• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

استثمار الانقسام.. إيران تراهن على الاستقطاب داخل أمريكا

كريم سجادبور٢٥ مارس ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

من أوائل الدروس التي تعلمها الثوار الإسلاميون في إيران بعد وصولهم إلى السلطة عام 1979، أن الديمقراطية الأمريكية هي الحليف الأبرز لهم في مواجهة النفوذ الأمريكي. كانت التجربة الأولى هي اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز 52 أمريكياً كرهائن لمدة 444 يوماً، وهي العملية التي دمرت اقتصاد إيران وسمعتها الدولية، لكنها نجحت في إهانة جيمي كارتر والقضاء على فرصه في الفوز بولاية ثانية.

وعلى مر العقود، تأكدت إيران مراراً وتكراراً أنها ليست بحاجة لهزيمة أمريكا في ساحة المعركة، بل يكفيها أن تجعل الشعب الأمريكي يشعر بوطأة الحرب في عقر داره. والآن، في حرب من أجل البقاء، تحاول طهران تكرار نفس السيناريو.

في أبريل/ نيسان 1983، نفذت إيران – عبر وكيلها اللبناني حديث التأسيس حزب الله – تفجيراً انتحارياً استهدف السفارة الأمريكية في بيروت، ما أسفر عن مقتل 63 شخصاً، بينهم 17 أمريكياً، في الهجوم الأكثر دموية ضد بعثة دبلوماسية أمريكية في التاريخ.

كتب رونالد ريغان في مذكراته: “تشير المعلومات الأولية إلى أن الشيعة الإيرانيين هم من فعلوا ذلك.. سحقاً لهم”. ورغم أن ريغان ظل صامداً في العلن، إلا أنه تلقى تقارير تفيد بأن شعبيته بدأت بالتراجع بسبب ما حدث في لبنان. وقد كتب في مذكراته: “الناس لا يعرفون سبب وجودنا هناك.. لدينا نزعة انعزالية متجذرة في بلادنا”.

بعد أشهر قليلة، وتحديداً في أكتوبر/ تشرين الأول، ضرب حزب الله مجدداً، وهذه المرة بشاحنتين مفخختين بشكل متزامن، ما أدى إلى مقتل 241 جندياً أمريكياً و58 جندياً فرنسياً أثناء نومهم. وبعد أربعة أيام من الهجوم، خاطب ريغان الأمة متسائلاً: “إذا غادرنا لبنان الآن، فما هي الرسالة التي سنرسلها لأولئك الذين يهددون الاستقرار ويمارسون الإرهاب؟”. وقد أجاب على نفسه بعد أربعة أشهر فقط، عندما أمر – تحت ضغط الكونغرس – بالانسحاب الكامل لجميع القوات الأمريكية من لبنان.

حاولت طهران استخدام استراتيجية إثارة الفوضى في العراق أيضاً. عندما غزا جورج بوش الابن العراق عام 2003، خشيت طهران أن يتحول العراق المستقر والديمقراطي إلى منصة أمريكية لتهديد الجمهورية الإسلامية أو تقويضها.

بدلاً من مواجهة الولايات المتحدة مباشرة، طبّقت إيران ما تعلّمته من في لبنان: خلق قدر كافٍ من الفوضى لجعل الحرب غير قابلة للحسم. ووفقاً لسجلات استجواب رُفعت عنها السرية، أخبر قيس الخزعلي، زعيم الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، سجانيه الأمريكيين أن إيران دعمت تقريباً كل الفصائل القادرة على إثارة الفوضى وجعل العراق غير قابل للحكم. وكانت الأسلحة التي وفرتها إيران، بما في ذلك العبوات الناسفة، مسؤولة عن مقتل ما يصل إلى 1000 أمريكي.

وبينما كانت الولايات المتحدة تنفق المليارات في محاولة فاشلة لتحقيق الاستقرار في العراق، كانت إيران تنفق الملايين لزعزعة استقراره بنجاح.

لم تحقق إيران النصر في ساحة المعركة العراقية، بل في صناديق الاقتراع الأمريكية. أدرك بوش ذلك، حيث قال للشعب الأمريكي في يوليو/ تموز 2007: “النظام الإيراني الذي يسعى لامتلاك أسلحة نووية ويهدد بمحو إسرائيل من الخارطة، هو نفسه الذي يزود المتطرفين في العراق بعبوات ناسفة متطورة تُستخدم لقتل الجنود الأمريكيين”. ولكن بحلول ذلك الوقت، كان نحو 6 من كل 10 أمريكيين يرون أن الحرب كانت خطأً. بسبب إيران إلى حد كبير، فقدَ بوش الدعم الذي كان يحتاجه في الداخل.

واليوم، في ظل التهديد الوجودي الذي يعيشه، يحاول النظام الإيراني مرة أخرى تأليب الرأي العام الأمريكي ضد الحرب لدرجة تمنع الرئيس من الاستمرار فيها. لم تعد الأسلحة المستخدمة هذه المرة الشاحنات المفخخة والعبوات الناسفة، بل الصواريخ والطائرات المسيرة والجغرافيا.

نظراً لعدم قدرتها على منافسة الولايات المتحدة وإسرائيل عسكرياً، لجأت طهران إلى أهم أوراقها الاستراتيجية: مضيق هرمز. أدت التهديدات الإيرانية إلى انخفاض عدد السفن التي تعبر أهم ممر للطاقة في العالم من متوسط 138 سفينة يوميا إلى أقل من 10 سفن، وفي بعض الأيام سفينة واحدة فقط.

وقد تعرضت ما لا يقل عن 20 سفينة تجارية للهجوم، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين لتصل إلى 5 ملايين دولار لكل سفينة. كما أن طائرات طهران المسيرة، التي لا تتجاوز تكلفتها 20 ألف دولار، باتت تعطل شحنات تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.

قد قفزت أسعار النفط بأكثر من 40 بالمئة منذ 28 فبراير/ شباط، حيث اقترب سعر خام برنت من 120 دولاراً للبرميل. وبات الأمريكيون يدفعون دولاراً إضافياً لكل غالون وقود عما كانوا يدفعونه عند بدء الحرب.

هدد دونالد ترامب بتدمير إيران إذا رفضت إعادة فتح المضيق، لكن الفوضى الناتجة عن ذلك من شأنها أن تقوّض هدفه، فقد كان يسعى لتحويل إيران إلى دولة مطيعة، لا إلى دولة فاشلة.

وعلى خلاف الصراعات السابقة في الشرق الأوسط، لم تؤدِ حرب ترامب على إيران إلى توحيد الأمريكيين. أيّد نحو 8 من كل 10 أمريكيين حرب الخليج عام 1991 وغزو العراق عام 2003 فور بدايتهما. أما اليوم، يعارض 9 من كل 10 ديمقراطيين الضربات ضد إيران، وكذلك معظم المستقلين.

وأظهر متوسط استطلاعات الرأي التي أُجريت في الفترة من 27 فبراير/ شباط إلى 11 مارس/ آذار، أن 50 بالمئة من الأمريكيين يعارضون الحرب، بينما يؤيدها 40 بالمئة فقط. وحتى داخل الحزب الجمهوري، يبدو الانقسام واضحا: حوالي 90 بالمئة من الجمهوريين الموالين لحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” يدعمون الحرب، بينما ينقسم الجمهوريون غير المنتمين للحركة، حيث يؤيدها نحو 54 بالمئة فقط.

ورغم أن قاعدة ترامب الانتخابية من حركة “ماغا” بقيت موالية له بشكل ملحوظ، إلا أن هذه الفئة من الأمريكيين هي الأكثر تأثرا بالتكاليف الاقتصادية للحرب، حيث تدفع مبالغ أكبر مقابل البنزين والديزل والمواد الغذائية، بعد أن تضخمت الأسعار بسبب نقص الأسمدة الذي ساهم فيه إغلاق مضيق هرمز.

سعى مسؤولو النظام الإيراني بنشاط إلى تفكيك قاعدة ترامب الانتخابية من خلال الترويج لنظريات المؤامرة المناهضة للصهيونية. نشر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، تدوينة قال فيها: “لقد حوّل ترامب شعار أمريكا أولاً إلى إسرائيل أولاً”، مضيفاً “هذا يعني دائماً أمريكا أخيراً”.

أما محمد باقر قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري والمقرب من المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، فقد وصف علاقة ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنها “محور إبستين”، وكتب قائلا: “تستحق العائلات الأمريكية أن تعرف لماذا يضحي ترامب بأبنائها وبناتها لخدمة أوهام نتنياهو التوسعية”.

كما عمل التلفزيون الرسمي الإيراني على ترويج آراء تاكر كارلسون، الإعلامي المحافظ البارز والمعارض الشرس للحرب، بما في ذلك مقابلة أجراها مؤخراً مع جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في عهد ترامب، والذي استقال بعد أن حمّل “مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى وشخصيات مؤثرة في الإعلام الأمريكي” مسؤولية اندلاع الصراع. لا تريد طهران تأليب الأمريكيين ضد الحرب فحسب، بل تريد إثارة الانقسام فيما بينهم.

استطلاعات الرأي وأسعار النفط وعدد القذائف المتبقية هي أمور قابلة للقياس، لكن مصير الحرب سيتحدد جزئياً من خلال إرادة طرفي الصراع، وهو أمر يصعب قياسه. إرادة رئيس دولة ديمقراطية في خوض الحرب تظل مقيدة بالانتخابات، واستطلاعات الرأي، وأسعار الوقود، وحجم التغطية الإخبارية. أما النظام الاستبدادي الذي يقاتل من أجل البقاء فلا يخضع لأي من هذه الضغوط.

كان لدى ريغان الإرادة إلى أن عارضه الكونغرس، وكان لدى بوش الإرادة حتى اعتبر 6 من كل 10 أمريكيين بأن حربه كانت خطأ. هذا التفاوت في الإرادة هو ميزة إيران الكبرى، فطهران تنتصر بعدم الخسارة، بينما يخسر ترامب بعدم الفوز.

كان قرار الجمهورية الإسلامية ببناء هويتها السياسية حول شعار “الموت لأمريكا” بمثابة حرب اختيارية دامت 47 عاماً. كما أن قرار ترامب بمحاولة إنهاء الخطر الإيراني – بدلاً من مجرد احتوائه أو التصدي له كما فعلت الإدارات السابقة – كان هو الآخر حرباً اختيارية.

إذا كانت استراتيجية إيران تعتمد على تأليب الرأي العام الأمريكي، فإن رئاسة ترامب تعتمد على مضيق هرمز. لا يمكن لترامب الانسحاب طالما أن المضيق تحت سيطرة إيران، لكن تأمينه يُنذر بخسائر أمريكية فادحة كتلك التي قضت على إرادة ريغان وبوش.

إذا أعاد ترامب فتح المضيق، فقد تزداد رغبته في تغيير النظام. وإذا لم يفعل، سيزداد الضغط الاقتصادي على قاعدته الشعبية. هي في نهاية المطاف حرب بين نفاد صبر الديمقراطية وقدرة التحمل لدى النظام الثيوقراطي. والسؤال المطروح هو: هل تواجه طهران لأول مرة منذ 1979 رئيساً أمريكياً أكثر إصراراً على تدمير النظام من إصرار النظام على تدميره؟

المصدر: ذي أتلانتيك

علاماتالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، السياسة الإيرانية ، الشرق الأوسط الجديد ، الشعب الأمريكي
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

كيف وَظّفت الصهيونية الفن لخدمة الأيديولوجيا؟

حنان سليمان٢٥ مارس ٢٠٢٦
سياسة

كيف حوّلت “إسرائيل” كاميرات المراقبة بإيران إلى سلاح اغتيال؟

نون إنسايت٢٥ مارس ٢٠٢٦
سياسة

الحرب على إيران: لماذا تراجع ترامب أولاً؟

سمية الغنوشي٢٥ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑