ترجمة وتحرير: نون بوست
أبرمت إدارة ترامب هذا الشتاء صفقة سرية مع حكومة الكاميرون لترحيل مئات المهاجرين، بعد التزامها الصمت بشأن حملة قمع دموية استهدفت المتظاهرين هناك، وحجبها مبلغ 30 مليون دولار عن مكتب محلي تابع للأمم المتحدة، وذلك وفقًا لمسؤولين ووثائق حكومية أمريكية.
وتأتي هذه الصفقة كجزء من حملة أوسع تقودها إدارة ترامب لإقناع الدول بقبول المهاجرين الذين لا يمكن ترحيلهم قانونيًّا من الولايات المتحدة إلى بلدانهم الأصلية بسبب احتمالية تعرضهم للاضطهاد. كما تُعد هذه الصفقة أوضح مثال حتى الآن على المساومات الدبلوماسية التي تستخدمها الولايات المتحدة للتوصل إلى مثل هذه الاتفاقيات.
وتتضمن الوثائق التي حصلت عليها صحيفة “نيويورك تايمز” مراسلات سرية لوزارة الخارجية ومذكرة تمويل تربط بين تحويل الأموال واتفاق الترحيل الخاصة بالكاميرون. وتكشف هذه الملفات، إلى جانب تأكيدات من المسؤولين، كيف استخدمت الحكومة الأمريكية الضغوط المالية والحوافز السياسية لضمان صفقة وصفها محامي المرحلين بأنها تشبه “بيع البشر”.
يُذكر أن الكاميرون تخضع منذ أكثر من أربعة عقود لحكم الرئيس “بول بيا”، الذي يوصف بالرجل القوي. وقد اختارت إدارة ترامب عدم انتقاد إعادة انتخابه المثيرة للجدل في أكتوبر/ تشرين الأول، ولم تقل شيئًا بعد ذلك عندما شنت قوات الأمن حملة قمع دموية ضد المتظاهرين.
وكتب الدبلوماسيون أن ذلك منح الولايات المتحدة أوراق ضغط بعد أسابيع، عندما حان وقت التفاوض على صفقة الترحيل. ولا تذكر المراسلات أن الولايات المتحدة امتنعت عن الانتقاد مقابل استقبال المهاجرين، لكن الدبلوماسيين أوضحوا جليًا أنهم يعتقدون أن هذا الصمت سيصب في مصلحتهم أثناء المفاوضات.
ولممارسة مزيد من الضغوط، امتنعت الحكومة الأمريكية عن صرف مبلغ 30 مليون دولار كان مخصصًا لمكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الكاميرون، إلى أن وافقت إدارة “بيا” على صفقة الترحيل، وذلك وفقًا لمسؤول كاميروني رفيع المستوى. وكغيره من الكاميرونيين والأمريكيين الذين اطلعوا على هذا الترتيب، تحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة قضايا دبلوماسية حساسة.

ومن خلال ترتيبات أُبرمت مع حكومات أخرى، وافقت الولايات المتحدة على ترحيل مئات الأشخاص، أو رحلتهم بالفعل، إلى ما لا يقل عن 25 دولة ثالثة لا تربطها بها أي علاقات، وذلك وفقًا للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، كما أنها تضغط “بشكل نشط” على عشرات الدول الأخرى للقيام بالأمر نفسه.
وتُظهر مراسلات وزارة الخارجية أن المسؤولين الأمريكيين انتهزوا لحظة كان فيها بيا معزولًا بشكل خاص. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني، سافر فريق من المفاوضين الأمريكيين إلى الكاميرون لإتمام صفقة الترحيل، في الوقت الذي كان يواجه فيه بيا، البالغ من عام 93 عامًا، إدانة دولية بسبب حملة القمع التي شنها ضد الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات.
ثم في 12 يناير/ كانون الثاني، وقبل يومين من إقلاع أول رحلة تحمل مُرحلين من لويزيانا متوجهة إلى الكاميرون، أعلنت وزارة الخارجية عن صرف مبلغ 30 مليون دولار لبرنامج الأمم المتحدة للاجئين في الكاميرون. ووفقًا لمذكرة التمويل التي حصلت عليها صحيفة “نيويورك تايمز”، فقد تم دفع هذا المبلغ دعمًا لاتفاقية الترحيل المبرمة بين البلدين.
وقال المسؤول الكاميروني إن الكاميرون كانت في البداية معارضة للاتفاق ووصفته بـ”الابتزاز”. وأضاف أن الحكومة غيرت موقفها لاحقًا، مبررة ذلك بأن الصفقة قد تشجع الولايات المتحدة في نهاية المطاف على إعادة المعارضين والانفصاليين الكاميرونيين الذين فروا إلى أمريكا.
وأيضًا وصف مسؤول أمريكي عملية الدفع بأنها جزء من نمط ناشئ تتبعه إدارة ترامب، يتمثل في حجز الأموال المخصصة لبرامج الأمم المتحدة في دول معينة واستخدامها كأوراق ضغط في صفقات الترحيل.

في الوقت الحالي، يُحتجز معظم المرحلين في حالة من عدم اليقين في مركز احتجاز تديره الدولة في ياوندي، عاصمة الكاميرون. لكن خلف الأبواب المغلقة، أوضح المسؤولون هناك أن المهاجرين سيتم إرسالهم في نهاية المطاف إلى بلدانهم الأصلية.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية الكاميرونية للمُرحلين هذا الشهر، وفقًا لتسجيل فيديو حصلت عليه صحيفة “نيويورك تايمز”: “سوف تعودون إلى بلدانكم. لدى الحكومة الأمريكية الجديدة سياسة محددة، وسيفعلون كل ما في وسعهم لتنفيذها”.
وحتى الآن، تم ترحيل ما لا يقل عن 17 مهاجرًا، متهمين بدخول الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، إلى الكاميرون منذ يناير/ كانون الثاني كجزء من هذه الصفقة. واللافت أنه لا أحد منهم يحمل الجنسية الكاميرونية، كما أن المحاكم الأمريكية منحت أغلبهم تدابير حماية كان الغرض منها منع إدارة ترامب من إعادتهم قسرًا إلى بلدانهم الأصلية.
ومن بين هؤلاء أشخاص لجأوا إلى الولايات المتحدة فرارًا من الحروب، أو السجن بسبب معتقداتهم السياسية، أو الاضطهاد بسبب ميولهم الجنسية.
وفي مقابلات أجريت معهم، قال المُرحلون إنهم وُضعوا على متن رحلات تابعة لوزارة الأمن الداخلي وهم مقيدو الأيدي والأرجل، ولم يكن الكثير منهم يعرفون وجهتهم. وقد أجرت “نيويورك تايمز” مقابلات مع خمسة من هؤلاء المهاجرين بعد ترحيلهم إلى الكاميرون، حيث وصفوا شعورهم بالصدمة والخوف، وهم عالقون بين احتجاز يبدو بلا نهاية واحتمال إعادتهم إلى الخطر في بلدانهم الأصلية. ووصف اثنان منهم هذه الصفقة بأنها “غير إنسانية”، قائلين إنها ترقى إلى كونها عملية مقايضة للمال مقابل أرواح البشر.

وتحدث الجميع شريطة عدم الكشف عن هويتهم خوفًا من الانتقام. وقالت وزارة الخارجية إنها لن تعلق على محتوى المراسلات السرية، أو على كيفية ارتباط المبلغ المدفوع للأمم المتحدة باتفاقية الترحيل.
غير أنه في البيان العلني الذي أعلن عن صرف الـ 30 مليون دولار، ذكرت الوزارة أنها قدمت الأموال لمكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الكاميرون “لتسهيل العودة الطوعية للاجئين” و”مكافحة الهجرة غير الشرعية”.
من جهة أخرى، قالت هيئة تابعة للأمم المتحدة، وهي “المنظمة الدولية للهجرة” – التي تعمل على تسهيل مسارات الهجرة للنازحين – إنها أحالت بعض المهاجرين الموجودين حاليًا في الكاميرون إلى مفوضية اللاجئين لتقديم طلبات لجوء.
بيد أن متحدثًا باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين صرح بأن مبلغ الـ 30 مليون دولار لم يُخصص لمساعدة المُرحلين في تقديم طلبات اللجوء أو إعادة التوطين. كما أبلغ ممثل وزارة الخارجية الكاميرونية المجموعة بصراحة تامة: “أنتم لستم لاجئين، ولا يمكنكم طلب صفة لاجئ في الكاميرون”.

عند مواجهته بالنتائج التي توصلت إليها صحيفة “نيويورك تايمز”، قال المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، “كريس ميلتسر”، إن المنظمة لم تُبلغ بأن الأموال التي دفعتها وزارة الخارجية قد قُدمت دعمًا لصفقة الترحيل. وأضاف أن هذا التمويل يتماشى مع المبالغ المعتادة التي يتلقاها المكتب من الولايات المتحدة سنويًّا.
وأشار ميلتسر إلى أن الكاميرون تواجه أزمات هجرة خاصة بها، حيث يحتاج مئات الآلاف من اللاجئين القادمين من جمهورية أفريقيا الوسطى إلى إعادة توطين في شرق الكاميرون، وفقًا للأمم المتحدة، كما تكتظ المخيمات في أقصى شمال البلاد بعشرات الآلاف من اللاجئين النيجيريين.
ولم يتضح ما إذا كانت الكاميرون قد تسلمت أي أموال بشكل مباشر مقابل قبول المُرحلين. ومع ذلك، تشير التحقيقات الأخيرة التي أجرتها لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ إلى أن الحكومة الأمريكية دفعت 32 مليون دولار مباشرة لدول أخرى في صفقات ترحيل مماثلة مع أطراف ثالثة.
المصدر: نيويورك تايمز
