أحدثت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران زلزالًا طاقويًّا أعاد إلى الواجهة ذاكرة السبعينيات، لكن بأرقام أشد قسوة من الأزمات الكبرى في تاريخ النفط العالمي.
فقد صرّح فاتح بيرول المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أدّت إلى تعطّل نحو 11 مليون برميل يوميًّا من المعروض النفطي، ما يعادل “أزمتي النفط الرئيسيتين في السبعينيات وأزمة الغاز عام 2022 بعد الحرب الروسية الأوكرانية مجتمعة”.
وأضاف أن نحو 140 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي تعطلت بسبب الحرب، وأن نحو 40 أصلًا طاقويًا تضرّر أو تعطل، فاضطرّت الوكالة إلى إطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطيات لتخفيف النقص.
كيف نقيس أزمة نفط؟
يمكن قياس قوة الأزمة النفطية من خلال ثلاثة عناصر:
أولًا: حجم الإمدادات المفقودة أو المعطلة (بالبرميل يوميًا)، إذ تختلف بين الإنتاج المتوقف والصادرات المعرقلة والتدفقات المهددة.
ثانيًا أثر الأسعار، فالصدمات ترفع الأسعار بصورة سريعة، لكن حجم الارتفاع يختلف حسب المخزون والسياسات.
ثالثًا طرق الاحتواء؛ فالدول المستهلكة قد تلجأ إلى الإفراج عن المخزونات الإستراتيجية أو ترشيد الطلب أو إيجاد بدائل لإخماد الأزمة.
واعتمادًا على هذه المعايير، نستعرض أهم الأزمات النفطية الحديثة.
أزمة ما بعد حرب أكتوبر 1973
اندلعت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 بين مصر وسوريا من جهة و”إسرائيل” من جهة أخرى. واحتجاجًا على دعم الولايات المتحدة لـ”تل أبيب”، قرّر أعضاء منظمة أوبك العربية (أوبك +) فرض حظر نفطي وتقليص الإنتاج 5 ٪ فورًا ثم 5 ٪ شهريًّا.
وخلُصت وثائق أمريكية إلى أن ذلك حرم الولايات المتحدة من 2 – 3 ملايين برميل يوميًّا وأن النقص لدى الدول المحظورة بلغ 4.5 ملايين برميل يوميًّا. وكان السعر قبل الأزمة نحو 2.90 دولار للبرميل وقفز إلى 11.65 دولار بحلول يناير/كانون الثاني 1974.

ولمواجهة الأزمة، فعّلت الولايات المتحدة خطط تقنين الوقود، ودفعت الصناعة إلى التحول إلى الفحم، وعزّزت الإنتاج المحلي، وأسست الدول المستهلكة وكالة الطاقة الدولية في 1974 لتنسيق السياسات المستقبلية.
أزمة ما بعد الثورة الإيرانية 1978‑1979
أدت إضرابات عمال النفط وسقوط الشاه في إيران إلى انهيار الإنتاج، فبحلول يناير/كانون الثاني 1979 تراجع الإنتاج الإيراني بـ4.8 ملايين برميل يوميًّا، أي ما يعادل 7٪ من المعروض العالمي.
أثار هذا النقص موجة مضاربة واحتكار، فارتفع السعر بأكثر من الضعف بين أبريل/نيسان 1979 ونفس الشهر من عام 1980.
وفي الولايات المتحدة تغذى التضخم على صدمة الأسعار، فتبعته سياسة نقدية متشددة بقيادة الاحتياطي الفيدرالي، ما دفع الاقتصاد نحو ركود حاد.
واستجابت الدول المستهلكة عبر زيادة الإنتاج من بحر الشمال والمكسيك وترشيد الطلب، ما ساعد على تعويض جزء من النقص واستقرار السوق.
أزمة حرب إيران والعراق 1980‑1981
في سبتمبر/أيلول 1980 اندلعت حرب إيران والعراق وتضمنت هجمات على حقول النفط والموانئ والتصدير في البلدين. وفي ظل استمرار آثار الثورة الإيرانية، قلّصت الدول الخليجية الأخرى إنتاجها لضبط الأسعار.
وتشير وكالة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الناتج الإجمالي لـ”أوبك” انخفض في 1981 إلى نحو ثلاثة أرباع مستوى 1978، أي تراجع بحوالي ربع الإنتاج، ما يعني انخفاضًا بملايين البراميل يوميًّا.
وأدى ذلك إلى مضاعفة الأسعار خلال هذه الفترة، لكن المخزونات الكبيرة وضعف الطلب بسبب الركود منع تكرار صدمة 1979. فقد لاحظ تقرير للبنك الدولي أن الأسواق استقرت بحلول أواخر 1980 لأن الدول الصناعية تجنبت شراء كميات كبيرة في السوق الفورية وتراجعت الطلبات بفعل الركود.
وساعد تنسيق أوبك على الحفاظ على الأسعار، بينما زادت دول كالسعودية والإمارات إنتاجها لاحقًا لتفادي نقص كبير.
أزمة ما بعد غزو الكويت 1990‑1991
في أغسطس/آب 1990 اجتاحت العراق دولة الكويت، ففرضت الأمم المتحدة حظرًا شاملًا على صادرات النفط العراقية والكويتية.
أدت هذه الإجراءات إلى حذف نحو 4.3 ملايين برميل يوميًّا من السوق العالمية – تشمل 3.1 ملايين برميل يوميًّا كان ينتجها العراق ويصدّر منها 2.7 ملايين برميل يوميًّا، إضافة إلى 1.8 مليون برميل يوميًّا إنتاج الكويت.

وارتفعت أسعار خام برنت من حوالي 17 دولارًا للبرميل في يوليو/تموز 1990 إلى 36 دولارًا في أكتوبر/تشرين الأول.
وتحركت وكالة الطاقة الدولية، حيث فعَّلت خطة الاستجابة الطارئة المنسقة والتي شملت استعدادًا لتوفير 2.5 مليون برميل يوميًّا عبر تحرير المخزونات وترشيد الطلب. ومع بدء عملية “عاصفة الصحراء” وانتهاء الحرب، عادت الإمدادات تدريجيًّا واستقرت الأسعار.
أزمة ما بعد حرب أوكرانيا 2022
في فبراير/شباط 2022 غزت روسيا أوكرانيا، فأثار ذلك أزمة طاقة عالمية لأن موسكو كانت أحد أكبر المصدرين للنفط والغاز. لم يتوقف التصدير بشكل كامل، لكن المخاوف والعقوبات الغربية أدت إلى نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.
تشير رويترز إلى أن أسعار النفط قفزت بأكثر من 50 % خلال أسابيع، مسجلة أعلى مستوياتها منذ 2008. ورداً على ذلك أمر الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بإطلاق 180 مليون برميل من الاحتياطي الإستراتيجي على مدى ستة أشهر.
لاحقًا فرضت الدول الغربية سقفًا لأسعار صادرات النفط الروسية للإضرار بالعائدات الروسية مع إبقاء الخام في السوق. ورغم استمرار تدفق الصادرات الروسية عبر مسارات جديدة، أدت مخاوف الإمدادات إلى إعادة هيكلة السوق وزيادة الاعتماد على منتجين آخرين.
أزمة ما بعد الحرب على إيران 2026
نهاية فبراير/شباط 2026 شنّت الولايات المتحدة و”إسرائيل” حربا واسعة على إيران، فاستهدفتا منشآت بحرية وموانئ صادرات، وأعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز.
وفق وكالة الطاقة الدولية، تسبب ذلك في أكبر اضطراب للإمدادات النفطية في التاريخ، حيث تراجع المعروض العالمي بنحو 8 ملايين برميل يوميًّا خلال مارس/آذار بسبب غلق المضيق وخفض الدول الخليجية لإنتاجها بأكثر من 10 ملايين برميل يوميًّا.
لكن فاتح بيرول أوضح في 23 مارس/آذار أن الخسائر الفعلية وصلت إلى 11 مليون برميل يوميًّا – أكثر من صدمتي السبعينيات مجتمعتين – إضافة إلى 140 مليار متر مكعب من الغاز. ودفع هذا النقص أسعار خام برنت إلى 119.50 دولارًا للبرميل، قبل أن تتراجع إلى حوالي 97 دولارًا.
وللتخفيف، أطلقت الوكالة الدولية للطاقة 400 مليون برميل من الاحتياطيات، وبدأت التنسيق مع منتجين ككندا والمكسيك لزيادة الإنتاج، كما تحركت الدول الأوروبية والآسيوية لتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الخام الإيراني.