ترجمة وتحرير: نون بوست
وُصفت الحرب الحالية مع إيران بأنها صراع بين التكنولوجيات العسكرية المتطورة. تتمتع الولايات المتحدة وإسرائيل وفق هذا المقياس بتفوق ساحق. تسيطر أساطيلهما الجوية على الأجواء، وتوفر شبكات استخباراتهما مراقبة غير مسبوقة، وتستطيع قدراتهما الهجومية الوصول إلى عمق الأراضي الإيرانية.
لكن التفوق العسكري قد لا يحسم وحده مصير هذه الحرب، فإيران ليست هدفًا يمكن إخضاعه بالقصف الجوي. المنطق الأعمق لهذا لصراع يكمن في الجغرافيا.
تعكس استراتيجية إيران الحالية، التي تركز على الصمود وفرض تكاليف على خصومها بمرور الوقت، الحقائق البنيوية لأراضيها.
على عكس العديد من دول المنطقة التي تُقيّد مساحتها المحدودة خياراتها الاستراتيجية، تتمتع إيران بمساحة شاسعة وحواجز طبيعية منيعة.
أما الدول الخليجية الصغيرة، التي تقع بنيتها التحتية الاقتصادية مباشرة على السواحل، فهي أضعف بكثير أمام أي ضغط عسكري.
تشكل المناطق الجبلية في إيران – التي تهيمن عليها سلسلتا جبال زاغروس وألبرز والهضبة الواقعة بينهما – حواجز دفاعية طبيعية من شأنها أن تعقّد أي غزو بري واسع النطاق. تاريخيًا، كانت هذه السلاسل الجبلية بمثابة دروع استراتيجية أبطأت وأنهكت القوات الغازية لقرون، بدءًا من الصعوبات التي واجهتها جيوش ماركوس أنطونيوس الرومانية عام 36 قبل الميلاد في اختراق الهضبة الإيرانية، وصولًا إلى توقف القوات العراقية على جبهة زاغروس خلال الحرب الإيرانية العراقية بين عامي 1980 و1988.
تشكل هذه القيود بشكل كبير الخيارات الاستراتيجية المتاحة اليوم. فالصعوبة الجغرافية لغزو إيران تعني أن الحرب من غير المرجح أن تُحسم عبر حملة برية تقليدية. تطلّب غزو العراق عام 2003 أكثر من 300 ألف جندي أمريكي في الحملة الأولية، ثمّ قوة احتلال بلغت ذروتها حوالي 160 ألف جندي، بينما شهدت أفغانستان ذروة قوامها نحو 100 ألف جندي في مسرح أقل كثافة سكانية وأصغر حجمًا بكثير.
لكن إيران تمثل تحديًا أكثر صعوبة بكثير. فهي أكبر من العراق بنحو أربع أضعاف ويبلغ عدد سكانها أكثر من 90 مليون نسمة. ومن المرجح أن يتطلب احتلالها قوة أكبر بكثير، وخطوط إمداد أطول، والتزامًا ماليًا وسياسيًا أكبر من العراق وأفغانستان. في الواقع، حتى أكثر عمليات الاحتلال الأمريكية استهلاكًا للموارد خلال العقدين الماضيين لا ترقى إلى الحد الأدنى مقارنة بما قد يتطلبه شن حملة برية واسعة في إيران.
لهذا السبب، تدور رحى الحرب أساسًا عبر القوة الجوية والضغط البحري. لكن جغرافيا إيران لا تزال عاملًا مهمًا للغاية: بينما تستطيع القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية الوصول إلى معظم أنحاء إيران، يختلف العمق العملياتي بشكل كبير في أنحاء البلاد. تقع الأهداف الأكثر سهولة في غرب وجنوب غرب إيران – خوزستان، وبوشهر، وجبهة زاغروس عند الحدود الإيرانية العراقية – حيث يسمح القرب من الخليج العربي والبنية التحتية القائمة للقواعد الجوية بمعدل طلعات أعلى وضربات مستمرة.
لكن عند الانتقال شرقًا إلى عمق الهضبة الوسطى الإيرانية – في محافظتي خراسان الجنوبية ويزد والأجزاء الشمالية من كرمان وسيستان وبلوشستان – تصبح البيئة العملياتية أكثر صعوبة. تُعد هذه المناطق أبعد عن نقاط الانطلاق البحرية والقواعد الجوية في المنطقة، وتعزلها المسافة والتضاريس وضعف البنية التحتية. يتطلب الحفاظ على وتيرة عمليات عالية فوق هذه المناطق أوقات طيران أطول، وعمليات للتزود بالوقود في الجو أكثر تعقيدًا، وتنسيقًا لوجستيًا أكبر، مما يقلل من وتيرة الضربات واستمراريتها.
لا يعني هذا أن شرق إيران بمنأى عن الضربات، لكن هذه العوامل تقلل من وتيرتها واستمراريتها وموثوقيتها بالمقارنة مع الضربات على غرب إيران وجنوبها. كما أن تضاريس إيران الوعرة تخلق فرصًا لتشتيت البنية التحتية النووية والعسكرية وإخفائها ونقلها. فالمنشآت أو المخزونات النووية التي تُنقل إلى عمق المواقع الجبلية أو النائية في الشرق ستكون أصعب في الكشف والاستهداف والضرب بشكل متكرر، فضلًا عن التدمير الشامل.
لكن أهمية الجغرافيا لا تقتصر على البر فحسب، بل تؤثر أيضًا على شكل الحرب في البحر. فقربُ إيران من الممرات البحرية الحيوية يمنحها نوعًا من النفوذ غير المتكافئ الذي لا يمكن للتكنولوجيا وحدها تحييده بسهولة.
لا يوجد مكان يتجلى فيه تأثير الجغرافيا أكثر من مضيق هرمز. فإذا كانت جغرافيا إيران تعقّد مهمة تحقيق انتصار عسكري سريع، فإن موقعها على المضيق يمنحها شكلاً آخر من أشكال النفوذ: القدرة على فرض تكاليف اقتصادية عالمية حتى دون الانتصار في ساحة المعركة.
يقع هذا الممر البحري الضيق بين إيران وشبه الجزيرة العربية، ويربط الخليج العربي بأسواق الطاقة العالمية. يبلغ عرض المضيق في أضيق نقطة حوالي 21 ميلًا بحريًا، ولا يتجاوز عرض الممرات التي تستخدمها ناقلات النفط سوى بضعة أميال. ورغم هذه المساحة الجغرافية الضيقة، يمرّ عبر هذا المضيق نحو خمس استهلاك العالم من النفط، وحصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
يمكن أن تتسبب الاضطرابات المطولة على أسواق الطاقة العالمية. مجرد الشعور بوجود مخاطر في المضيق يمكن أن يؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط، وزيادة كبيرة في أقساط تأمين الشحن، واضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، كما أظهر الأسبوعان الماضيان.
لا تتاًثر الخدمات اللوجستية البحرية بالأمن المادي فحسب، بل المخاطر المتصورة أيضًا: فإذا اعتقدت شركات الشحن أن المضيق غير آمن، فإن حركة ناقلات النفط تتباطأ أو تتحول إلى مسارات بديلة.
محاولة تجريد إيران من هذه الميزة الجغرافية تتطلب أكثر من مجرد استهداف نقطة واحدة مثل جزيرة خارك. صحيح أنها تمثل نقطة اقتصادية حيوية، حيث تتولى معالجة نحو 90 إلى 96 بالمائة من صادرات إيران من النفط الخام، إلا أنها لا تحدد مصير السيطرة على مضيق هرمز نفسه.
تتعلق السيطرة على المضيق بموقع إيران الجغرافي الأوسع: ساحل يمتد قرابة 1,500 ميل على الخليج العربي وخليج عمان، بالإضافة إلى قربها من جزر ونقاط اختناق رئيسية بما يتيح لها ممارسة ضغط متدرج وغير متكافئ. حتى لو تم احتلال جزيرة خارك أو تعطيلها، ستحتفظ إيران بالقدرة على تهديد حركة الملاحة عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والزوارق الهجومية السريعة المنتشرة على طول هذا الساحل.
لا تحتاج إيران عمليًا إلى السيطرة الكاملة على ساحلها لفرض نفوذها على المضيق، بل تحتاج فقط إلى الحفاظ على قدرة كافية لخلق حالة من عدم اليقين والمخاطر. لذلك فإن تحييد ميزة إيران الجغرافية يتطلب هيمنة مستمرة عبر مسرح بحري واسع النطاق، وهو أمر أكثر تعقيدًا وتكلفة بكثير من مجرد الاستيلاء على جزيرة واحدة.
في الواقع، ما بدأ كحملة لتغيير النظام وتفكيك قدرات إيران النووية والصاروخية، يتجه بشكل متزايد نحو مأزق استراتيجي يتمحور حول مضيق هرمز. ما كان يُنظر إليه في البداية كحملة جوية ضرورية وسريعة، اصطدم بحواجز الجغرافيا. برز المضيق كمساحة مُقيِّدة، مع تداعيات تتجاوز ساحة المعركة لتشمل أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد والتدفقات المالية.
أهمية مضيق هرمز الاستراتيجية هائلة لدرجة أنه إذا تمكنت إيران من السيطرة عليه بشكل فعّال، فإن خسارة مخزونها من اليورانيوم المخصّب الذي يبلغ حوالي 400 كيلوغرام لن تعني بالضرورة هزيمة استراتيجية. فالسيطرة على المضيق قد تعيد تعريف المعايير التي تُقيَّم بها نتائج الحرب. الأمر الواضح أن مستقبل مضيق هرمز لن يشبه ماضيه، فإما أن تترسخ سيطرة إيران، أو أن يحكمه نظام جديد يتضاءل فيه دور طهران بشكل كبير.
ومضيق هرمز ليس سوى جزء من نظام جيوسياسي أوسع. فالممر الثاني الذي يشكّل مسار الحرب يقع غربا عند باب المندب، وهو الممر الضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن. على مدى نحو عقدين، ولا سيما منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تعرض هذا الممر لهجمات متكررة من جماعة الحوثي، وهي جهة فاعلة غير حكومية متحالفة مع إيران، تهدد هجماتها حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر بشكل دوري.
ومن خلال الحوثيين، زرعت إيران بذور نفوذها في نقطة اختناق استراتيجية تتحول فيها الجغرافيا إلى نفوذ جيوسياسي. وإذا امتدت التوترات إلى هذه النقطة البحرية الحرجة، فقد تمتد التداعيات الاقتصادية إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة المباشرة. يُظهر باب المندب هشاشة شبكة الملاحة البحرية التي تربط البحر الأحمر بالتجارة العالمية.
تكمن هشاشة هذا المضيق في موقعه الجغرافي وعدم وجود بدائل فعالة. في أضيق نقطة له، لا يتجاوز عرض مضيق باب المندب حوالي 20 ميلًا، مما يجبر السفن العالمية على السير في ممرات ضيقة للغاية، وتكون بذلك معرضة بشدة لخطر الاستهداف بالصواريخ أو الطائرات المسيرة أو الألغام البحرية أو حتى المضايقات المحدودة.
وعلى عكس الممرات الضيقة الأخرى، لا توجد سوى خيارات قليلة فعالة لتغيير المسار، حيث أن أي اضطراب مستمر لحركة الملاحة في باب المندب سيُجبر السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مما يضيف ما بين 10 إلى 15 يومًا إلى أوقات العبور، ويزيد بشكل كبير من تكاليف الوقود والتأمين والشحن.
يمر عبر هذا المضيق نحو 10 إلى 12 بالمئة من التجارة العالمية، وما بين 6 و9 ملايين برميل من النفط يوميًا، ويمكن لأي اضطراب جزئي أن يسبب سلسلة من التأثيرات، بدءا من ارتفاع أقساط التأمين على الشحن، وتأخير في سلاسل الإمداد، وصولا إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، مما يُبرز كيف يُمكن لنزاع محلي أن يتحول بسرعة إلى صدمات هيكلية في الاقتصاد العالمي. في الواقع، تُهيئ جغرافيا الشرق الأوسط الظروف لأن تُؤدي حرب إقليمية إلى اضطراب هيكلي في سلاسل التجارة البحرية.
التداعيات الاستراتيجية لهذا العامل عميقة للغاية. فالمعركة الحاسمة في الحرب الحالية قد لا تدور في أجواء إيران أو إسرائيل، بل في الممرات المائية الضيقة، وهي تتكشّف عبر مسرح جيوسياسي أوسع تحدده الممرات البحرية وسلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة. صحيح أن السيطرة البرية والجوية مهمة، لكن السيطرة على الممرات الضيقة قد يكون أكثر أهمية.
كلما طال أمد الحرب، ازدادت أهمية هذه الديناميكيات الهيكلية. يمكن للتفوق التكنولوجي أن يحقق نجاحات تكتيكية مبهرة، لكنه لا يستطيع محو الجغرافيا. لا يمكن تدمير الجبال عبر القصف، ولا يمكن تغيير مكان الممرات البحرية. هذه السمات الدائمة للمشهد الاستراتيجي تحدد مسار الحروب.
لذلك تسلط حرب إيران الضوء على درس أعمق وأوسع بشأن الحروب الحديثة. ففي عصر الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والأقمار الصناعية والأسلحة الدقيقة ذاتية التشغيل، ما زال للجغرافيا تأثير عميق على مسار الحروب. فالجبال والحواجز الطبيعية تحد من إمكانية الغزو، والممرات البحرية الاستراتيجية تعزز النفوذ غير المتكافئ، وممرات الطاقة تربط الصراعات المحلية بالاقتصاد العالمي.
قد تُحدد التكنولوجيا كيفية خوض الحرب، لكن الجغرافيا غالبًا ما تُحدد كيف تنتهي، وما إذا كانت ستنتهي أصلًا.
عندما غزا نابليون بونابرت روسيا عام 1812، هزمه “جنرال الشتاء” و”جنرال المساحة”، كما وصفهما الروس لاحقًا. وقد يكون لدى إيران اليوم جنرالان خفيّان: “جنرال الجغرافيا”، وهي جبال إيران وممراتها البحرية، و”جنرال الصمود”، أي قدرتها على استيعاب الصدمات وخوض حرب طويلة.
المصدر: فورين بوليسي

