ترجمة وتحرير: نون بوست
على مدى عقود، صوّرت الولايات المتحدة وحلفاؤها إيران بوصفها أكبر راعٍ لإرهاب الدولة في العالم، مستشهدين بالتعصب الثوري المزعوم لحكامها الإسلاميين ودعمهم المستميت لوكلاء مسلحين.
والآن، يرى خبراء أن هناك تهديدًا قديمًا، كان كامنًا في الأغلب، بدأ يتبلور، تزامنًا مع الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على البلاد، مما يرفع خطر وقوع هجوم على الأراضي الأمريكية إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ هجمات تنظيم القاعدة الدامية في 11 سبتمبر/ أيلول 2001.
وفي هذا العام الانتخابي، يحذر معارضو دونالد ترامب من أن وقوع مثل هذا الحدث قد يصب في مصلحته، إذ سيمنحه ذريعة لقمع منتقديه عبر إعلان حالة الطوارئ، أو حتى إلغاء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني.
وقد جسّد هجومان وقعا يوم الخميس وحدهما تصاعد هذه المخاطر؛ حيث قُتل شخص وأصيب اثنان آخران عندما أطلق مسلح يصرخ “الله أكبر” النار داخل فصل دراسي في جامعة “أولد دومينيون” بولاية فيرجينيا. وقد تم التعرف على هوية المهاجم لاحقاً بأنه عضو سابق في الحرس الوطني، كان قد اعترف في وقت سابق بمحاولة تقديم دعم مادي لتنظيم الدولة.
وفي ولاية ميشيغان، قام مواطن أمريكي من أصل لبناني باقتحام كنيس “تمبل إسرائيل” في بلدة “ويست بلومفيلد” بشاحنة، قبل أن يلقى حتفه برصاص حراس الأمن. وكان المهاجم، أيمن محمد غزالي، قد فقد شقيقين وابن شقيق وابنة شقيق في غارة إسرائيلية على لبنان هذا الشهر.
وتأتي أحداث هذا الأسبوع في أعقاب هجوم دامي وقع في الأول من مارس/ آذار، حيث قام رجل يرتدي ملابس تحمل تصميم العلم الإيراني وعبارة “الملك لله” بإطلاق النار، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 14 آخرين في حانة بمدينة أوستن بولاية تكساس، قبل أن تطلق الشرطة عليه النار وقتلته.
وعلى الرغم من عدم وجود أدلة مباشرة تربط هذه الحوادث بإيران بشكل مباشر، إلا أن المحللين يصفون الهجمات “غير المتكافئة” التي تأمر بها طهران أو تلهمها – ردًّا على العمل العسكري الأمريكي الإسرائيلي – بأنها خطر حقيقي وقائم.
وفي الوقت ذاته، أدى عدم الاستقرار في مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي إلى جعل الولايات المتحدة غير مستعدة بشكل كافٍ.
وقال ماثيو ليفيت، المتخصص في مكافحة الإرهاب في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن التهديدات الصادرة من طهران كانت تتصاعد حتى قبل بدء الحملة الحالية في 28 فبراير/ شباط، حيث تسعى إيران للانتقام من “حرب الـ 12 يومًاً” التي اندلعت في يونيو/ حزيران الماضي، والتي شهدت ضربات أمريكية ألحقت أضرارًا بالغة بمنشآتها النووية، بينما قامت إسرائيل باغتيال عدد كبير من كبار القادة.
ويُعتقد أن السلطات الأمريكية قد اكتشفت وأحبطت 17 مؤامرة مستوحاة من إيران في السنوات الخمس الماضية. وأشار ليفيت إلى أن بعض هذه العمليات اتسمت بطابع “الهواة”، لكن ذلك لم يقلل من مستوى التهديد.
ويجادل ليفيت، مؤلف الدراسة المفصلة المعنونة بـ “خيار طهران في الداخل“: “إن حقيقة أن العديد من تلك المؤامرات لا تبدو ذات كفاءة عالية لا تعني أنها لن تنجح في النهاية. نحن بحاجة إلى أن ننجح في كل مرة، بينما هم يحتاجون إلى النجاح مرة واحدة فقط”.
من المرجح أن “تبذل إيران قصارى جهدها” ليس فقط لرفع تكاليف الحرب على الولايات المتحدة والحفاظ على النظام الإسلامي، بل وأيضاً للانتقام لمقتل أقوى شخصية في البلاد، المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي لقى حتفه في ضربة إسرائيلية في اليوم الأول من الحرب.
وقال ليفيت: “بمجرد انتهاء الحرب، قد لا يكون التهديد حاداً على الفور، لكنه سيظل يلوح في الأفق. سيكون لهذا الأمر تداعيات مستمرة، لأنه من وجهة النظر الإيرانية، تم تجاوز كافة الخطوط الحمراء. سيرغبون في فرض ثمن لمحاولة رفع مستوى الردع، لكي يفكر الآخرون مرتين وثلاثًا قبل بدء جولة أخرى”.
ويُعتقد بالفعل أن النظام الديني قد خطط لاغتيال ترامب ومسؤولين كبار من إدارته الأولى – وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون – انتقامًا لاغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، في يناير/ كانون الثاني 2020.
وفي هذا السياق، أُدين مواطن باكستاني يُدعى آصف ميرتشانت في محكمة بنيويورك في 6 مارس/ آذار بتهمة التآمر لقتل مسؤولين أمريكيين، بمن فيهم ترامب، بتوجيه من الحرس الثوري.
وفي الأسبوع الماضي، بدا أن علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وأحد أقوى الشخصيات الناجية في النظام، يجدد التهديد ضد ترامب، قائلاً له: “احذر على نفسك – لئلا يتم تصفيتك!” جاء هذا التعليق عقب تهديد ترامب بتكثيف الضربات على إيران إذا أغلقت مضيق هرمز، وهو الأمر الذي تدعي طهران الآن أنها فعلته.
وتشير تقارير صدرت في الأيام الأخيرة إلى أن إيران ربما حاولت تفعيل “خلايا نائمة” في الولايات المتحدة. ففي اليوم الذي اندلعت فيه الحرب، سُمع رجل يتحدث الفارسية عبر راديو الموجات القصيرة وهو يتلو ما يُعتقد أنه “رمز مشفر”، وهي وسيلة تقليدية تستخدمها وكالات التجسس مثل وكالة المخابرات المركزية وجهاز المخابرات السوفيتي السابق للتواصل مع العملاء السريين.
وقد أعرب محللون عن شكوكهم بشأن تهديد “العملاء النائمين”، رغم أن رجلاً يُدعى علي كوراني، وهو مواطن أمريكي مجنس من أصل لبناني، وصف نفسه بأنه عميل نائم للمحققين بعد اتهامه بالتخطيط لضرب أهداف في نيويورك لصالح حزب الله، الجماعة الشيعية اللبنانية التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها وكيل لإيران.
وقال ليفيت، الذي أدلى بشهادته في القضية: “عندما سأله مكتب التحقيقات الفيدرالي: في ظل الظروف التي يتوقع أن يُطلب منك التحرك بناءً على عمليات المراقبة التي أجريتها في جميع أنحاء مدينة نيويورك وأماكن أخرى، أجاب بالتأكيد إذا دخلت الولايات المتحدة في صراع مباشر مع إيران”، وقد حُكم على كوراني بالسجن 40 عامًا.
وأضاف ليفيت: “تحدث كوراني أيضًا عن احتمال تحركه إذا تورطت الولايات المتحدة في اغتيال قادة بارزين من حزب الله أو إيران، وكل هذه الأمور أصبحت الآن جزءاً من الماضي”.
ومن المرجح أيضًا أن تتخذ التهديدات شكل “وكلاء إجراميين”، وهو ما حاولت إيران استخدامه في مؤامرة فاشلة لقتل الصحفية الإيرانية المقيمة في الولايات المتحدة، مسيح علي نجاد، وفي المحاولات التي استهدفت بولتون وبومبيو، إضافة إلى منفذين أفراد مستوحَين من إيران.
وقال جون دونوهيو، المساعد السابق لرئيس الاستخبارات في شرطة نيويورك والزميل في جامعة روتجرز، إن التهديد الوجودي الذي تشكله الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على النظام الإيراني قد يدفعه إلى نشر الأصول بعيدة المدى التي دفع مبالغ طائلة لزرعها داخل الولايات المتحدة.
وأضاف دونوهيو، الذي أشار إلى اعتقال عملاء إيرانيين بتهمة التجسس على معالم بارزة في نيويورك بهدف شن هجمات محتملة: “لا يمكن الاستهانة بالاستثمار طويل الأمد للنظام الإيراني في بناء قدراته الخارجية. إذا نظرت إلى تاريخ محاولات النظام الإيراني ضد المصالح الأمريكية، فلن تجد أحداثًا صغيرة أو محدودة. إنهم يبحثون عن حوادث ذات خسائر بشرية كبيرة”.
وأردف قائلًا: “هم يميلون عادة إلى التروي والإستراتيجية في طريقة تنفيذهم للأمور. [لكن] الآن، ومع القلق الكبير حول بقاء النظام، هل يدفعهم ذلك ليكونوا أقل استراتيجية؟ هل يجعلهم ذلك أكثر اندفاعاً وعشوائية؟ هذا هو السؤال الحقيقي”.
وفي هذه الأثناء، يشكك المراقبون في مدى جاهزية مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي لمواجهة التهديد الإيراني المتصاعد. وأشار دونوهيو إلى أن العملاء المبتدئين في أكاديمية تدريب مكتب التحقيقات الفيدرالي قد أُعيد نشرهم كضباط شرطة نظاميين في واشنطن العاصمة بناءً على تعليمات مدير المكتب، كاش باتيل.
وفي الوقت نفسه، تم تعليق وظائف حيوية تتعلق بمراقبة الأمن الداخلي مؤقتًا، بسبب الإغلاق الجزئي لوزارة الأمن الداخلي بعد رفض الديمقراطيين الاستمرار في تمويل الوزارة ما لم يتم إجراء إصلاحات على طريقة عمل عملاء وكالة إدارة الهجرة والجمارك.
وقال كولين كلارك، المدير التنفيذي لمركز “سوفان” لدراسات الأمن العالمي: “إن مسألة الاستعداد تمثل مشكلة ضخمة. فقد قامت [الإدارة] بتحويل الموارد بعيدًا عن مكافحة الإرهاب نحو إدارة الهجرة. لقد نقلنا خبراء مخضرمين في مجال الإرهاب إلى ملفات أخرى مثل الصين وروسيا والتكنولوجيا الناشئة. وهذا الخطر يتصاعد في الوقت الذي نعد فيه الأقل استعدادًا للتعامل معه”.
ويأتي هذا أيضًا في وقت يسعى فيه ترامب بشدة لتجنب هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر/ تشرين الثاني، خاصة مع إظهار سلسلة من استطلاعات الرأي تراجع معدلات تأييده وانخفاض الدعم للهجوم على إيران.
وفي مقال له على منصة “سابستاك”، حذر المؤرخ تيموثي سنايدر من أن وقوع هجوم إرهابي قد يصب في مصلحة ترامب، بل وقد يفسر منطقه في شن العمل العسكري. وكتب سنايدر: “قد يكون الهدف من الحرب على إيران هو استفزاز هجوم إرهابي داخل الولايات المتحدة. وهذا سيمنح دونالد ترامب ذريعة لمحاولة إلغاء انتخابات الكونجرس المقبلة أو وضعها تحت سلطة الحكومة الفيدرالية”.
وأضاف سنايدر: “قد لا يكون الإرهاب الذاتي الهدف الأولي، لكن مع مرور الوقت وتزايد الإخفاقات والفظائع، ستزداد جاذبيته. قد يعتقد ترامب أن لديه الكثير ليكسبه، فالحرب نفسها تجعل الإرهاب أكثر احتمالًا.”
وقد دعم هذا الرأي ستيفن كاش، المدير التنفيذي لمجموعة “ستيدي ستيت” (وهي مجموعة من مسؤولي الأمن القومي المتقاعدين القلقين بشأن الانحراف الاستبدادي للولايات المتحدة في عهد ترامب)؛ حيث قال: “لقد استخدمنا تفوقنا التكنولوجي والاقتصادي لقتل آلاف الإيرانيين والقادة الدينيين، بما في ذلك المرشد الأعلى آية الله خامنئي. لقد دمرنا كل ما لديهم من قدرات دفاع وردع عبر الوسائل العسكرية التقليدية، ولم نترك لهم أي خيار آخر”.
وتابع قائلًا: “بالطبع سيكون هناك رد انتقامي، فهذا رد فعل عقلاني من جانبهم. وقد يكون هذا هو ما يهتم به ترامب. فقد أمضى عامًا وهو يحاول إقناع الأمريكيين بأننا نواجه تهديدًا داخليًّا رهيبًا”.
واختتم كاش بقوله: “فجأة، سيؤدي هذا الهجوم غير المسبوق وغير المبرر على دولة أخرى – والذي ربما ينتهك الدستور والقانون الدولي – إلى خلق ذات الظروف التي حاول ترامب، دون جدوى، إقناعنا بأنها تبرر منح صلاحيات استثنائية للرئيس”.
المصدر: الغارديان