• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“لولا الأدب، لما كان العالمُ محتملًا”.. حوار مع الروائي عبد المجيد سباطة

أحمد مستاد٢٧ مارس ٢٠٢٦

منذ جائحة كورونا عام 2020، وصولاً إلى حرب إيران عام 2026، تكاثرت السرديات الإعلامية المتباينة، ولم ينتصر أغلبها للضحايا والمنكوبين، فأين يقف الأدب من كل هذا؟ وهل يملك القدرة على الانتصار للحقيقة بعيدا عن حرب السرديات؟

في حوار مع الروائي والمترجم المغربي عبد المجيد سباطة، نقارب هذه الإشكاليات ونمحّص الدور التاريخي للأدب في التعبير الصادق عن معاناة ضحايا الحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية، ونبذه للأيديولوجيات المتطرفة والسرديات الإعلامية المضللة.

وإستنادًا إلى خبرته الأدبية في معالجة المآسي الإنسانية وترجمة أعمال روائيين عالميين، يستشرف الكاتب المغربي مستقبل تيمات الأدب العربي في ضوء المآسي التي عصفت بالعالم العربي خلال السنوات الست الأخيرة، ويحلّل حاضر الصوت الأدبي للقضية الفلسطينية، والفوارق بين الأدب المغاربي ونظيره في المشرق العربي، آخذاً بالحسبان الوضع الجيوسياسي في المنطقتين.

عبد المجيد سباطة من أبرز الأصوات الأدبية المغربية المعاصرة، إذ جمع بين الكتابة الروائية والعمل في الترجمة، حيث نقل إلى العربية أعمالًا لكتّاب عالميين مثل ميلان كونديرا وميشيل بوسي، وحاز جائزة المغرب للكتاب عام 2018 عن روايته “ساعة الصفر”، قبل أن يحقق حضورًا عربيًا لافتًا بوصول روايته “الملف 42” إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2021، وهي الرواية التي تُرجمت لاحقًا إلى الإنجليزية. ويواصل سباطة ترسيخ مكانته في المشهد الأدبي العربي، إذ أُدرج ضمن القائمة الطويلة للجائزة نفسها في دورتها لعام 2026 عن روايته “في متاهات الأستاذ ف.ن.”.

بالحديث عن مشروعك الأدبي وضحايا الحروب والكوارث؛ لم تبتعد أعمالك الأدبية عن توثيق المآسي الإنسانية، إذ جعلتَ من “فاجعة الزيوت المسمومة” في المغرب محوراً رئيسياً لروايتك “الملف 42″، فإلى أي حدٍّ يستطيع الأدب أن يكون صوتاً للضحايا ومنصفاً لقضاياهم؟

وما الأدب إن لم يَمنح صوتا للضعيف والضحية والمهمش، ممن يصر الواقع على تكميم أفواههم؟

من أدوار الرواية البحث عن الإنصاف، واستعادة ولو جزء من الكرامة المهدورة. قضية الزيوت المسمومة -التي عاشها المغرب أواخر خمسينيات القرن الماضي- كانت بالنسبة لي مدخلا لمعالجة إشكالية الكرامة الإنسانية، وتعريف الأجيال الحالية بقضية كان لها أثرها العميق وقتها في “مغرب ما بعد الاستقلال”، ثم ساهمت ظروف وأسباب متداخلة في إقبارها والدفع بها إلى غياهب النسيان.

مات ربما معظم الضحايا، فيما شاخ آخرون، وعاشوا عقودا أسرى الشلل والصمت، لكن دور الرواية إعادة الاعتبار لمعاناتهم، ولو رمزيا على الأقل.

روايتك “ساعة الصفر” تعود إلى البوسنة سنة 2015، عبر اكتشاف مقبرة جماعية ومذكرات لراوٍ مجهول، لماذا اخترت أن تُعيد إحياء ذاكرة هذه الحرب من خلال شخصية لها جذور مغربية؟ 

اندلعت حروب أهلية كثيرة في ظل سؤال ملح يرتبط بإشكالية الهوية. حرب البوسنة والهرسك مثال بارز، حيث سالت الدماء أنهارًا، وارتُكبت فظائع ومجازر باسم التعصب للهوية الضيقة.

كتبت “ساعة الصفر” في ظل واقع عادت فيه العصبيات القبلية والعرقية والطائفية لتطل برأسها، وتهدد استقرار بلدان ومناطق شتى، فكانت الرواية بحثا في سؤال الهوية الإنسانية، ومحاولة للتركيز على ما يجمع البشر أكثر مما يفرقهم. 

ربما اعتقدت عندما كتبتها أنها رهينة سياق محدد، يتماهى مع انهيار عدد من دول المنطقة، وتحذيرًا مما قد يهدد بلدنا من أخطار، لكن الرواية واصلت حضورها إلى اليوم، بعد مرور 10 سنوات على كتابتها، بما يؤكد أن السؤال، أو ربما الأسئلة التي قدمتها، ما زالت تبحث إلى يومنا هذا عن إجابات…

هل يرى الأديب جراح الآخر بعين أكثر حرية؟ 

لا يرى الأديب في كتابته إلا طريقًا لملامسة المشترك الإنساني، وإن بدت أعماله مغرقة في محليتها ظاهريًا. بكل تأكيد، تظل خصوصيات بعينها محددة لبعض الفروق بين البلدان والمجتمعات، لكن الخطوط العريضة للهم الإنساني في مختلف أصقاع العالم المنسي تظل ذاتها، بين التهميش والظلم والسعي لإيجاد موطئ قدم في عالم بات يفاخر اليوم بعبادته للقوة.

ترجمتَ لأنتوني راي هينتون كتاب “وأشرقت الشمس من جديد” الذي كتبه سجين أمريكي سابق. حين تترجم شهادة ضحية حقيقية، هل تشعر أن الترجمة فعل إنصاف مضاعف، أم أن كل ترجمة قد تخون شيئًا من الألم الأصلي؟

 أعتبر دائما أن هذا الكتاب لم ينل حقه من المقروئية والانتشار رغم الأهمية الكبرى لموضوعه.

هي سيرة حقيقية لمواطن أمريكي من السود، تعرض لظلم حقيقي أبقاه في زنزانة المحكومين بالإعدام أزيد من ثلاثين عاما نظير جريمة لم يرتكبها. هي شهادة تكشف الكثير عن حقيقة المنظومة القانونية الأمريكية، المحتفظة بأطرها العنصرية رغم كل ما يقال عن المساواة والعدالة.

بذلت ما في وسعي لنقل تجربة هذه المعاناة والألم إلى القارئ العربي، وكذا ذلك الجانب الساخر الذي تحدى به أنتوني واقعه البائس، ولا شك في أن القارئ بالعربية سيجد تقاطعات كثيرة بين الواقعين، وإن تباعدت السياقات والمسافات.

تحظى أعمالك بتقدير أكاديمي ونقدي معترف به، وتعتمد منهجية بحثية رصينة قبل الشروع في الكتابة، مستثمرًا تكوينك أيضا في العلوم الدقيقة، كما أسهمت في نقل تجارب روائيين عالميين كميلان كونديرا إلى القارئ العربي، فمن خلال هذه المسيرة الثرية، وانطلاقًا من اطلاعك الواسع على الأدب العالمي، كيف تقيم الأدب تاريخيًا في سعيه تصوير المأساة الإنسانية وتشكيل الذاكرة الجماعية بإنصاف بعيدًا عن حرب السرديات للدول المتحاربة؟

لولا الأدب لما كان العالم محتملًا، ولما كان الإنسان قادرًا على ملامسة المعاناة التي عاشها البشر في مختلف أصقاع الأرض، ولو ساهم هذا في ترسيخ فكرة جامعة، أو تشكيل وعي إيجابي ما، لكان ذلك كافيا. 

كتب فيودور دوستويفسكي عن المعاناة الروسية في القرن التاسع عشر، وتحدث جون شتاينبك وويليام فوكنر عن أهوال الريف الأمريكي، وحذّر توماس مان وروبرت موزيل وهرمان هيسه من انهيار أوروبا في بدايات القرن العشرين، وترك جيل البوم في وصفه لأحوال وديكتاتوريات أمريكا اللاتينية بصمةً لا تُمحى.

قد يبدو الإيمان بدور الأدب اليوم في إحداث تغييرٍ ما أقرب إلى السخرية المريرة، مع غرق العالم أكثر فأكثر في غياهب الفوضى والركون إلى شريعة الغاب، لكن للكلمة دورها في إيقاف عجلة العبثية والجنون، عاجلًا أم آجلًا.

دعنا نتحدث عن الشرق الأوسط والكوارث الطبيعة. منذ جائحة كورونا عام 2020 وصولاً إلى النزاع الإيراني عام 2026، عاشت المنطقة العربية على وقع متواصل من الزلازل والحروب والفيضانات. وكثيرًا ما تُفرز هذه الأحداث روايات وسرديات إعلامية متضاربة ومتباينة. هل يملك الأدب القدرة على مجابهة هذه السرديات المضلِّلة والانحياز للحقيقة؟ 

لا شك في أننا نعيش أخطر عصور “ما بعد الحقيقة”، بعدما تحول الواقع إلى فضاء تتنازع فيه “الحقائق” المتناقضة، للظفر بموطئ اعتبار في ذهنية بشرية، ما عادت قادرة على تحمل هذا الكم الهائل من الأخبار والمعلومات المشكوك في صحتها.

لا سبيل إذن لمواجهة هذه السرعة المفرطة إلا بالبطء الأدبي، الذي يوفر مساحة آمنة للمساءلة والتمحيص وإعادة التفكيك والبناء، بعين متمهلة، وقلم يأخذ وقته الكافي في الإحاطة بكل جوانب الإشكالات المعاصرة.

الخطر الحقيقي ربما هو في استسلام الأدب بدوره لفورة السرعة والتسليع، وبالتالي فقدان ميزته الأساسية، وهو ما نعيش بعض تجلياته حاضرا، لكن الثقة في حكمة الزمن وتصديه للفورات الآنية أكبر.

وهذا ما يقودنا بطبيعة الحال إلى الحديث عن السردية الصهيونية، فلماذا ظلَّ كل أدب يتبنى النازية أو الصهيونية أو الفاشية، أو أي أيديولوجيا متطرفة، مرفوضًا ومنبوذًا في الأوساط الأدبية والثقافية؟

لأن الأدب بطبعه يقدم مزاوجة فريدة بين العقلاني والشاعري العاطفي في الذات الإنسانية، توازن لا تعترف به أي إيديولوجيا متطرفة، لا تسعى إلا إلى الإكراه والإجبار على الخضوع لتعاليمها.

هذا لا يعني أن التيارات الفاشية والإقصائية بكل تلاوينها لم تسع دومًا إلى إنتاج “أدب” خاص بها، لكنه لم يرق أبدا إلى المستوى المطلوب، مستوى الصمود في وجه سطوة الزمن، والنفاذ إلى أعماق القراء، في مختلف أنحاء العالم، وعلى مر العصور.

أسهم شاعر كمحمود درويش في ترسيخ صورة الأديب العربي بوصفه صوتًا كونيًا للقضية الفلسطينية، غير أنه يصعب اليوم تحديد أديب عربي يُشكِّل رمزًا دوليًا لقضية بعينها. فهل ثمة مسار تاريخي أو عوامل موضوعية أسهمت في تراجع الدور الرمزي للأدب بوصفه لسان حال الشعوب المقهورة؟ 

هذه مسألة تتداخل فيها اعتبارات شتى، قد نذكر من بينها انهيار السردية العربية الجامعة، مع تراجع الدور الإقليمي لدول عديدة، والميل أكثر نحو الخصوصية الداخلية لكل بلد (وإن كانت لهذه الجزئية إيجابيات محددة في سياقات أخرى)، أضف إلى ذلك وضع صفة الأديب «الكوني» أو «العالمي» نفسها موضع قياس.

ما معنى أن يكون كاتب ما عالميًا؟ أن تترجم أعماله إلى لغات عديدة؟ أن يحصد جائزة غربية؟ أن يحظى باعتراف أكاديمي أوروبي أو أمريكي؟ هذه كلها تفاصيل تخضع لسياقات معينة، قد لا يكون الاستحقاق الأدبي من ضمنها في كل الحالات. ما زال الأدب نظريا لسان حال الشعوب المقهورة، لكن قنوات إيصاله ما زالت خاضعة (آنيا على الأقل) لتحكم وهوى الأقوى.

دعنا نتحدث عن الأدب والسياق المغاربي، على الصعيد المغربي، شهدت البلاد زلزالًا مدمرًا عام 2023 وفيضانات استثنائية، الجزء الأكبر منها عام 2026. فهل يدفعك هذا الواقع إلى استحضار هذه الموضوعات في أعمالك المقبلة؟ وإلى أي مدى ينبغي للأديب أن يتريَّث قبل أن يُقدِم على تناول أحداث لا تزال طازجة في الذاكرة الجماعية؟ 

لعل هذا ما يرتبط بإجابتي عن سؤال خطر تسليع الأدب. لا يجب الخلط بين دوري الصحفي والأديب، فمهمة الأخير قد تكون التمهل في معالجة الحدث الآني، أو استشرافه حتى في سياقات أخرى، أما الكتابة المتسرعة، الموسمية، والمناسباتية، التي تحاول الإمساك بإغراء اللحظة، عوض العودة خطوات إلى الوراء لمحاولة تبين تفاصيل “اللوحة” كاملة، فهو مما يبتعد في نظري عن الرسالة الحقيقية للأدب، ويقترب من “اقتناص الفرص” وركوب أمواج اعتراف أو ضوء إعلامي آني، سرعان ما سيتبدد بنفس سرعة تسليطه. 

لذلك لم أستسغ صدور روايات تتناول موضوع الجائحة قبل بدء تلقي التلقيحات حتى، أو صدور أعمال عن الحرب الإبادية في غزة، في وقت ما زلنا نتابع فيه رأي العين التداعيات المتلاحقة لهذه الحرب حتى الآن.

وفيما يخص الأدباء العرب، وبالموازنة بين السياق المغاربي ونظيره الشرق-أوسطي، هل ترى أن ثقل المأساة الإنسانية في المشرق العربي، بما تحمله من حروب واحتلال ونزاعات متجذِّرة، يجعل أدباءه أكثر انشغالًا بتيمات المعاناة الإنسانية مقارنةً بنظرائهم المغاربيين؟

قد يكون ذلك صحيحًا، لكنني أرى في المقابل أن هذا “التقسيم” النمطي قد أضر كثيرًا بصورة الأدب المغربي، على الأقل في السياق العربي أو المشرقي عمومًا، أو حتى الدولي أحيانًا. فمع الوقت، ترسخت سردية ترى في أدب الكوارث والمعاناة، تخصصًا “مشرقيًا”، يمنحه الأفضلية حتى في التعاطي الغربي (على ضعفه)، بما يثبت مشهدية المنطقة المنكوبة الملعونة، والمتخصصة فقط في إنتاج الحروب والكوارث.

وقد انعكس هذا حتى على النظرة المشرقية نفسها للأدب المغربي، باعتباره “قاصرًا” عن فهم المعاناة، ونابعًا من مجتمع “مستقر”، وفي ذلك “قصور” أحيانا عن استيعاب معنى المعاناة وأشكالها، بما يتجاوز الصيغة الصلبة لعدوان خارجي مدمر أو حرب أهلية دموية.

علاماتالأدب ، الأدب والحياة ، التجديد الفكري ، التحولات الفكرية ، العدالة في المجتمع العربي
مواضيعالأدب العربي ، الرواية والأدب ، الفكر الاجتماعي ، حوارات نون بوست

قد يعجبك ايضا

أدب وفن

“النغمة المصرية” في الذاكرة السورية.. وحدة تاريخية تتجاوز السياسة

محمد حسين الشيخ٢٤ يناير ٢٠٢٦
أدب وفن

الأدب بين السلطة والرقابة.. حوار مع الروائي المصري أشرف العشماوي

حنان سليمان٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
أدب وفن

الدروع البشرية: تاريخ ناس على خط النار والاستعمار

أحمد عبد الحليم٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑