يفتح فصلٌ جديد من المعارك التشريعية للاتحاد الأوروبي لتدبير ملفّي اللجوء والهجرة، إذ صوّتت “لجنة الحريات المدنية والعدالة والشؤون الداخلية” (LIBE) في البرلمان الأوروبي، بتاريخ 9 آذار/مارس 2026، على موقفها التفاوضي بشأن “لائحة العودة” (Return Regulation)، التي تهدف إلى استبدال توجيهات عام 2008 بإطار تشريعي أكثر صرامة وفاعلية.
وتُرسي اللائحة، التي اقترحتها المفوضية الأوروبية في آذار/مارس 2025، نظامًا مشتركًا لإعادة مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذين لا يستوفون شروط الدخول أو الإقامة فيه، أو الذين لم يعودوا يستوفونها، فضلًا عن إجراءات أخرى، كتمديد الاحتجاز وتوسيع نطاق حظر الدخول إلى الأراضي الأوروبية.
وبعد أشهر من المفاوضات، وتقديم 2409 تعديلات على النص الأصلي، جرى التصويت بنتيجة 41 صوتًا مؤيدًا، و32 صوتًا معارضًا، وامتناع واحد عن التصويت. وتتجلى غاية هذه الإجراءات، وفق المفوضية الأوروبية، في مواجهة معضلة تكمن في عدم ترحيل سوى 20% من المهاجرين غير النظاميين الذين يصدر بحقهم قرار بمغادرة الأراضي الأوروبية.
غير أن هذه اللائحة لا تعني الشيء نفسه للجميع؛ فالمهاجرون وطالبو اللجوء العرب، خصوصًا من الجاليات المغاربية، يُعدّون من الأكثر تضررًا من هذه السياسة في حال اعتمادها نهائيًا، في ظل غياب شبه تام لأصواتهم في النقاش الأوروبي. كما أن بعض الدول العربية، مثل تونس والمغرب، قد تكون مرشحة لاحتضان “مراكز الترحيل” الخارجية التي تثير جدلًا في هذه اللائحة.
ما الذي تغيّر فعلاً مع هذه اللائحة؟
الموقف التفاوضي لـ”لجنة الحريات المدنية والعدل والشؤون الداخلية” في البرلمان الأوروبي، بشأن لائحة أوروبية جديدة للعودة، لا يعني أن النص أصبح قانونًا نافذًا، بل يعني أن البرلمان دخل مرحلة التفاوض مع مجلس الاتحاد الأوروبي، وفق ما أوضحه آدم المقراني، محامٍ مقيم في فرنسا، في حديثه لـ”نون بوست”.
وسيُطرح النص المعتمد على الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي للمصادقة النهائية على التفويض التفاوضي. وإذا تمت الموافقة، ستبدأ المفاوضات الثلاثية (البرلمان والمجلس والمفوضية الأوروبية) للوصول إلى نص نهائي.
ويرى المحامي المقراني أن التغيير المنتظر يتجلى في “أمر العودة الأوروبي”، بحيث تصبح قرارات الإبعاد المسجلة قابلة للاعتراف والتنفيذ على مستوى فضاء “شنغن”، بدل أن تبقى محصورة عمليًا في الدولة التي أصدرتها. كما سيتحول “واجب التعاون” إلى التزام صريح على الشخص المعني بقرار العودة، بما يشمل تقديم الوثائق والبيانات البيومترية والبقاء رهن السلطات.
واستطرد المقراني: “سيتم توسيع إمكانات الاحتجاز ورفع سقفه إلى 24 شهرًا في حالات عدم التعاون أو خطر الفرار، أو نظرًا لاعتبارات أمنية، مع الإبقاء نظريًا على بدائل مثل الإقامة المقيّدة أو المراقبة الإلكترونية. كما سيتم أيضًا فتح الباب لإعادة الأشخاص إلى دولة ثالثة بناءً على اتفاق بين دولة عضو أو الاتحاد الأوروبي وتلك الدولة الثالثة، وهو ما يشكل الأساس القانوني لفكرة “مراكز العودة” أو “مراكز الترحيل” خارج الاتحاد”.
أما فيما يخص غير المتعاونين مع إجراءات الترحيل، فتُقرّ اللائحة أحكامًا أكثر صرامة، من بينها تخفيض المساعدات الاجتماعية أو فرض غرامات مالية، إلى جانب منح السلطات المختصة صلاحيات تحقيقية موسّعة تشمل تفتيش المنازل والأماكن ذات الصلة.
كما تُجيز اللائحة فرض حظر دخول يصل إلى عشر سنوات على كل من يُشكّل تهديدًا للنظام العام أو الأمن، مع إمكانية تمديده أو جعله مؤبدًا في الحالات الأشد خطورة.
وفي قراءتها للسياق السياسي للائحة العودة، ترى أسماء عباس، صحافية مقيمة في الدنمارك، في حديثها لـ”نون بوست”، أن صعود الأحزاب اليمينية في أوروبا حوّل النقاش حول الهجرة من مسألة تقنية تتعلق بإدارة الحدود وتنظيم اللجوء، إلى قضية سياسية مركزية مرتبطة بالهوية والأمن والضغط الانتخابي.
وتضيف الصحافية عباس: “لقد دفع هذا التحول حتى بعض الأحزاب التقليدية إلى تبنّي خطاب أكثر تشددًا، في محاولة لاحتواء صعود اليمين الشعبوي واستعادة ثقة الناخبين. وفي هذا السياق يمكن فهم لائحة العودة الجديدة باعتبارها انعكاسًا لهذا التحول في المزاج السياسي الأوروبي”.
كيف يتأثر المهاجرون العرب بالإجراءات الجديدة؟
حتى قبل التصويت النهائي عليها واعتمادها، وجّهت العديد من المنظمات غير الحكومية نداءً عاجلًا لوقف اللائحة، إذ اعتبر بعضها أن هذه الإجراءات قد تعيد نسخ تجربة “إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية” (ICE) في الأراضي الأوروبية.
وتتركز المخاوف أساسًا على المادة “23أ”، التي تشجع الدول الأعضاء على تنفيذ “إجراءات تحقيق ضرورية” تشمل تفتيش المنازل الخاصة والأماكن الأخرى.
ويرى المحامي المقراني أن الأثر العملي سيكون واضحًا على عدد كبير من العرب، لأنهم من بين الجنسيات الأكثر حضورًا في ملفات العودة والإبعاد داخل الاتحاد. إذ تُظهر بيانات “يوروستات” الخاصة بالربع الثالث من عام 2025 أن الجزائريين كانوا في صدارة غير الأوروبيين الذين صدرت بحقهم أوامر مغادرة داخل الاتحاد بعدد 12325 شخصًا، يليهم المغاربة بـ 6670، ما يعني أن أي تشديد أوروبي في منظومة العودة ستكون له انعكاسات مباشرة على مواطني المغرب العربي.
واستطرد المقراني: “قد يتأثر المهاجر العربي على ثلاثة مستويات مترابطة: تسريع الانتقال من رفض اللجوء إلى قرار العودة، وتوسيع استعمال الاحتجاز الإداري لفترات أطول، ثم زيادة إمكان منعه من دخول الاتحاد الأوروبي مجددًا إذا لم يمتثل أو اعتُبر محل خطر أو فرار محتمل”.
وترى الصحافية أسماء عباس أن الإجراءات المقترحة قد تعني عمليًا تسريع قرارات الترحيل، وتقليص الفترات القانونية التي كان بعض المهاجرين يقضونها داخل أوروبا أثناء دراسة ملفاتهم أو الطعن في قرارات الرفض.
وأوضحت عباس: “نقل بعض المهاجرين إلى مراكز خارج الاتحاد الأوروبي أثناء انتظار ترحيلهم يجعل بعضهم في وضع قانوني وإنساني أكثر تعقيدًا. فكثير منهم يصلون إلى أوروبا ليس بدافع المغامرة، بل نتيجة حروب أو أزمات اقتصادية أو غياب الاستقرار السياسي في بلدانهم. ولهذا فإن السياسات التي تركز فقط على تشديد القوانين قد تخفف الضغط على الحدود مؤقتًا، لكنها لا تعالج الأسباب العميقة التي تدفع الناس إلى الهجرة في المقام الأول”.

