ترجمة وتحرير: نون بوست
لجأت فنادق الإمارات إلى منح موظفيها إجازات غير مدفوعة الأجر لتغلق أبوابها بالتزامن مع الانخفاض الحاد في معدلات الإشغال.
يشتهر فندق “ون آند أونلي رويال ميراج”، أحد أقدم الفنادق الفاخرة المطلة على الشاطئ في دبي، بهندسته المعمارية العربية التقليدية وحدائقه الغنّاء.
ولكن في الوقت الذي تتعرض فيه دولة الإمارات العربية المتحدة لنيران إيرانية كثيفة، أصبحت الأجواء الهادئة المحيطة بالفندق أكثر سكوناً من أي وقت مضى، ولا يقطع هذا الهدوء سوى ضجيج أعمال البناء القريبة وصوت الصواريخ التي تعبر من فوقه بين الحين والآخر. قال موظفون يوم الخميس إن الفندق أغلق أحد مبانيه أمام النزلاء، بينما يقدم مبنى آخر إقامات بأسعار مخفضة للمقيمين في الإمارات.
تعمد الفنادق في جميع أنحاء المدينة إلى إغلاق مباني أو طوابق بأكملها، حيث انخفضت معدلات الإشغال في بعض الفروع إلى أرقام أحادية (أقل من 10 بالمائة). كما تقوم هذه الفنادق بخفض تكاليف الموظفين بشكل كبير، وتقديم غرف بأسعار مخفضة، فضلًا عن السماح لبعض النزلاء باستخدام رسوم غرفهم للحصول على مأكولات ومشروبات مجانية داخل الفندق.
قال أحد المسؤولين التنفيذيين في هذا القطاع: “يستعد القطاع بأكمله بشكل أساسي لحالة الركود الصيفي لتبدأ في وقت مبكر. الجميع يحاول السيطرة على تكاليف الموظفين ويأمل حدوث انتعاشة في الخريف”. وقد تحمّلت الإمارات، ودبي على وجه الخصوص، العبء الأكبر من الرد العسكري الإيراني ضد جيرانها في أعقاب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على النظام الإسلامي. فقد انهمر أكثر من 2000 صاروخ وطائرة مسيرة على أهداف عسكرية ومدنية إماراتية، مما تسبب في اضطرابات في المطار وضرب فنادق مثل “فيرمونت النخلة” و”العنوان ميناء خور دبي” (أدريس كريك هاربور).
انخفض معدل إشغال أماكن الإقامة في دبي من متوسط 90 في المائة خلال ذروة الموسم إلى حوالي 16 في المائة بحلول 17 مارس/آذار، وذلك وفقاً لشركة “لايتهاوس إنتيليجنس” التي تتتبّع بيانات الفنادق والإيجارات قصيرة الأجل. ووجدت الشركة أن أسعار شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار انخفضت بأكثر من 11 في المائة خلال الأسبوع الماضي، مقارنة بالأسبوع الذي سبق بدء الصراع.

قالت شركة “كيرزنر”، المشغلة لفندق “رويال ميراج”، إن الفندق يغلق أقساماً منه بشكل روتيني خلال فترات انخفاض الإشغال، مما يسمح للمنتجع بـ “خلق كفاءات تشغيلية” وإجراء أعمال الصيانة.
وقد ساعد استئناف الطيران المدني في إعادة ما يقدر بنحو 250 ألف سائح و25 ألف راكب ترانزيت إلى بلدانهم، والذين كانوا قد علقوا في الإمارات عند اندلاع الحرب. وتتكون النسبة الأكبر من الركاب القلائل المتواجدين على متن الرحلات القادمة من المغتربين (المقيمين) الذين علقوا في الخارج.
مع بدء عطلة عيد الفطر يوم الجمعة، كان أصحاب الفنادق يأملون زيادة الطلب على العطلات المحلية وتناول الوجبات في المطاعم من قبل غالبية المقيمين الذين بقوا في الإمارات. وقد أعيد افتتاح بعض الفنادق وحانة “باراستي” الشهيرة في مجمع “الميناء السياحي” الشاطئي، والتي تم إغلاقها بعد اندلاع الأعمال العدائية، وذلك قُبيل عطلة نهاية الأسبوع الطويلة.
على الرغم من هجمات الطائرات المسيرة على المطار، يعتقد المسؤولون في دبي أن إحياء رحلات الركاب والشحن أمر حيوي لاستدامة الاقتصاد خلال فترة الصراع، مما يسمح للمقيمين بالسفر كالمعتاد وللزوار بالعودة عندما يشعرون بالأمان الكافي للقيام بذلك.
خلال الجائحة، فرضت دبي إغلاقاً أكثر صرامة وفتحت اقتصادها بشكل أسرع من نظيراتها، مما عزز من جاذبيتها ودفع عجلة النمو الاقتصادي الاستثنائي على مدى السنوات الخمس الماضية، حيث حلقت أسعار العقارات محققة ارتفاعاً بأكثر من 60 في المائة حتى الشهر الماضي.
أما الآن، فقد تم منح العديد من الموظفين إجازات غير مدفوعة الأجر أو أُجبروا على أخذ إجازاتهم غير المستخدمة مبكراً. كما تم إبلاغ الموظفين الذين يقضون إجازاتهم خارج البلاد بعدم العودة. وتعتبر عمليات تسريح العمال نادرة الحدوث، حيث ترغب الشركات في الإبقاء على تأشيرات عمالها نشطة على أمل حدوث انتعاشة سريعة بمجرد انتهاء الحرب. ولا تزال الشركات تتكفل بتكاليف المعيشة الأساسية لعمالها، مثل السكن والطعام.
قال ديفيد سانشيز من منظمة “ميغرانتي ميدل إيست”، التي تمثل الفلبينيين العاملين في الخارج، بما في ذلك شريحة من المليون عامل فلبيني المتواجدين في الإمارات: “الوضع هنا يشبه الوضع الذي عشناه خلال الجائحة”.

قال نادل أفريقي في أحد فنادق وسط مدينة دبي إن ساعات عمل الموظفين قد خُفّضت إلى النصف بسبب تعثر المبيعات، وكذلك بسبب شهر رمضان. وأضاف النادل: “إذا عاد الازدحام ومواسم الذروة مرة أخرى، فسنعود جميعاً إلى العمل بشكل طبيعي – ولكنه وقت صعب حقاً”.
وحسب أنطونيو غونزاليس، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة “صن سيت للضيافة” ومقرها دبي، والتي تمتلك مطاعم وحانات ومرافق للياقة البدنية في الإمارات، فإن المجموعة تدرس “تقليص العمليات مؤقتاً” في منشآت معينة، واتخاذ “تدابير متعلقة بالقوى العاملة على المدى القصير” وإيجاد “ترتيبات عمل أكثر مرونة”.
كما تواجه المطاعم والنوادي الراقية، التي انتشرت في السنوات الأخيرة بالتزامن مع انتقال المغتربين الأثرياء إلى الإمارات، تراجعاً حاداً في الطلب. وقال مستثمران إن بعض سلاسل الأعمال ترسل موظفيها إلى أوروبا للعمل في مؤسسات شقيقة خلال فصل الصيف.

يتيح سوق العمل المرن في دولة الإمارات، والذي يُمكن أصحاب العمل من إنهاء وتعديل عقود العمل بسهولة، للشركات الحفاظ على السيولة النقدية ومواصلة العمليات خلال فترات طويلة من انخفاض الطلب، كما شوهد مسبقاً خلال الجائحة وأزمة الديون في دبي عام 2009. لكن جماعات حقوقية تقول إن العمال المهاجرين في الإمارات يعانون بالفعل من هشاشة اقتصادية، وغالباً ما يتحملون الديون لدفع رسوم توظيف غير قانونية – وهي ظاهرة تقول الإمارات إنها تحاول منعها ومكافحتها.
قالت جوي شيا من منظمة “هيومن رايتس ووتش”: “إن فقدان الوظائف، أو مطالبتهم بأخذ إجازة غير مدفوعة الأجر لفترات طويلة، سيعرضهم لمخاطر مالية حقيقية”. وستعتمد فرصة انتعاش هذا القطاع على إنهاء الحرب، وطبيعة العلاقات مع إيران في أعقابها. وقال أحد كبار مستشاري الأعمال: “إذا انتهى الأمر بوقف لإطلاق النار لا يحقق تسوية نهائية ويرجئ المشكلة لمواجهة أخرى مؤجلة، فسنظل نشهد انتعاشة، لكنها لن تتجاوز معدلات ما قبل الأزمة”.

يقر مستثمرو العقارات بأن عودة النخب الغربية فاحشة الثراء إلى المدينة سيستغرق بعض الوقت. وبدلاً من ذلك، قال المستشار إن القطاع قد يضطر إلى الاعتماد بشكل أكبر على النخب الطموحة من آسيا وأفريقيا. كما توقع أحد مستثمري الفنادق المقيمين في دبي أن أي انتعاش سيأتي من المسافرين الأقل ثراءً. وأضاف: “كنا نعتمد في السابق على سائق سيارة الأجرة الألماني الموشوم”.
وذكر المستثمر أن القطاع بشكل عام “قد يضطر إلى العودة إلى الشريحة الدنيا من السوق لفترة من الوقت. لكننا سنعيد البناء بدءاً من شهر سبتمبر/أيلول”. ويأمل المسؤولون في دبي أن تسمح الطبيعة الخارجية لهذا التهديد بانتعاش القطاع بشكل أسرع مقارنة بوجهات سياحية أخرى، مثل مصر وتونس، التي واجهت في السابق صدمات في حجم الطلب بعد حوادث إرهابية داخلية. وقال أحد المسؤولين: “هذه الأزمة ناجمة عن أحداث خارجية، وعندما يزول هذا السبب، سيشعر السياح بالأمان للعودة.. الناس ينسون بسرعة”.
المصدر: فاينانشال تايمز