يشكّل اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، نقطة تحوّل فارقة قد تدفع المشهد نحو مرحلة جديدة من التصعيد المفتوح على جميع السيناريوهات، فالرجل لم يكن مجرد مسؤول بارز داخل بنية السلطة الإيرانية، بل مثّل أحد أهم أعمدة منظومة القرار، وبرز بوصفه الشخصية الأكثر قدرة على إدارة المرحلة الحساسة التي يمر بها النظام، ولا سيما في ظل التحديات المرتبطة بغياب المرشد الأعلى علي خامنئي عن المشهد الفعلي.
اكتسب لاريجاني مكانته من أكثر من مجرد منصبه الرفيع؛ إذ كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز مهندسي السياسة الإيرانية وصنّاع توجهاتها الكبرى، مستندًا إلى نفوذ سياسي وشخصي وعائلي امتد لما يقارب خمسة عقود، وخلال هذه السنوات، حافظ على حضور ثقيل ومؤثر في قلب المشهد الإيراني، وتمتع بقدر كبير من الثقة والمصداقية داخل دوائر صنع القرار، ما جعله رقمًا صعبًا في معادلات السلطة والأمن والاستراتيجية.
من هذا المنطلق، فإن غيابه لا يقتصر أثره على الداخل الإيراني فحسب، بل يفتح الباب أمام سلسلة واسعة من التداعيات والارتدادات التي قد تنعكس على مسار الحرب واتجاهاتها المحتملة، وعلى طبيعة ردّ الفعل الإيراني وحدوده، كما يطرح هذا الاغتيال سؤالًا بالغ الحساسية حول ما إذا كان استهدافه يخدم بالفعل الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في إضعاف بنية القرار الإيراني، أم أنه قد يأتي بنتائج معاكسة.
النظام يفقد رئته السياسية
في يناير/كانون الثاني 2020، شكّل اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، قاسم سليماني، ضربة استراتيجية قاصمة للنظام الإيراني، باعتباره الرجل الذي أوكلت إليه مهمة إدارة وتنفيذ المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم، والذراع العسكرية الأكثر فاعلية في خدمة أجندة طهران خارج حدودها.
ولم يكن سليماني مجرد قائد عسكري بارز، بل كان أحد الأعمدة الصلبة التي استند إليها النظام في تثبيت نفوذه وبسط حضوره الإقليمي، لذلك بدا رحيله صدمة مدوية وهزة عميقة لم تنجح طهران، حتى الآن، في تجاوز آثارها بالكامل، رغم تعدد البدائل ومحاولات إعادة ترميم الفراغ الذي خلّفه.
مجلس الأمن القومي الإيراني، يعلن رسميًا، مقتل علي لاريجاني مع نجله ومساعده علي رضا بيات وعدد من مرافقيه pic.twitter.com/AmXsguCUQg
— نون بوست (@NoonPost) March 17, 2026
واليوم، مع غياب علي لاريجاني، تبدو إيران وكأنها تفقد رئتها السياسية بعد أن فقدت رئتها العسكرية، فالرجل لم يكن مجرد مسؤول رفيع أو دبلوماسي حاضر في واجهة المشهد، بل كان رجل السياسة الأقوى داخل بنية النظام، وأحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في هندسة التوازنات الدقيقة بين مراكز القوة، كما مثّل، بحكم موقعه ونفوذه العائلي والسياسي، حلقة الوصل بين ركني النظام، العسكري والسياسي، فضلًا عن كونه العقل المدبر لعدد من المقاربات التي منحت النظام هامشًا من العقلانية في الداخل، ومرونة محسوبة في إدارة الملفات المعقدة في الخارج.
وبهذا المعنى، إذا كان النظام الإيراني قد خسر في عام 2020 رئته العسكرية باغتيال سليماني، فإنه يواجه في عام 2026 خسارة لا تقل خطورة بفقدان رئته السياسية برحيل لاريجاني، وإذا كانت طهران قد أخفقت، طوال السنوات الماضية، في إنتاج بديل يملأ الفراغ الذي تركه سليماني، فإنها تبدو مرشحة لمواجهة الإخفاق ذاته، وربما بصورة أشد، في تعويض لاريجاني، بما كان يمتلكه من خبرة سياسية، ونفوذ مؤسسي، وحضور داخلي وخارجي يصعب تعويضه أو استنساخه بسهولة.
اختلاف بنك الأهداف بين ترامب ونتنياهو
كشف اغتيال لاريجاني، بما كان يمثله من نزعة عقلانية ومرونة سياسية وخيار وسطي داخل بنية النظام الإيراني، عن اتساع الفجوة في بنك الأهداف بين نتنياهو ترامب، وعن التباين العميق في مقاربة كل منهما للحرب وحدودها ومآلاتها.
فترامب في ظل ما يواجهه من ضغوط وانتقادات داخلية وخارجية، وما قد يترتب على استمرار المواجهة من كلفة على موقع الولايات المتحدة وتحالفاتها، ولا سيما مع أوروبا، يبدو ميّالًا بصورة أو بأخرى إلى البحث عن مخرج سريع من المستنقع الإيراني، إذ دخل هذه المواجهة ابتداءً بدوافع أمنية واقتصادية محددة، قبل أن تتجاوز الحرب سريعًا السقف الذي كان متوقعًا لها.
في المقابل، تأتي هذه العملية لتؤكد الطبيعة العقائدية والأيديولوجية التي تحكم رؤية نتنياهو للصراع مع إيران، فالمسألة بالنسبة إليه لا تقف عند حدود الحسابات السياسية أو الأمنية المباشرة، بل تتجاوزها إلى تصور وجودي يستهدف تدمير النظام الإيراني واقتلاع مرتكزاته، وإغلاق باب التفاوض معه بصورة نهائية.
ومن هذا المنطلق، يبدو نتنياهو حريصًا على تقويض أي مسار محتمل قد يفضي إلى تسوية أو تهدئة، وعلى عرقلة أي محاولة قد يقودها ترامب لإنهاء الحرب على نحو لا ينسجم مع أجندة اليمين الإسرائيلي المتطرف.
وفق هذا التصور، يندرج اغتيال لاريجاني، كما سبقه استهداف قيادات الصف الأول، من الدائرة الأقرب إلى المرشد وصولًا إلى القيادات العسكرية البارزة، ضمن مسار يخدم الهدف الإسرائيلي المتمثل في تكريس حرب طويلة الأمد، ذات طابع عقائدي وأيديولوجي، تتجاوز منطق الردع المحدود إلى مشروع استنزاف شامل، وهو مسار يتعارض، في جوهره، مع الهدف الأمريكي الذي يبدو أكثر ميلًا إلى احتواء الصراع ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة بلا سقف زمني أو سياسي.
– أعلن مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الأمريكي استقالته، بعدما قدّم رسالة مباشرة إلى الرئيس دونالد ترامب، مؤكدًا رفضه الاستمرار في منصبه على خلفية الحرب الدائرة في إيران.
– أكد في رسالته أن إيران لا تشكّل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة، بينما اعتبر أن قرار الحرب جاء نتيجة… pic.twitter.com/iScyItTTWf
— نون بوست (@NoonPost) March 17, 2026
النظام بين سيناريوهين
في أجواء مضطربة ومربكة كهذه، تميل التطورات إلى أحد مسارين لا ثالث لهما، أولهما أن تقود سياسة الاغتيالات، الهادفة إلى تجريف منظومة القيادة داخل النظام الإيراني، إلى إحداث تفكك داخلي وفتح الباب أمام صراعات أجنحة بين مراكز القوى والتيارات المختلفة على ما تبقى من السلطة، وهذا هو الرهان الذي يبدو أن نتنياهو يعقد عليه جزءًا معتبرًا من استراتيجيته، منذ أن تبنى، من الأيام الأولى، خطابًا تحريضيًا موجّهًا إلى الشارع الإيراني، يحثه فيه على الانتفاض في مواجهة النظام.
أما المسار الثاني، فهو أن تفضي هذه الضربات، بما تحمله من مشاهد صادمة وارتدادات عميقة، إلى نتائج معاكسة تمامًا لما تأمله إسرائيل، بحيث تتحول من أداة لإضعاف النظام إلى عامل يدفعه نحو مزيد من التماسك والصلابة، فهذا نمط مألوف في سلوك الأنظمة العقائدية والأيديولوجية، التي كثيرًا ما تستثمر الضربات الخارجية في إعادة إنتاج ذاتها بصورة أكثر تماسكا، وتحويل الاستهداف إلى محفز لإعادة ترتيب البنية الداخلية وشحذ أدوات البقاء، شريطة أن تمتلك الحد الأدنى من الكوادر والقيادات القادرة على إدارة هذه العملية.
وفي الحالة الإيرانية، فإن الخطاب القومي والأيديولوجي الذي يهيمن على العقل السياسي للنظام يجعل من استهداف رأس السلطة أو تصفية الصف الأول من البدائل عاملًا غير كافٍ، بحد ذاته، لإسقاط النظام أو التسبب في انهياره الشامل، فاغتيال القيادات العليا لا يعني بالضرورة سقوط البنية الحاكمة، كما أن تصفية الدوائر الأولى المحيطة بمركز القرار لا تؤدي تلقائيًا إلى تفكك الدولة أو تهاوي مؤسساتها.
ومن ثم، فإن التعويل على هذا السيناريو باعتباره طريقًا سريعًا لتفكيك النظام الإيراني قد يكون رهانًا متعجلًا، لا سيما أن طهران تملك سجلًا طويلًا في امتصاص الصدمات الكبرى وإعادة التكيف مع الضربات العنيفة التي تعرضت لها منذ نشأة الجمهورية الإسلامية.
السردية الإسرائيلية بين الانتصار والمغامرة
على امتداد سنوات، مثّل لاريجاني صوت العقل المنضبط داخل الجمهورية الإيرانية، والشخصية التي جسّدت البراغماتية الإيرانية في أكثر صورها اكتمالًا، فرغم تصنيفه ضمن ما يُعرف بتيار “المحافظين المعتدلين”، فإنه لم يكن أسير موقعه الأيديولوجي الضيق، بل حافظ على قنوات تواصل وتنسيق سياسي مع مختلف التيارات، من أقصى اليمين إلى أطراف الطيف الأقل تشددًا، وهو ما منحه قدرة استثنائية على الحركة داخل بنية النظام، ورسّخ حضوره بوصفه أحد أبرز وجوه التوازن وإدارة التناقضات في الداخل الإيراني.
ومن هذا المنظور، يأتي اغتيال لاريجاني، وفق السردية الإسرائيلية، في سياق استهداف منظومة البدائل المحتملة داخل النظام الإيراني، تمهيدًا لتجريفها وإفقاد النظام قدرته على إعادة إنتاج نفسه، ولهذا جرى التعامل مع الحادثة في الخطاب الإسرائيلي باعتبارها إنجازًا نوعيًا وانتصارًا سياسيًا وأمنيًا، لكونها طالت، في نظر كثيرين، أحد أقوى الرجال داخل إيران وأكثرهم تأثيرًا في صياغة القرار خلال هذه المرحلة الحرجة، ومن هنا يمكن فهم حجم الاحتفاء الإسرائيلي بالنبأ، بوصفه ضربة مست شريانًا حساسًا في بنية السلطة الإيرانية.
غير أن القراءة الأعمق لهذه الحادثة تتجاوز سردية النصر السريعة التي يروّج لها بنيامين نتنياهو، فإقصاء شخصية براغماتية بحجم لاريجاني لا يعني بالضرورة تمهيد الطريق أمام بديل أكثر مرونة أو انفتاحًا تجاه تل أبيب والغرب، بل قد يفضي إلى نتيجة معاكسة تمامًا.
إذ إن استهداف هذا النوع من الشخصيات قد يؤدي عمليًا إلى إغلاق المجال أمام أي تيار إصلاحي أو براغماتي داخل النظام، ويدفع بالكفة على نحو كامل لصالح التيار الأكثر تشددًا، ذلك التيار الذي ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها “الشيطان الأكبر”، وإلى إسرائيل بوصفها خطرًا وجوديًا يجب استئصاله عاجلًا أو آجلًا.
وعليه، فإن ما يُسوَّق إسرائيليًا بوصفه ضربة ناجحة قد يتحول، في حال تمكن النظام الإيراني من امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب صفوفه، إلى عامل ارتباك استراتيجي في الحسابات الإسرائيلية نفسها، فبدلًا من إضعاف النظام وفتح ثغرات داخل بنيته، قد يؤدي هذا المسار إلى إعادة تشكيله على نحو أكثر تصلبًا وانغلاقًا، بما يضيّق فرص الاختراق السياسي، ويجعل أي مسار تفاوضي أو إصلاحي أكثر بعدًا وتعقيدًا.
الحرب إلى أين؟
تفضي سياسة الاغتيالات التي تنتهجها إسرائيل عمومًا، واستهدافها شخصيات سياسية براغماتية وذات وزن نوعي مثل علي لاريجاني على وجه الخصوص، إلى دفع المشهد الإيراني نحو مزيد من العسكرة الشاملة، فالمسألة لم تعد تتعلق بعسكرة النظام وحده، كما كان يُقال سابقًا، بل باتت تنذر بعسكرة الدولة بأكملها، في ظل تصاعد احتمالات أن يتولى الحرس الثوري زمام المرحلة بصورة أكثر مباشرة، مستفيدًا من مناخ التصعيد لفرض مقاربته بوصفها الصوت الأعلى والقرار الحاسم داخل بنية السلطة.
وعند هذه النقطة، تبدو الحرب المشتعلة حاليًا واقفة أمام سيناريوهين رئيسيين، أولهما، أن تنخرط طهران بصورة كاملة في منطق التصعيد، وأن تتبنى خطابًا أكثر تشددًا، يطيح بأي رهان على التفاوض أو المسار السياسي، ولا يعترف إلا بلغة القوة والمواجهة المفتوحة.
وفي ظل هذا السيناريو، قد تتجه إيران إلى توسيع نطاق استهدافها للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وفق سياسة الأرض المحروقة، مع احتمال امتداد دائرة الاشتباك إلى ما هو أبعد من المجال الإقليمي المباشر، فضلًا عن إمكان إدخال ساحات أخرى إلى قلب المواجهة، وفي مقدمتها جبهة الحوثيين وسواها من الأذرع الحليفة.
دمار كبير في محطة قطارات ومبانٍ عدة في "إسرائيل"، بعد جولة صاروخية إيرانية الليلة الماضية pic.twitter.com/eJguypyyPF
— نون بوست (@NoonPost) March 18, 2026
أما السيناريو الثاني، فيقوم على لجوء طهران إلى محاولة امتصاص هذا التآكل القيادي الحاد، عبر البحث عن هدنة تكتيكية تتيح لها التقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الداخل، وفتح هامش لحركة دبلوماسية خلفية على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، قد تتحرك إيران نحو مبادرات تهدئة غير مباشرة، عبر قنوات ترعاها قوى دولية وإقليمية، وفي مقدمتها الصين وروسيا، بهدف احتواء الانفجار، والبحث عن صيغة سياسية توقف الحرب أو تجمدها عند حدود معينة.
وفي مثل هذا المسار، قد تنظر طهران إلى الخيار الدبلوماسي لا باعتباره تعبيرًا عن قناعة كاملة، بل بوصفه خيار الضرورة الذي تفرضه الحاجة إلى حماية ما تبقى من جسد النظام وهيكليته، وترميم ما أصابه من تصدعات قاسية، والاكتفاء بما تحقق في هذه الجولة، تمهيدًا لإعادة البناء واستعادة التوازن في مرحلة لاحقة.
في المحصلة، لا يمكن التعامل مع اغتيال لاريجاني باعتباره حادثة عابرة أو مجرد محطة ضمن حرب متدرجة، بل بوصفه تحولًا بنيويًا واضحًا في منطق الصراع نفسه، فالمواجهة لم تعد تدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني أو حدود النفوذ الإقليمي، بل باتت أقرب إلى مشروع يستهدف اقتلاع النظام من جذوره، وتجريف منظومة البدائل الممكنة داخله، وعليه تتحول الحرب من صراع على النفوذ إلى مواجهة وجودية مفتوحة، تبقى فيها جميع السيناريوهات مطروحة، من الانفجار الشامل إلى التسويات الاضطرارية التي تسبق جولات أخرى من الصراع.