• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“مدن الصواريخ” الإيرانية تحت الأرض.. ما حدود حمايتها؟

نون إنسايت٢٤ مارس ٢٠٢٦

بعض القواعد الإيرانية المحفورة في الجبال قد يصل عمقها إلى 500 متر تحت سطح الأرض

مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، تدعي تقييمات استخبارية غربية أن آلاف الغارات الجوية “نجحت” في مسح البنية التحتية السطحية للبرنامج الصاروخي الإيراني تقريبًا.

ومع ذلك، برزت مفارقة عسكرية لافتة، إذ لا تزال الصواريخ الباليستية تخرج من باطن الأرض، وإن كانت بوتيرة منخفضة بشدة مقارنة بالأيام الأولى للحرب، مما أعاد تسليط الضوء على ما تسمى “مدن الصواريخ” الإيرانية.

ما قصة “مدن الصواريخ”؟

ظهر مصطلح “مدينة الصواريخ” منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عندما كشف الحرس الثوري للمرة الأولى عن شبكة أنفاق عميقة تُخزَّن فيها الصواريخ الباليستية ويُطلَق بعضها منها.

ومنذ البداية، حمل هذا الكشف وظيفة ردعية وإعلامية معًا، إذ روّجت طهران لفكرة امتلاك منشآت تحت الأرض في كل محافظة.

ومع الوقت، لم يعد المصطلح يشير إلى نموذج واحد ثابت، بل إلى طيف من المنشآت المختلفة في الشكل والوظيفة، فبعضها مخازن وأنفاق نقل فقط، وبعضها يضم منصات إطلاق وغرف تحكم داخل الجبل.

فيما خُصصت مواقع ساحلية مثل جزيرة قشم لإيواء صواريخ كروز مضادة للسفن في سياق يرتبط بقدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.

وحتى اندلاع الحرب الحالية، كانت التقديرات الغربية والإسرائيلية تشير إلى نحو 24 موقعًا صاروخيًّا في غرب إيران موزعة على مجمعات من الأنفاق، كما أكد مراسلون غربيون وجود خمسة مواقع معروفة على الأقل في كرمنشاه وسمنان وعلى مقربة من الخليج.

ودفعت الضربات الإسرائيلية على المواقع فوق الأرض عام 2024 طهران إلى مضاعفة الاستثمار في المنشآت تحت الأرض لتقليل تعرضها للهجمات.

صور أقمار صناعية تُظهر قاعدة شيراز الجنوبية للصواريخ قبل إعادة الإعمار، 3 يوليو 2025 (يسار) وبعد إعادة الإعمار وجهود إزالة الأنقاض 30 يناير 2026 (يمين)

ورغم اختلاف الأحجام، تتشابه “مدن الصواريخ” في عناصرها الأساسية، فبحسب تقدير صادر عن المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي “JINSA”، تتموضع هذه المجمعات غالبًا في التضاريس الجبلية غرب إيران، وتضم مداخل متعددة تسمح للمركبات بإدخال وإخراج منصات الإطلاق بسرعة.

وفي المجمعات الأكبر، مثل أخدود كونش قرب كرمنشاه، تمتد عشرات الأنفاق ويصل طول بعضها إلى كيلومتر أو أكثر، وتحتوي على قاعات تخزين لمرابض الصواريخ المتحركة، إلى جانب مركبات أخرى مخصصة للرؤوس الحربية والوقود.

وفي حاجي آباد بمحافظة هرمزغان، كشف ذات التقرير عن حاضنات صواريخ دوارة تتيح إعادة التحميل بسرعة، بما يوفر قدرة على الإطلاق السريع والمتواصل.

كما أشارت تقارير غربية إلى أن بعض القواعد المحفورة في الجبال قد يصل عمقها إلى 500 متر تحت سطح الأرض، وتضم مخازن ومنصات إطلاق لصواريخ مثل شاهب-3 وسجيل وخرمشهر، وهو عمق يصعّب استهداف التجويف الداخلي بالقنابل الخارقة للتحصينات، لكنه لا يمنع ضرب المداخل.

وفي المقابل، وجّه خبراء أمنيون انتقادات إلى تصميم بعض هذه المنشآت، لأن تخزين الصواريخ ورؤوسها الحربية في أنفاق طويلة متصلة من دون أقسام عزل أو أبواب مقاومة للانفجارات قد يحول أي اختراق ناجح إلى سلسلة انفجارات داخلية.

كذلك تُظهر مواد منشورة في الإعلام الإيراني قواعد بحرية تحت الأرض قرب مضيق هرمز يُعتقد أنها متصلة بمرابض ساحلية لإطلاق صواريخ كروز على السفن، بما يزيد صعوبة اكتشافها من الجو.

ومع ذلك، ترى مصادر غربية مثل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية أن جزءًا من هذه الصورة يدخل في نطاق الحرب النفسية، وأن كثيرًا من الأنفاق ما يزال موقعه ووظيفته الدقيقة غير معروفين.

ما حدود حمايتها؟

رغم كل التدابير الدفاعية، تُظهر الهجمات الأخيرة أن تصميم “مدن الصواريخ” لا يحمي كل شيء بالدرجة نفسها، فالمرافق المساندة خارج الجبل، مثل مخازن الوقود ومحطات التزويد ووسائل النقل، تظل مكشوفة نسبيًّا.

كما أن المعضلة الأساسية ليست دائمًا في اختراق الجبل نفسه، بل في شل استخدامه، إذ يمكن للطائرات المسيّرة والقنابل الذكية أن تغلق المداخل أو تدمر منصات الإطلاق المتحركة ومرافق التموين، ما قد يكفي لتعطيل القدرة على إطلاق الصواريخ دون الحاجة لتدمير التجويف الداخلي.

ويحذر محللون من أن تدمير المدخل الرئيسي قد يحوّل المنشأة إلى قبر للصواريخ والعربات، ومؤخرًا لاحظت وكالة رويترز أن إيران دفنت أنفاقًا حول منشآت نووية مثل أصفهان ونطنز لامتصاص الضربات، ما يجعل الدخول إليها صعبًا لكنه قد يؤدي أيضًا إلى عزل المحتويات.

كذلك فإن طول الأنفاق وتعددها يجعل استخدامها سيفًا ذا حدين، إذ قد تتسبب الهجمات الدقيقة في انهيارات داخلية، وتقطع خطوط الإمداد، وتحاصر العربات. مع ذلك، فإن تعطيل المنشأة لا يعني بالضرورة تدميرها الكامل.

فبحسب خبراء في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS”، فإن “صيد الصواريخ” من الجو مهمة بالغة التعقيد. وحتى لو تمكنت القنابل الخارقة للتحصينات من إحداث ضرر، فإن تحديد ما إذا كانت المنشأة قد انهارت كليًّا يتطلب غالبًا عمليات برية.

ويعترف جيش الاحتلال الإسرائيلي أن ضرب المرافق تحت الأرض أصعب بكثير من تدمير قواعد سطحية، لأنه يحتاج إلى معرفة دقيقة بالمداخل والمخارج، كما أن استهداف الأنفاق يتطلب تكرار الضربات لتقليل قدرة العدو على إعادة فتحها.

ويزداد التعقيد لأن اختراق الأعماق الكبيرة يتطلب استخدام قنابل خارقة للتحصينات مثل “GBU-57″، وهي محدودة العدد. ويعود ذلك إلى طبيعة التصميم نفسه الذي يعتمد على مبدأين أساسيين:

  • الدفن: يقوم على استغلال التضاريس الصخرية لامتصاص موجة التفجير
  • التوزيع: يعني نشر الترسانة في مواقع مختلفة لمنع ضربة واحدة من القضاء عليها.

وتُحفر المداخل في جوانب الجبال، وغالبًا ما تكون مموهة بأبواب صخرية أو ممرات ملتوية، كما تبني إيران مداخل فرعية مخفية تُستخدم عند الضرورة، وتُجهز الأبواب بذراع تحكم عن بعد وتُدعم بجدران فولاذية سميكة.

يزداد التعقيد لأن اختراق الأعماق الكبيرة يتطلب استخدام قنابل خارقة للتحصينات مثل “GBU-57”

وداخل هذه الشبكات، توجد طرق جانبية تسمح بحركة المركبات، إلى جانب غرف قيادة ومخازن للمؤن ووقود الصواريخ. وتشير صحيفة إلباييس الإسبانية إلى وجود أنظمة تهوية قوية لمنع تراكم غازات العادم ومنع الأقمار الصناعية من كشف حرارة المحركات.

وعقب ضربات 2025-2026، أظهرت صور أقمار صناعية أن إيران ردمت مداخل أنفاق في منشآت نووية وصاروخية، وأضافت مصدات خرسانية فوق بعضها.

وذكرت رويترز أن إيران بنت بعد 2024 قبّة خرسانية ضخمة فوق إحدى المنشآت لتغطية فتحة جديدة، في محاولة لامتصاص أثر القنابل وتحويل قوة التفجير إلى الجوانب.

ماذا كشفت حرب 2026؟

مع بدء الحرب الحالية، تركّز القصف الأمريكي الإسرائيلي في أيامه الأولى على منشآت إطلاق وتخزين الصواريخ في غرب وشمال إيران.

وكشف تقرير لمركز ألما البحثي الإسرائيلي إلى أن قواعد خورغو وأصفهان وخرم آباد وتبريز تعرضت لضربات كثيفة دمرت مداخلها ومرافقها السطحية، وأن قاعدة تبريز كانت تضم شبكة أنفاق سابقة أعيد استخدامها بعد إصلاحها عام 2025.

وأظهرت صور أقمار صناعية نشرها راديو أوروبا الحرة أن مداخل الأنفاق في قاعدة تبريز الشمالية قد انهارت بالكامل بعد ضربات في الأول من مارس، في محاولة واضحة لمنع إيران من إطلاق الصواريخ.

ورصدت وكالة ACLED للبيانات استخدام القوات الأمريكية قاذفات B‑1 وB‑2 لضرب “منشآت صاروخية محصنة تحت الأرض” خلال الأسبوع الأول من الحرب، بينما استهدفت غارات أخرى مخازن ومنصات في نحو 26 محافظة.

بحلول الأسبوع الثالث، تراجعت وتيرة إطلاق الصواريخ والمسيرات الإيرانية نحو “إسرائيل” ودول الخليج بعدما دُمّرت بعض مواقع الإطلاق والبنية التحتية، وفق رويترز.

وأضافت أن جيش الاحتلال الإسرائيلي أعلن للمرة الأولى أنه ضرب “موقعًا تحت الأرض” لتخزين الصواريخ، وهو اعتراف بأن الحرب دخلت عمق شبكة الأنفاق.

يتصاعد الدخان عقب قصف إسرائيلي أمريكي على طهران في 5 مارس (رويترز)

وادعت وزارة الحرب الأمريكية أن معدل إطلاق الصواريخ الباليستية انخفض بنسبة تقارب 90% مقارنة بالأيام الأولى للحرب بعد تدمير منصات الإطلاق والدعم اللوجستي، وأن إيران اضطرت لاستخدام مزيد من الطائرات المسيّرة لتعويض النقص.

ومن منظور إستراتيجي، غيرت “مدن الصواريخ” شكل التهديد الإيراني في السنوات الأخيرة، فبنقل الترسانة إلى باطن الجبال وتوزيعها في شبكة متشعبة، صعّبت إيران مهمة القضاء على ترسانتها العسكرية.

إذ توفر هذه المنشآت قدرة صمود بعد الضربة الأولى وتمنح القيادة الإيرانية ثقة أكبر في ردها الثاني، وهو ما عزز الردع ضد خصومها. كما أن وجود قواعد تحت الأرض قرب مضيق هرمز يسمح بتهديد الملاحة وبالتالي رفع تكلفة أي هجوم، إلا أن الحرب الحالية أبرزت حدود هذه المعادلة للأسباب التالية:

1- ليست كل المنشآت مجهولة، فقد كانت المصادر الغربية تعرف بوجود مواقع في كرمنشاه وسمنان والخليج، وأخرى حددتها الأقمار الصناعية.

2- القدرة على ضرب المرافق المساندة والمداخل أثبتت أن إعاقة الاستخدام العملياتي قد تكفي لتعطيل الصواريخ دون الحاجة إلى تدمير الأنفاق.

3- تصميم بعض الأنفاق قد يكون نقطة ضعف إذا أدى اختراق واحد إلى انفجار متسلسل.

4- تكلفة إعادة البناء كبيرة، فقد ذكرت رويترز أن إيران سارعت إلى إصلاح بعض الأنفاق بعد ضربها، لكنها احتاجت إلى جهد هندسي وزمني كبير.

وأخيرًا، يعتقد مراقبون أن تفوق الولايات المتحدة و”إسرائيل” في الاستخبارات والاستطلاع يسمح بمتابعة حركة منصات الإطلاق والتنصت على الاتصال، ما يقلل من عنصر المفاجأة ويجعل استخدام “مدن الصواريخ” جزءًا من حرب سريعة التغير، لا ملاذًا آمنًا مطلقًا.

علاماتأمريكا وإيران ، التوتر بين إيران وأمريكا ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران ، الحرس الثوري الإيراني
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

قد يعجبك ايضا

سياسة

“نحن أمام مرحلة مختلفة تمامًا عما عشناه من قمع” .. حوار مع الروائي جان دوست

علي مكسور٢٤ مارس ٢٠٢٦
سياسة

بعد تفكيك الهول وتحرير الجزيرة.. هل ينجح داعش في إعادة بناء شبكاته؟

زين العابدين العكيدي٢٤ مارس ٢٠٢٦
سياسة

ما وراء فوضى ترامب العالمية الجديدة؟

دانيال إيمروار٢٤ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑