مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، تحول مضيق هرمز من شريان يُنقُل نحو خُمس تجارة النفط في العالم إلى منطقة حرب عصية على التأمين.
ورغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده “دمرت 100%” من القوات البحرية الإيرانية وتعهده بإعادة فتح المضيق “قريبًا”، إلا أن الواقع الميداني مختلف، إذ ألغت شركات الشحن رحلاتها أو اتخذت مسارات بديلة، وارتفعت أسعار النفط والغاز، ويعيش حوالي 20 ألف بحار على متن 3 آلاف سفينة حالة احتجاز اضطراري.
هذا التقرير يحاول الإجابة عن السؤال: لماذا يصعب تأمين المضيق وإعادة فتحه عمليًا، وما الذي تكشفه ضغوط ترامب على الحلفاء؟
أولًا: فخ الممرات الضيقة
لا يمكن استيعاب معضلة هرمز من دون النظر إلى خريطته القاسية التي تفرض شروطها على أي قوة بحرية مهما بلغ تفوقها التكنولوجي.
يتفاوت عرض المضيق بحسب موضع القياس، ففي بعض الأماكن يظهر بنحو 58 كيلومترًا، لكنه ينكمش عند الأضيق إلى نحو 39 كيلومترًا فقط، فيما تنحصر الملاحة الآمنة في ممرين ضيقين لكل اتجاه لا يتجاوز عرضهما ميلين بحريين (3.7 كيلومترًا).
هذه الجغرافيا الضيقة والمزدحمة تجعل السفن التجارية، وحتى القطع الحربية الكبرى المرافقة لها، مكشوفة تمامًا وضمن النطاق المباشر للأسلحة الساحلية الإيرانية.
إذ لا يوجد طريق بعيد عن الساحل الإيراني، كما أن المنطقة المحيطة بالمضيق يسودها عمق كافِ يتيح للقوارب الصغيرة والغواصات الإيرانية التحرك بحرّية. وتاريخيًّا، بنت إيران إستراتيجيتها البحرية على استغلال هذه التضاريس لإنشاء ما يُعرف عسكريًّا بـ “صندوق القتل” (Kill Box).
فالاقتراب المفرط من السواحل الإيرانية المليئة بالتضاريس الجبلية المعقدة يمنح طهران أفضلية تكتيكية تلقائية، ويحيّد التفوق التكنولوجي للسفن الحربية الأمريكية التي تفقد ميزة المناورة في المساحات المائية الضيقة.
ولذلك يتطلب تأمين هذا الممر عمليًّا السيطرة النيرانية على مساحات شاسعة من السواحل المعادية وتحييد مئات التهديدات المخفية، وهو ما يفسر تحذيرات المحللين من أن الدفع بقطع بحرية أمريكية ضخمة إلى هذا المضيق من دون تحالف واسع قد يمثل فخًّا إستراتيجيًّا مميتًا.
ثانيًا: التهديد غير المتكافئ
لم تعمد طهران إلى إغلاق المضيق بسلاسل حديدية، بل لجأت إلى إستراتيجية “الردع غير المتكافئ” التي تجعل تكلفة العبور انتحارًا تجاريًّا، مؤكدة على لسان قادتها العسكريين والدبلوماسيين أن المضيق “مفتوح” ولكنه مغلق فقط في وجه أعدائها.
وتتوزع أدوات التعطيل القائمة على مستويات نيرانية وتقنية متعددة، لا يمكن إخمادها بضربة استباقية واحدة:
- تعتمد إيران على الصواريخ الباليستية المضادة للسفن (ASBMs) التي تُطلق من منصات متحركة مموهة خلف الجبال الساحلية، ولا يتجاوز وقت وصولها إلى الهدف في الممر الملاحي 30 إلى 60 ثانية، ما يجعل اعتراضها تحديًّا بالغ التعقيد حتى لأحدث منظومات الدفاع الجوي.
- يتزامن ذلك مع نشر مكثف للمسيّرات الانتحارية، والزوارق السريعة التي أثبتت فاعليتها التدميرية حين هاجمت ناقلات نفط في المياه العراقية القريبة، مثل الناقلتين “Safesea Vishnu” و”Zefyros”، مما أدى إلى سقوط ضحايا واشتعال النيران.
- إلى جانب التهديد النيراني المباشر، برز سلاح التشويش الإلكتروني (GNSS/GPS Spoofing) كأداة تعطيل صامتة لكنها حاسمة. فقد أبلغت هيئات الملاحة مثل عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة (UKMTO) عن هجمات تشويش وتزييف لبيانات التتبع الآلي (AIS) جعلت السفن تظهر على الشاشات وكأنها تبحر فوق اليابسة أو تدور في حلقات مفرغة.
- على مستوى آخر، ورغم أن الاستخبارات الأمريكية شنت ضربات استباقية ضد زارعات ألغام إيرانية، لم يثبت بشكل قاطع تفجير ألغام في الممرات التجارية حتى منتصف مارس/آذار، غير أن مجرد “الاشتباه” بوجود ألغام يمثل كابوسًا مستدامًا لعمليات كاسحات الألغام البطيئة، ويكفي لردع شركات الشحن.
ثالثًا: حدود القدرة الإستراتيجية
لا تعبر مطالبة ترامب المتكررة للحلفاء الغربيين بالمساعدة عن “عجز” عملياتي أو نقص نيراني خالص، بقدر ما تكشف عن حدود القدرة على التحمل الإستراتيجي.
من الناحية العملياتية، تواجه الولايات المتحدة تحديًا يتمثل في تقلص حجم أسطولها السطحي، ففي حقبة الثمانينيات كانت البحرية تمتلك 268 قطعة سطحية، بينما تملك اليوم نحو 111 قطعة فقط.
يجعل هذا النقص الحاد نشر عشرات السفن لمرافقة الناقلات بشكل يومي في هرمز استنزافًا ضخمًا لأصول تفضل وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” الاحتفاظ بها لسيناريوهات محتملة في منطقة المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي.
وسياسيًّا وإستراتيجيًّا، يعكس الضغط الأمريكي على الدول الأوروبية وباقي الحلفاء للمساعدة في تأمين هرمز، رغبة واضحة في فرض مبدأ “تقاسم الأعباء”، وهو ما تتجنبه تلك الدول حتى الآن.
تجادل الإدارة الأمريكية بأن الولايات المتحدة باتت مصدّرًا صافيًا للنفط ولا تعتمد على نفط الخليج بالقدر الذي كانت عليه سابقًا، بينما تعتمد الأسواق الآسيوية والأوروبية بشكل شبه كلي على هذه الإمدادات (تتجه نحو 80% من صادرات هرمز إلى آسيا).
وأشارت تحليلات عسكرية إلى أنه لا يمكن تأمين المضيق بالكامل دون السيطرة على شاطئ إيران بطول 500 كيلومتر، وهو أمر غير ممكن سياسيًا وعسكريًا.
ويثبت هذا المسار أن المهمة أعقد من أن تنجز بضربات أمريكية فقط، لأن توفير مظلة بحرية مستدامة يتطلب أصولًا عسكرية لا تملكها واشنطن بوفرة حاليًّا، وغطاءً سياسيًّا دوليًّا يوزع تكلفة الحماية الباهظة ويمنح الشرعية لعمليات طويلة الأمد.
حتى إن جرى تأمينه.. شركات الشحن عازفة
يتمثل جوهر الأزمة كذلك في أن “فتح المضيق عسكريًّا” يختلف جذريًّا عن “فتحه بأمان تجاري مستدام”، إذ أن التفوق العسكري الأمريكي قادر نظريًّا على تدمير منصات الإطلاق المكشوفة ومرافقة بعض السفن عبر ترتيبات أمنية معقدة، لكنه لا يستطيع إجبار شركات الشحن المدنية على الإبحار.
وقفزت رسوم تأمين مخاطر الحرب إلى ما بين 1% و1.5% من قيمة السفينة، ارتفاعًا من 0.25% قبل بدء الحرب، ما يعني زيادة مئات الآلاف من الدولارات للرحلة الواحدة.
ولمعالجة هذا الشلل، اقترح ترامب توفير تغطية تأمينية حكومية عبر مؤسسة تمويل التنمية الدولية (DFC) بقيمة 20 مليار دولار كضامن أخير.
ومع ذلك، تؤكد نقابات التأمين الكبرى أن المشكلة لا تكمن في غياب بوالص التأمين، بل في تسعير المخاطر العالية، فالشركات التجارية، حتى مع توفر التأمين الحكومي، لن تخاطر بأرواح طواقمها وناقلاتها التي تبلغ قيمتها عشرات الملايين بمجرد وعود سياسية.
ولاستعادة الثقة، يتطلب الأمر من البحرية الأمريكية إجراء عمليات إثبات أمان وحرية ملاحة (FON) متكررة ومستدامة للتأكيد الفعلي على خلو المياه من التهديدات، وهو مسار يستهلك وقتًا طويلًا وأصولًا بحرية مكثفة.
تقرير لوكالة رويترز نقل عن البحرية الأمريكية قولها إن مرافقة السفن غير ممكنة حاليًا بسبب ارتفاع المخاطر، وإن تأمين ممر يومي لنحو ثلاث أو أربع سفن سيتطلب 7–8 مدمرات لتوفير تغطية جوية ودفاعية، وهو أمر غير قابل للاستدامة.
وقد لاحظت منظمة Chatham House أن تراجع حركة المرور ليس نتيجة إغلاق صريح فحسب بل بسبب رغبة الشركات في تجنب المخاطر السياسية والمالية.
ولذلك، تثبت الوقائع صحة الفرضية القائلة بأن طلب واشنطن للمساعدة يكشف عن حدود قدرتها، بفعل غياب الأصول البحرية الكافية لمرافقة كل ناقلة، واستحالة تقديم ضمانات أمان بنسبة 100% في بيئة ملاحية ضيقة ومفتوحة على تهديدات غير متكافئة سريعة التطور.