بعد سنوات من الغموض الذي خلفه نظام بشار الأسد، أعلنت دمشق في 18 مارس/آذار 2026، مبادرة “أنفاس الحرية” لإزالة كل ما تبقى من السلاح الكيميائي، وذلك بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ورعاية دول مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وقطر وتركيا وكندا.
ويوضح الإعلان أن الملف الكيميائي الذي اعتقد البعض أنه انتهى في 2014، عاد بقوة لأن السلطات الجديدة لا تملك خريطة كاملة لما أخفاه النظام البائد، ولأن المنظمة الدولية كشفت وجود أكثر من 100 موقع إضافي مرتبط بالبرنامج الكيميائي لم يصرح عنها.
المعضلة إذن ليست إزالة مواد معروفة فقط، بل كشف ما بقي أصلًا داخل برنامج متعدد الطبقات موزع بين مواقع ومواد ووثائق وخبراء.
خريطة المواقع المحتملة
بعد 2013، عام دخول سوريا إلى الإطار القانوني لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، صرّح النظام البائد عن 26 موقعًا متعلقًا بالسلاح الكيميائي، شملت منشآت إنتاج ومخازن وخطوط مزج وتعبئة، فيما جمعت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية معلومات تفيد بأن هناك أكثر من 100 موقع إضافي.
وهذا الرقم ليس اكتشافًا نهائيًا، بل تقدير متغير يستند إلى بيانات قدمتها السلطات الحالية، ووثائق جرى الحصول عليها ومقابلات مع خبراء البرنامج القديم.
من هذه المواقع ما كان معلنًا سابقًا، ومنها ما يزال في خانة الاشتباه أو ثنائي الاستخدام، ومنها مواقع قد تكون قابلة للتصريح بموجب المبادرة الجديدة.
لتبسيط تعقيد هذه الشبكة، يمكن تصنيف الخريطة الجغرافية والعملياتية لهذه المواقع وفق مستويات اليقين والوصول كالتالي:
وفي ظل غياب قائمة منشورة، تتركز المواقع المحتملة وفق التقارير في مناطق الساحل والقلمون وحمص والسفيرة قرب حلب.
وتشير تقارير المنظمة إلى أن بعض المواقع ذات أولوية عالية تقع قرب اللاذقية، لكن مفتشيها لم يصرحوا عن أسماء أو إحداثيات.
ماذا بقي من البرنامج الكيميائي؟
تؤكد المنظمة أن جميع المواد الكيميائية من الفئة 1 التي أعلنتها سوريا دُمِّرت بحلول أغسطس/آب 2014، لكن ذلك يشمل فقط المخزون المصرح به. أما ما تبقى فيتوزع بين مواد سامة وسلائف (مواد أولية أو وسيطة تُستخدم لإنتاج مادة كيميائية أخرى) وذخائر ومعدات ووثائق وخبرات بشرية:
1- المواد السامة والسلائف: قال النظام البائد إنه دمر 300 طن من مادة الأيزوبروبانول الكيميائية قبل وصول المفتشين، لكنه لم يقدم دليلًا، كما ادعى تحويل قنابل مصممة للغازات العصبية إلى ذخيرة تقليدية دون إثبات.
وتحدثت تقارير تحليلية أن عشرات إلى مئات الأطنان من عوامل الأعصاب مثل السارين وVX (عامل أعصاب مصنع بشري شديد السمية) أو سلائفها ربما لا تزال غير معلنة، وأن نظام الأسد حاول الحصول على مواد لتجديد البرنامج الكيميائي.
2- الذخائر ووسائط الإطلاق: عدد الصواريخ وقذائف المدفعية والذخائر الجوية التي أُخفيت ما زال غامضًا، فيما تتحدث التقارير عن احتمال وجود مئات إلى آلاف المظروفات غير المعبأة (أغلفة قنابل مصممة لحمل عامل كيميائي)، بالإضافة إلى قنابل جوية خاصة بالسارين كان النظام يدعي تحويلها.
3- المعدات والقدرات الصناعية: كشف مفتشو المنظمة عن وجود معدات ثابتة ومتحركة للمزج والتعبئة حتى بعد انضمام سوريا إلى اتفاقية الأسلحة الكيميائية عام 2013. وتتطلب هذه المعدات خبرة فنية وشبكة إمداد لسلائف متطورة، ما يضيف عنصرًا خطرًا إن سُرِّب أو أُعيد توظيفه.
4- المختبرات ووثائق البرنامج: يشير تسليم السلطات الجديدة 34 صندوقًا من الوثائق إلى المنظمة (15 يناير/كانون الثاني 2026) إلى أن أرشيف البرنامج كبير. وقد تكشف هذه الوثائق أسماء الخبراء، وسلاسل الإمداد، وربما مواقع إضافية.
وجرى جمع أكثر من 6000 وثيقة وست عينات خلال زيارات 19 موقعًا، فيما كشفت إحدى العينات أثرًا لمادة عصبية.
5- الخبرات البشرية: يعمل المفتشون على مقابلة الخبراء والضباط الذين شاركوا في البرنامج القديم لأن بقاء هؤلاء دون متابعة قد يعني استمرار المعرفة الفنية اللازمة لإحياء البرنامج.
آلية التفتيش والتحقق والتدمير
أُطلقت “أنفاس الحرية” بوصفها آلية مشتركة بين سوريا ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وشركاء دوليين. ويهدف الفريق إلى تحديد مواقع المواد المتبقية وتدميرها، وبناء قدرات سورية في مجالات التدريب واللوجستيات والتدمير. وستكون آلية التفتيش والتحقق والتدمير كالتالي:
1- جمع المعلومات وإعداد الخطة: يعكف مكتب البعثات الخاصة في المنظمة (OSM) على تحليل المعلومات من الوثائق والمقابلات لتحديد المواقع ذات الأولوية. وخلال 2025 سلّمت دمشق قائمة بـ 17 موقعًا مشتبهًا في العاصمة، وأجرت فرق الاستطلاع السورية زيارة أولية لبعضها.
2- زيارات ميدانية: منذ مارس/آذار 2025، زار المفتشون 19 موقعًا— أربعة منها كانت معلنة سابقًا و15 مشتبهًا بها. وتوفر السلطات السورية الأمن والمرافقة فيما تلتزم المنظمة بموجب بروتوكول نشر ميداني بالتأكد من السلامة قبل كل زيارة، وتشمل الزيارات التصوير وجمع الوثائق وأخذ العينات.
3- جمع العينات وسلسلة الحيازة: تُقسّم العينات إلى ثمانية أجزاء يُعطى أحدها للدولة محل التفتيش، وتُستخدم اثنتان للتحليل الموقعي، فيما تُرسل خمسة إلى مختبرات معتمدة. ويُستخدم التحليل والبيانات المركزية لمقارنة النتائج، ما يضمن سلسلة حيازة صارمة ويمنع العبث بالأدلة.
4- التحقق والتصنيف: إذا وجد أن المواد أو المعدات متعلقة بالأسلحة الكيميائية، تُعلن المنشأة “قابلة للتصريح” وتلزم دمشق بإضافتها إلى إعلانها الرسمي. ويعمل الفريق كذلك على التمييز بين المنشآت المدنية والثنائية الاستخدام، مستعينًا بخرائط هندسية وخبراء.
5- التدمير أو الإزالة: بحسب بروتوكول المنظمة، يمكن تدمير المواد داخل سوريا إذا كانت الكميات محدودة، أو نقلها إلى الخارج كما حدث عام 2014، فيما تُدمَّر المنشآت الثابتة بإزالة المعدات وسد الأنفاق، وتُتابع المنظمة عملية التدمير حتى تأكدها من إزالة المخاطر و”إغلاق الملف”.

أدوار الجهات المختلفة
1- دمشق: توفر الوصول للمواقع وحماية المفتشين وتساهم بفريق دعم، وتلتزم بإعلان كل منشأة أو مخزون جديد.
وسلّمت دمشق بالفعل آلاف الوثائق وعشرات الصناديق من الأرشيف، لكنها ما زالت مطالَبة بتمكين المقابلات وتقديم مزيد من المعلومات.
2- المنظمة الدولية (OPCW): تقود عمليات التفتيش والتحليل والتدمير وتعد تقارير شهرية للمجلس التنفيذي. وقد أعادت تأسيس وجود دائم في دمشق منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 ونفذت زيارات متعددة.
3- الشركاء الدوليون: يقدمون التمويل والخبرة، إذ تساهم واشنطن ولندن وبرلين وباريس في الخبرات الفنية، فيما توفر تركيا خبرة في إزالة الألغام والتدريب، بينما تقدم قطر وكندا معدات ودعم لوجستي.
ورصدت المنظمة احتياجات مالية إضافية بنحو 4.3 ملايين يورو لعام 2026 و12.5 مليون يورو لعام 2027، ما يعكس اعتماد الخطة على دعم مالي مستدام.
أبرز العقبات والتحديات
1- تحديات أمنية ولوجستية: تقع العديد من المواقع في مناطق غير آمنة تنتشر فيها الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة، خصوصًا في الساحل والشمال، وأدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير/شباط 2026 إلى تعليق زيارات التفتيش.
ويتطلب الوصول إلى هذه المواقع تأمين قوافل وحماية فرق التفتيش من هجمات المليشيات أو فلول النظام السابق، فيما تعني أي حادثة أمنية توقف العمل بأكمله.
2- تحديات تقنية ومعلوماتية: تكمن المشكلة الجوهرية في البرنامج السوري في أن إعلان 2013 كان غير كامل وخضع لعشرين تعديلًا لاحقًا. وما تزال هناك 19 قضية عالقة اعتبرتها المنظمة “مصدر قلق كبير” لأنها تتعلق بكميات كبيرة من العوامل والذخائر غير المصرح بها.
تأخر دمشق في تقديم الوثائق والمقابلات يبطئ التحقق، كما أن كثيرًا من المنشآت ثنائية الاستخدام—مثل مصانع الأسمدة والبتروكيماويات—تتطلب خبرة لتحديد ما إذا كانت تُستخدم لأغراض محظورة.
3- تحديات مالية وتنظيمية: يعتمد نجاح الخطة على توفير تمويل مستدام، إذ قدّرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حاجتها إلى 4.3 ملايين يورو إضافية لعام 2026 و12.5 مليون يورو لعام 2027.
ويجب تدريب الكوادر السورية على الأساليب الحديثة للتدمير الآمن، وإنشاء بنية تحتية لتخزين المواد المصادرة، ومعالجة النفايات الخطرة. كما أن الخطة تعتمد على توافر معدات كشف حديثة وقدرات نقل آمنة.
