عبر القوقاز، وانطلقت عمليات إنزال في بندر بهلوي على ساحل بحر قزوين (شمال غرب)، فتقدمت القوات نحو ماكو ثم سنندج (عاصمة محافظة كردستان الواقعة غرب إيران) وقزوين.

كانت القوات الإيرانية غير مدربة وتفتقر إلى الدبابات والسلاح الجوي، وقد رفض رضا شاه تدمير الطرق وخطوط السكك الحديدية لمنع التقدم، الأمر الذي سهّل سرعة الاجتياح.
وبحلول 30 أغسطس/آب التقت القوات البريطانية والسوفيتية في سنندج وقزوين، فانهار الدفاع الإيراني ووافق الشاه على الاستسلام، وأُجبر على التنازل عن العرش لصالح ابنه محمد رضا في 16 سبتمبر/أيلول.
مثّل الاحتلال تحوّلًا حاسمًا، فبعد توقيع معاهدة ثلاثية في يناير/كانون الثاني 1942 سُمح للحلفاء بإبقاء قواتهم حتى انتهاء الحرب، وحُوِّلَت إيران إلى “ممر فارسي” لإمداد الاتحاد السوفيتي بالسلاح والمساعدات.
ولم يكن نجاح الغزو نتيجة تفوق عددي فحسب (حشدت القوات الأنغلو‑سوفيتية نحو 200 ألف جندي مقابل تسع فرق إيرانية ضعيفة)، بل بسبب ضعف القيادة الإيرانية وإخفاقها في تعبئة السكان أو استغلال التضاريس الجبلية، فضلًا عن اعتماد الحلفاء على قوات برمائية وطيران حديث سيطر على السماء.
وهي عوامل جعلت الغزو سريعًا ومنخفض الكلفة للحلفاء، ما ترك ذكرى مريرة في الذاكرة الإيرانية حول انهيار النظام الملكي أمام توغل أجنبي سهل.
الغزو العراقي لإيران عام 1980
بعد الثورة الإسلامية بـ18 شهرًا، رأى الرئيس العراقي صدام حسين أن فرصته سانحة لاقتطاع أراضٍ في خوزستان الغنية بالنفط وإضعاف النظام الجديد، فشن سلاح الجيش العراقي صباح 22 سبتمبر/أيلول 1980 غارات على عشرة مطارات إيرانية، تلتها موجة اجتياح بري عبر بثلاثة محاور.
- على الجبهة الشمالية، سيطرت القوات العراقية سريعًا على قصر شيرين لقطع الطريق الاستراتيجي بين بغداد وطهران.
- في الوسط، استولى الجيش على مدينة مهران الواقعة في إيلام.
- في الجنوب، عبرت ثلاث فرق مدرعة وفرقتان ميكانيكيتان نهر شط العرب متجهة نحو خرمشهر وعبادان والأهواز.
وخلال الأيام الأولى، توغل العراقيون نحو 80 كيلومترًا داخل خوزستان وكادوا يعزلون خرمشهر وعبادان عن الأهواز. إلا أن الحسابات العراقية كانت خاطئة، فالهجمات الجوية فشلت في تدمير القوة الجوية الإيرانية، إذ قصفت المدارج بدلًا من استهداف الطائرات، فاحتفظ الإيرانيون بطائرات F‑4 القاذفة وشنوا غارات مضادة.

على الأرض، واجهت القوات العراقية مقاومة شرسة في مدن الجنوب، فصمدت عبادان رغم حصارها، وسقطت خرمشهر بعد قتال شوارع دام شهرين كلف العراق نحو 6 آلاف قتيل.
وتحققت في الشمال والوسط مكاسب أولية، لكن القوات العراقية توقفت عند ديزفول والأهواز ولم تستطع التقدم نحو العمق.
كان فشل الغزو نتيجة عوامل متداخلة نستعرضها كالتالي:
- أطلق الإيرانيون سراح طياريهم المعتقلين ووظفوا الجيش النظامي مع الحرس الثوري والمتطوعين من الباسيج، ما وفر دفاعًا بشريًا واسعًا.
- انضم كثير من عرب خوزستان إلى المقاومة بدل الانحياز لبغداد، فحُرم العراق من “حصان طروادة” محلي.
- ارتكب الجيش العراقي أخطاء تكتيكية فركز على أهداف متباعدة وأهمل التقدم نحو الأهواز أو تدمير قاعدة ديزفول الجوية، فيما لم تُعد قيادته المتسلسلة لجيوش متعددة التعامل مع قتال المدن.
وهكذا تحوّل التوغل السريع إلى حرب استنزاف طويلة، واستعادت إيران المناطق المحتلة في عامي 1981‑1982. ورغم أن بغداد نجحت في مفاجأة طهران، فإن الغزو لم يسقط الدولة الإيرانية ولم يفرض عليها الاستسلام، بل عزز خطاب الثورة حول “الدفاع المقدس” وأدى إلى تعبئة شعبية واسعة.
لماذا يبدو التوغل اليوم أكثر تعقيدًا؟
تدور الحرب الحالية إلى حد كبير في الجو والبحر، إذ تعلن واشنطن أنها لن تكرر سيناريو العراق أو أفغانستان اللذان استنزفاها لسنوات طويلة.
وقال وزير الحرب الأمريكي بيت هِغسِث إن أهداف الحملة تتمثل في تدمير الصواريخ والقدرات النووية وليس “بناء دولة”، مؤكدًا “أنك لا تحتاج إلى أن تدفع 200 ألف جندي إلى هناك وتبقى 20 عامًا”. وربط ترامب نفسه الخيار البري بضرورة قصوى قائلًا إنه ربما لا يكون ضروريًا.
هذا الحذر يعكس تقديرًا لجملة عوامل تجعل الغزو البري أكثر كلفة من أي وقت مضى:
1- الجغرافيا: إيران اليوم دولة واسعة المساحة (أكثر من 1,6 مليون كم²) ذات تضاريس معقدة ووعرة، تحيط بها سلسلة جبال زاغروس على الحدود العراقية وجبال ألبرز شمالًا وصحارى قاحلة في الداخل، ما يمنح البلاد قوة دفاعية.
2- الكثافة السكانية: سكان البلاد البالغ عددهم نحو 85 مليون نسمة يتوزعون على مدن كبيرة وبؤر ريفية، ولذلك فإن أي قوة مهاجمة ستحتاج إلى احتلال مدن مكتظة ومواجهة مقاومة شعبية مؤدلجة بخبرة الحرب العراقية‑الإيرانية والحروب غير المتناظرة اللاحقة.
3- الخبرة العسكرية والأمنية: راكمتها إيران على مدى أربعة عقود، فالحرس الثوري وقوات الباسيج تطورت من مليشيا شعبية إلى مؤسسة عقائدية تمتلك وحدات برية وجوية وبحرية وشبكة واسعة من المتطوعين، وهو ما أظهرته خلال مواجهة يونيو/حزيران 2025 والحرب الحالية.
ووفق تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تمتلك إيران “أكبر وأكثر منظومات الصواريخ تنوعًا في الشرق الأوسط” مع آلاف الصواريخ الباليستية والطوافة بعضها قادر على إصابة “إسرائيل” وشرق أوروبا، وقد استثمرت خلال العقد الماضي في تحسين دقة هذه الأسلحة.
كما يتوفر لديها طائرات مسيّرة طويلة المدى وصواريخ لدى حلفائها في العراق ولبنان واليمن، ما يعني أن أي قوة برية ستواجه تهديدًا مستمرًا لخطوط إمدادها وقواعدها الخلفية.
4- التمرس القتالي: تحوّلت إيران إلى طرف متمرس في الحروب غير المتكافئة، فعقيدتها الدفاعية القائمة على “التخطيط المركزي والتنفيذ اللامركزي” مكنتها من امتصاص الصدمة الأولى في الحرب الراهنة واستمرار إطلاق الصواريخ رغم تعرضها لضربات إلكترونية قوية.
كما أن خبرتها وتاريخها في دعم حركات المليشيات بالشرق الأوسط ونشر وحدات مستشارين إقليميين تتيح لها فتح جبهات متعددة ضد خصومها.
وعليه، فإن إعادة سيناريو 1941 أو 1980 بنسخة معاصرة تبدو أشبه بمغامرة محفوفة بمخاطر سياسية وعسكرية، خاصة في ظل انقسام الرأي العام الأمريكي، إذ أظهرت استطلاعات حديثة أن نسبة التأييد للضربات بلغت 27% فقط.