منذ قيامها عام 661م، حكمت الدولة الأموية فضاءً جغرافيًا هائلًا امتد من الأندلس غربًا إلى تخوم الهند وآسيا الوسطى شرقًا، ومن القوقاز شمالًا إلى أفريقيا جنوبًا، وشمل هذا الفضاء سكانًا كثيرين ومتنوعين، كالعرب والفرس والأمازيغ والترك والقبط والسريان، إضافة لجماعات دينية متنوعة كالمسيحيين واليهود والزرادشتيين والبوذيين والمندائيين والمانويين.
ورغم انتشار الإسلام تدريجيًا، ظل المسلمون أقلية صغيرة في الأراضي التي حكموها، وتشير التقديرات التي أوردها الباحث أندرو مارشام في كتابه “الإمبراطورية الأموية” إلى أن أكثر من 90% من سكان الدولة الأموية حتى أواخر عهدها لم يكونوا من أصل عربي ولا يدينون بالإسلام.
وأمام هذا الواقع الديموغرافي المعقد يبرز سؤال جوهري، كيف تمكنت الدولة الأموية من إدارة إمبراطورية واسعة ضمت شعوبًا وأديانًا وثقافات متعددة؟ وهل اعتمد الأمويون على سياسات إقصائية تجاه الأديان والطوائف الآخرى؟
في هذا التقرير من ملف “إرث بني أمية”، نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال تتبع سياسات الدولة الأموية في إدارة التنوع الديني والعرقي، واستعراض نماذج من علاقتها بالطوائف الدينية المختلفة.
نظام الذمة: إدارة التعدد الديني في الدولة الأموية
امتدت سياسة الدولة الأموية في التعامل مع غير المسلمين من النهج الذي أرساه الرسول ﷺ والخلفاء الراشدون في تنظيم العلاقة مع أهل الديانات الأخرى، واستندت هذه العلاقة إلى نظام الذمة، وهو عقد يقوم على العهد والأمان، يُمنح بموجبه اليهود والنصارى والصابئة المقيمون في دار الإسلام الحماية على أرواحهم وأموالهم وحرية ممارسة شعائرهم الدينية، مقابل دفع الجزية.
وقد أتاح هذا النظام لأهل الذمة قدرًا واسعًا من الحرية الدينية والاجتماعية، فتمكنوا من ممارسة شعائرهم وإدارة شؤونهم الدينية عبر مؤسساتهم ومحاكمهم الخاصة، كما شاركوا في النشاط الاقتصادي في مختلف المهن، ومنح الخلفاء الأمويون رؤساء الجماعات الدينية امتيازات عدة، كالإشراف على جباية الضرائب، كما تولى عدد من أهل الذمة مناصب عليا في الدولة، وهو ما سنعرض له لاحقًا.
وفي ظل هذا الإطار التنظيمي، انقسم سكان الدولة الأموية إجمالًا إلى أربع فئات رئيسية، العرب الذين شكلوا النخبة الحاكمة، والموالي وهي طبقة تشكلت على إثر الفتوحات الإسلامية، وأهل الذمة من أتباع الديانات الأخرى، إضافة إلى الأرقاء أو العبيد.
المسيحيون في الدولة الأموية
تمكنت مختلف الطوائف المسيحية خلال العصر الأموي من العيش في وئام، وتمتعوا بحرية في إدارة شؤونهم الداخلية، وشاركوا في أغلب الأعمال الإدارية بالدولة، فكان منهم الكتاب وقادة الدواوين والأطباء والسكرتريون في البلاط الأموي.
أما موقف المسيحيين أنفسهم من الدولة الأموية، فقد تبنى مسيحيو الشام ومنطقة الهلال الخصيب الهوية الحضارية والثقافية للحضارة العربية الإسلامية في العصر الأموي، إذ كانوا من المشاركين في تشكيلها والإسهام في مؤسساتها، ولم ينظروا إلى أنفسهم كغرباء داخل خلافة أجنبية، ولا بوصفهم رعايا معزولين أو أقليات هامشية، وقد اعتبروا أن الحكم الأموي خلصهم من الحكم البيزنطي والساساني كما يشير الباحث نجيب جورج عوض.
وفي دراسته “العيش معًا: التصورات الاجتماعية والتفاعلات المتغيرة للعرب وغيرهم من الجماعات الدينية خلال العصر الأموي”، يروي فريد إم. دونر أن معاوية بن أبي سفيان منذ توليه ولاية الشام عام 639م، كانت بينه وبين المسيحيين ود وألفة، فقد ربطته علاقات وثيقة مع قبيلة كلب المسيحية، بل إن معاوية موّل من جيبه الخاص إعادة بناء كنيسة في مدينة أديسا، وكان زعيم المسيحيين بدمشق هو نفسه طبيب معاوية.
وتشير بعض الروايات إلى انفتاح معاوية بن أبي سفيان على نقاشات دينية مع المسيحيين، ففي دراسته “عائلة المنصور والقديس يوحنا الدمشقي: المسيحيون والمسلمون في العصر الأموي”، يروي سيدني غريفيث البروفيسور بالجامعة الكاثوليكية الأمريكية احتكام الموارنة والسريان الأرثوذكس سنة 659م إلى معاوية في خلافٍ حول طبيعة اتحاد المسيح، فأقر معاوية رأي الموارنة.
ويشير المؤرخ السرياني جون بار بانكاي الذي كتب في أواخر القرن السابع الميلادي إلى أن معاوية حقق سلامًا واسعًا في المناطق المسيحية التي حكمها، وترك لكل أحد حرية البقاء على ما يشاء من الدين، وعلى حد تعبير المؤرخ: “عندما حكم معاوية، عم السلام العالم بأسره، سلام لم نسمع بمثله قط، ولم نرَ مثله، ولا آباؤنا ولا أجدادنا”.
وحوالي عام 661م، عندما بويع معاوية في القدس، زار عددًا من المواقع المسيحية، منها كنيسة جثسيماني وقبر مريم وجبل الجلجثة، ويُقال إنه زار أيضًا كنيسة القيامة وكنيسة الصعود. وبعد وفاته، لم يغير يزيد الأول (680–683) السياسة المتبعة تجاه المسيحيين.
وعقب وفاة يزيد ثم معاوية الثاني، اندلع صراع على الخلافة، وشجع حسن بن مالك زعيم قبيلة كلب المسيحية قادة الأمويين على مبايعة مروان بن الحكم، وكان لقبيلة كلب دور مهم في تثبيت الحكم الأموي خلال تلك المرحلة.
ولم يقتصر دور المسيحيين على التأثير السياسي فحسب، بل امتد إلى الإدارة والاقتصاد، فقد اتخذ سليمان عبد الملك (715–717م) لنفسه كاتبًا نصرانيًا يُدعى البطريق بن النقا، وعينه ناظرًا على مشاريع البناء في الرملة.
ورغم أن الخليفة عمر بن عبد العزيز (717–720م) حاول الحد من تقلد أهل الذمة لبعض المناصب في الدولة، إلا أنه لم يفعل ذلك تعصبًا ضدهم، بل ضمن لهم حرية ممارسة جميع الأنشطة الاقتصادية والتجارية والزراعية، وحققوا من وراء ذلك أرباحًا طائلة.
في الواقع، خلال فترة حكمه القصيرة، اتخذ عمر بن عبد العزيز إجراءات خففت عن الذميين الأعباء المالية، من بينها تخفيض الجزية، ووضع الجزية عمن أسلم، حيث كان بعض ولاة بني أمية في الأمصار يعمدون أخذها كي لا تنقص موارد بيت المال، فأبطلها عمر بن عبدالعزيز لتنافيها مع التشريع الإسلامي، وقد تجلت سياسة ذلك الخليفة تجاه الذميين في كتابه إلى عامله على البصرة عدي بن أرطاة، حيث قال له: “انظر أهل الذمة فأرفق بهم، وإذا كبر الرجل منهم وليس له مال فأنفق عليه”.
واللافت أن عمر بن عبد العزيز يُذكر في المصادر المسيحية بأنه كان له تأثير إيجابي على المسيحيين، فقد وصفه كتاب التاريخ السرياني لعام 819م قائلًا: “حكم عمر بن عبد العزيز لمدة سنتين وسبعة أشهر، وكان رجلًا صالحًا وملكًا أرحم من جميع الذين سبقوه”، كما يصفه بطريرك اليعاقبة في ذات الفترة بأنه “رجلًا رحيمًا، محبًا للحق والعدل، ومتجنبًا للشر”.
وفي دراستها الفن المسيحي والثقافة البصرية في بلاد الشام الأموية، توضح بسمة حمارنة أن المجتمعات المسيحية ازدهرت خلال العصر الأموي، وأن الحكام الأمويون اعتبروهم إخوة لهم. كما تشير بعض الروايات إلى استمرار التواصل بين المسيحيين في الدولة الأموية ونظرائهم خارجها، كمشاركة ممثلين من دمشق في مجمع القسطنطينية بين عامي 680 و681.
وتُظهر النقوش والشواهد الأثرية في العهد الأموي استمرار العناية بالكنائس، إذ كانت هناك أعمال بناء وترميم واسعة للكنائس خلال القرن السابع وبداية الثامن، ويشهد على ذلك إقامة ما لا يقل عن إحدى عشرة كنيسة بدمشق في عهد معاوية بن أبي سفيان (661-680) وعبد الملك بن مروان (685-705).
كما يذكر المؤرخ المقريزي أنه تم بناء كنيسة مار مرقس في الإسكندرية بين عامي 676–679م، وعندما أنشأ والي مصر عبد العزيز بن مروان مدينة حلوان بمصر، سمح ببناء كنيسة عرفت باسم “كنيسة الفراشين”. كذلك حينما أصبحت كميات الماء غير كافية لسد حاجة دير هند الصغرى في الحيرة، أمر والي الكوفة بشر بن مروان بن الحكم بحفر قناة من نهر الفرات لتوفير الماء اللازم للدير.
علاوة على ذلك، كانت هناك أيضًا مجتمعات مسيحية كبيرة في مختلف الأقاليم المفتوحة، سواء في الأراضي الرومانية السابقة أو الأراضي الساسانية السابقة، بجانب أفريقيا وحوض البحر المتوسط، مثل النوبيين والأكسوميين في شرق أفريقيا، والقوط الغربيين، إضافة إلى الجورجيين والأرمن والألبان في القوقاز، ولم تختلف معاملة الأمويين لهذه الجماعات كثيرًا عن تعاملهم مع مسيحيي بلاد الشام.
ومهما بلغ الحكم الأموي من توتر مع المسيحيين في بعض الفترات، فمن المضلل افتراض أنه كان ممنهجًا، وفي دراسته “العيش معًا”، يميز فريد إم. دونر بين مرحلتين في علاقة الأمويين بالمسيحيين، تمتد المرحلة الأولى من بداية الحكم الأموي حتى عام 692، واتسمت بسياسة متساهلة سمحت بحضور واسع للمسيحيين في الإدارة الأموية.
أما المرحلة الثانية فبدأت في عهد عبد الملك بن مروان، حيث اتجهت الدولة إلى إبراز هويتها الإسلامية والعربية في مؤسساتها، لكن ذلك لم يقطع علاقاتها بالمسيحيين، إذ استمر عبد الملك في تعيين مسيحيين كبار في مناصب إدارية مهمة، مثل منصور بن سرجون رئيسًا لجهازه الإداري في دمشق، وأثناسيوس رئيسًا فعليًا للإدارة في مصر نيابةً عن أخيه عبد العزيز.
ولما أنشئت دار السكة الإسلامية في عهد عبد الملك، كان يعمل فيها كثير من العمال الذميين لخبرتهم في شؤون المال، وقد ظلت الإدارة المالية بدمشق حكرًا على أسرة سرجون حتى عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، وقد تعلم بعض الذميين اللغة العربية ليستمروا بممارسة الأعمال الإدارية بعد تعريب دواوين الدولة في عهد الخليفة عبدالملك بن مروان.
ويلاحظ الباحثون أن القبائل المسيحية العربية ظلت حاضرة في الحياة السياسية والثقافية خلال العصر الأموي، مثل بني كلب وتنوخ وتغلب، وكان الشاعر التغلبي المسيحي الأخطل من أبرز شعراء البلاط في عهود يزيد ومروان وعبد الملك، وكان يلقب بشاعر بني أمية.
اليهود.. من الاضطهاد إلى الاستقرار
في القرنين السادس والسابع الميلاديين كانت بلاد الشام أحد المراكز الرئيسة لليهودية، إذ عاشت جماعات يهودية كبيرة في مدن كطبريا والجولان والقدس وأريحا، كما عاش آلاف اليهود في مصر ولا سيما بالإسكندرية مثلما يذكر أندرو مارشام في كتابه الإمبراطورية الأموية.
لكن هذه المجتمعات اليهودية واجهت ضغوطًا متزايدة في ظل الحكم البيزنطي، كما تفاقم التوتر بين اليهود والمسيحيين خلال الحروب البيزنطية-الساسانية في أوائل القرن السابع، حيث تشير بعض المصادر إلى مشاركة جماعات يهودية في بلاد الشام إلى جانب القوات الفارسية ضد الحكم البيزنطي، ولا سيما خلال الغزو الساساني للقدس سنة 614م.
وبعد أن استعاد الإمبراطور البيزنطي هرقل للقدس نحو عامي 629–630م، تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن اليهود تعرضوا لإجراءات انتقامية، كطردهم من القدس، كما تذكر بعض الروايات أن هرقل أصدر مرسومًا يقضي بتعميد جميع اليهود في الإمبراطورية قسرًا.
تغيير هذا الواقع مع الفتوحات العربية في منتصف القرن السابع الميلادي، إذ توقفت موجات الاضطهاد المفروضة على اليهود في العهد البيزنطي، وتشير الأدلة التاريخية إلى استمرار نشاط المعابد اليهودية في بلاد الشام خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، كما احتفظت الجاليات اليهودية في مدن مثل الإسكندرية وغيرها بحقوقها الدينية والاجتماعية التي نصت عليها معاهدات الاستسلام التي أُبرمت مع المسلمين.
وعلى سبيل المثال، كان عامل الخليفة هشام على العراق خالد بن عبد الله القسري (723-738م) متسامحًا مع اليهود. ويورد المؤرخ البلاذري في كتابه “فتوح البلدان” نص معاهدة القائد حبيب بن مسلمة لأهل دبيل (ديفين) التي كانت آنذاك من أهم المراكز الحضرية في أرمينيا، والتي منح فيها الأمان للنصارى والمجوس واليهود، وجاء في نصها:
“هذا كتاب من حبيب بن مسلمة لنصارى أهل دبيل ومجوسها ويهودها شاهدهم وغائبهم، إني أمنتكم على أنفسكم وأموالكم وكنائسكم وبيعكم وسور مدينتكم فأنتم آمنون وعلينا الوفاء لكم بالعهد ما وفيتم وأديتم الجزية والخراج، وكفى باللَّه شهيدًا”.
وتصور بعض النصوص اليهودية المتأخرة من العصر الأموي الحكام الأمويون بوصفهم منقذين من القمع البيزنطي، حتى إن بعض الروايات اليهودية تشير إلى أن اليهود في عدد من المدن استقبلوا الجيوش الأموية بحفاوة.
ففي الأندلس التي فتحها الأمويون سنة 711م، تشير بعض الدراسات إلى أن اليهود تعاونوا مع القادة المسلمين، ودعموا حملات الفتح نكاية في حكم وحكام ملوك القوط الإسبان، وحين تمكنت الأسرة الأموية من تأسيس إمارة قرطبة سنة 756م، تمتع اليهود بحقوق مشابهة لحالة أهل الذمة في المشرق.
ومع استقرار الدولة الأموية في قرطبة وازدهار الحياة المدنية والثقافية خلال القرنين التاسع والعاشر، بدأ اليهود يشغلون مناصب سياسية وإدارية مرموقة، وأصبحوا مستشارين ووزراء، كما ازدهرت الحياة العلمية والثقافية اليهودية في هذه الفترة.
إدارة التنوع الديني والعرقي في بلاد فارس وآسيا الوسطى
سمح توقيع اتفاقيات الاستسلام لسكان الأراضي المفتوحة حديثًا بمواصلة حياتهم كما كانت من قبل، وقد اعتمد الأمويون بعد سقوط الإمبراطورية الساسانية على النخب الفارسية لإدارة الضرائب والأراضي.
وفي دراسته أمراء الفرس والأمويون، يذكر تورج دریایی أن الأدلة الأثرية من فارس وسيستان تكشف عن مرونة الأمويين في حكم الهضبة الفارسية، إذ لم تكن سياساتهم قاسية كما تصورها كتب التاريخ الفارسي الحديثة، بل سعى الأمويون لاستمالة النخب المحلية بعد سقوط الساسانيين والفتوحات الراشدية، وخلص الباحث إلى أن التعاون الفارسي-الأموي على المستوى المحلي كان عاملًا رئيسيًا في منع الانتفاضات وتعزيز الاستقرار.
لقد عاش الزرادشتيون إلى جانب جماعات دينية أخرى في العراق وبلاد فارس ولم يتعرضوا للاضطهاد في العهد الأموي، وقد أشار أندرو مارشام في كتابه الإمبراطورية الأموية إلى أن الزرادشتيين مُنحوا وضعًا مشابهًا لوضع اليهود والمسيحيين في العهد الأموي، واعتنق بعضهم الإسلام لاحقًا.
وحتى جماعات مثل المندائيين والمانويين، حافظت على وجودها الديني والاجتماعي تحت الحكم الأموي، ورغم محدودية الأدلة حول أوضاعهم في العصر الأموي، فإن بقاء المندائيين تحت مسمى “الصابئة” يشير إلى أن تجربتهم لم تختلف كثيرًا عن تجربة اليهود والمسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية في تلك الفترة.
كذلك في مناطق آسيا الوسطى مثل خراسان وبلخ، تواجدت شعوب متعددة مثل الأتراك والهياطلة والبكتريين، وكانت مدينة بلخ مركزًا للبوذية، وقد عقد العرب الفاتحون اتفاقيات مع النخب المحلية مثل الدهاقين والمرزبان لضمان تيسير إدارة المناطق بدلًا من فرض السيطرة بالقوة، مثلما يذكر أندرو مارشام في كتابه الإمبراطورية الأموية.
وفي ورقتها البحثية “غير المسلمين في جيش الفتح الإسلامي في صدر الإسلام” تشير وداد القاضي إلى أن غير المسلمين من مختلف الديانات والطوائف شاركوا في الجيش والأساطيل البحرية الأموية، وشغلوا أدوارًا متعددة مثل الرسل والمراقبين والجواسيس والمستشارين، إضافة إلى وظائف فنية وخدمية كالبحارة، كما شارك بعضهم مباشرة في العمليات العسكرية.
أما الأمازيغ أو البربر في شمال إفريقيا والمغرب، فقد دخلوا الإسلام تدريجيًا وشاركوا في الفتوحات، وبرز من بينهم قادة عسكريون تولوا قيادة الجيوش وأسهموا في توسيع رقعة الدولة، لكن العلاقة بينهم وبين السلطة الأموية تأرجحت بين الاندماج والتوتر، وقد تجسد هذا التوتر في ثورة البربر الكبرى (739–743م).
ختامًا، يتضح أن خلفاء بني أمية واصلوا نهج التسامح مع أهل الذمة، وتعاملوا مع جميع الطوائف الدينية والعرقية ضمن سياسات متكاملة شملت نظام أهل الذمة، واستثمار خبرات هذه النخب، وضمان حماية شعائرهم ومؤسساتهم، وعقد الاتفاقيات مع النخب المحلية.
ويمكن القول إن الدولة الأموية لم تكتفِ بالقوة في حكم إمبراطوريتها الشاسعة، بل سعت للتفاهم والتعايش مع المختلفين عنها. وهذه التجربة جعلت الأمويين نموذجًا هامًا لإدارة التعددية الدينية والعرقية، وقد لاحظ المؤرخ ول ديورانت في كتابه قصة الحضارة هذا الأمر، وفيه يقول: “كان أهل الذمة المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون يستمتعون في عهد الدولة الأموية بدرجة عالية من الحرية والتسامح لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام”.