كانت لحظة إطلاق معركة ردع العدوان نهاية نوفمبر 2024 وصولًا للتحرير الكامل وفتح دمشق؛ حلمًا سعى له السوريون على مدار خمسة عقود، بالأخص خلال الـ13 عامًا الأخيرة، لكن لو سألتني عن اللحظة الفارقة في تلك الرحلة الشاقة التي تحول فيها الحلم لحقيقة، سأقول: حين قرأت رسالة المكتب الإعلامي لفصائل ردع العدوان عقب إسقاط النظام حين توجه بالنداء إلينا كسوريين في المهجر في قائلًا: “إلى المُهجّرين في كل أنحاء العالم.. سوريا الحرة تنتظركم”.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى عودة نحو مليون لاجئ سوري إلى سوريا بعد مرور عام واحد على التحرير، رغم أن البلاد لا تبدو جاهزة لاستقبال أي من مواطنيها المهجرين بسبب فقدان الملايين لمنازلهم ودمار البنى التحتية في عشرات المدن والقرى وتضرر المدارس وغياب كبير للخدمات الصحية.
أناقش في هذا التقرير أهمية عودة السوريين إلى بلادهم ليس من وجهة نظر الدول المضيفة والمؤسسات الدولية المعنية باللاجئين، ولكن للانعكاسات الإيجابية لهذه العودة على أمن بلدنا وتعافيها المبكر.
الكتلة البشرية السورية في مواجهة الاحتلال
تتمثل المشكلة الرئيسية الوجودية لإسرائيل في المنطقة العربية أنها أقلية وسط سيل بشري ينبذها ويرفض التطبيع معها وشرعنة وجودها، ولذا تسعى باستمرار لتثبيت وجودها بفرض الترهيب بقوتها العسكرية والعمل على التوسع والتضييق على السكان بهدف دفعهم للهجرة وإخلاء المساحات المحيطة بها، وهذا ما رأيناه في غزة خلال حرب الإبادة وفي جنوب لبنان وسوريا والضفة الغربية.
لا يبدو كافيًا لإسرائيل أن تكون هذه الكتلة السكانية العربية ضعيفة ومنزوعة السلاح، بل تسعى لتهجيرها أو إبادتها تمامًا، تفعل هذا في القدس والضفة الغربية وتدفع السكان الأصليين لهدم بيوتهم بأيديهم، وبقدر ما تستطيع دفعهم بعيدًا بقدر ما تشعر بالأمان.
ومنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 تحاول إسرائيل عرقلة حياة السوريين في المدن والبلدات والقرى الحدودية، فعلت هذا مع قرية “الكويا” في درعا وتفعله بشكل مستمر في القنيطرة وبيت جن، إقامة الحواجز العسكرية والاعتقالات التي تبدو عشوائية وغير مبررة، لكنها في الحقيقة تهدف بشكل رئيسي لإرهاب السكان والمساس بأمنهم الغذائي ودفعهم لمغادرة منازلهم وقراهم، وكانت بعض التقارير تحدثت مؤخرًا عن رش الاحتلال لمبيدات كيماوية تسبب أذى للأشجار والغطاء النباتي في المناطق الحدودية.
وحين نعود إلى الوراء 15 عامًا، عندما اندلعت الثورة السورية، وقف البعض موقفًا حذرًا من دعم المظاهرات الساعية لإسقاط النظام لأنهم رأوا في زعزعة الوضع في سوريا خدمة لإسرائيل التي رأت في الحرب إضعافًا للنظام، ولذا عملت مع شركائها على إضعافه ولكن ليس بما يكفي ليسقط. ولكن ما أراده الاحتلال لا يتعلق فقط بالنظام الذي حافظ على الحدود آمنة تمامًا منذ السبعينات، إذ لم تُضعف الحرب الطويلة النظام فقط ولكنها فككت المجتمع السوري وأضعفته وشتته، وأخيرًا وهو الأهم بالنسبة لدولة محدودة السكان هو تهجير ملايين السوريين بعيدًا عن المنطقة بأسرها.
هذا التغيير الديمغرافي كان حاضرًا في الذهن الإقليمي أيضًا، ففي عام 2014 كان هناك نقاش داخل أروقة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، حول موضوع تجنيس اللاجئين السوريين مع تزايد أعدادهم في البلاد، وكانت إحدى جوانب النقاش تتعلق بتأثير التجنيس على التغيير الديمغرافي في سوريا، إذ رأى بعضهم أن الحرب في سوريا ستنتهي في يوم ما وأن تجنيس العدد الأكبر من اللاجئين سيشجعهم على الاستقرار في تركيا وعدم العودة لبلادهم رغم انتهاء الحرب، وهذا سيؤدي بالإضافة للآثار الأخرى للحرب على إحداث تحول ديمغرافي عميق في الأراضي السورية على المدى البعيد.
تبدو كل التطورات التي حصلت على مدار 15 عامًا في مصلحة الاحتلال الإسرئيلي، تحرك الكتلة البشرية من سوريا باتجاه دول العالم وتحول مدن وقرى إلى مناطق خاوية على عروشها ودمار البنى التحتية، جعل العودة المحتملة أيضًا بعيدة المنال حتى مع الاستقرار الأمني وتوقف الحرب وغياب التهديد، كل هذا لاشك أنه خلق ارتياحًا إسرائيليًا. لولا أن من وصل إلى السلطة لم يكن على هوى تل أبيب.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 13 مليون سوري اضطروا لترك بيوتهم منذ 2011 إما نازحون داخليًا أو لاجئون حول العالم، وهذا يعادل أكثر من نصف السكان قبل الحرب، لذا فإن عودة السوريين لمدنهم وقراهم وإعادة الحياة إليها مجددًا هو بلا شك حماية لهذه الأرض، وخطوة على طريق إفشال المشروع الإسرائيلي التوسعي.
التعافي يبدأ بعودة السكان
كانت عملية التحرير “النظيفة والخاطفة” التي قادتها فصائل ردع العدوان ذات أثر إيجابي على عموم الشعب السوري وعلى أمله بقرب تعافي البلاد، ولكنها في المقابل رفعت سقف التوقعات بشكل مبالغ فيه وخاصة فيما يتعلق بالملفات الاقتصادية وإعادة الإعمار وسرعة تعافي البلاد، وربما توهمنا أننا سنحظى بأحياء ومدن حديثة جميلة نعود إليها بعد سنوات الاغتراب الطويلة.
في جوهرها، تعدّ عملية التعافي عملية اجتماعية واقتصادية تبدأ بعودة البشر أنفسهم إلى مساحاتهم الطبيعية حيث يعيشون ويتفاعلون فيما بينهم وينتجون ويستهلكون، فوجود السكان هو المحرك الأول للدورة الاقتصادية، لأن عودة العائلات تعني عودة الطلب على السكن والغذاء والخدمات والتعليم والرعاية الصحية. ومع عودة هذا الطلب تبدأ الأسواق المحلية بالتنفس من جديد ويتحرك قطاع البناء وتنشط المهن الصغيرة وتعود الضرائب المحلية لتغذية موازنات البلديات وبهذا المعنى فإن الكتلة السكانية هي شرط للتعافي واستدامة التنمية.
رغم شيوع الربط بين عودة اللاجئين وإعادة الإعمار في الخطاب العام، إلا أن هذا الربط ليس دقيقًا، فمصطلح “إعادة الإعمار” يشير إلى عملية واسعة النطاق تتطلب تخطيطًا حكوميًا وموارد مالية ضخمة وتدخلًا دوليًا منظمًا، ولا تحدث تلقائيًا أو بشكل متزامن بالضرورة مع عودة السكان، لكنها أيضًا لا يمكن أن تسبق عودتهم.
في المقابل، ما يحدث في المراحل الأولى بعد انتهاء النزاعات، هو ما يعرف بمرحلة التعافي المبكر، حيث تبدأ الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالتحرك تدريجيًا حتى في ظل غياب مشاريع إعادة الإعمار الشاملة.
توضح الباحثة المهندسة كندة حواصلي أن إعادة الإعمار “مسيرة كبيرة يفترض أن تتم وفق سياسات وخطط حكومية مع دعم خطط خارجية ومساعدات”، وترى أن التعافي يبدأ فعليًا عندما “تساعد عودة الناس على إعادة الحركة للأسواق وإعادة تفعيل النشاط الاقتصادي” حتى دون وجود مشاريع إعادة إعمار رسمية.
وفي السياق ذاته، تشير حواصلي في حديثها لـ”نون بوست”، إلى أن العلاقة بين عودة السكان وتحسن الأوضاع المعيشية ليست علاقة خطية أو ذات ترتيب زمني ثابت، بل عملية متداخلة، موضحة أن تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية قد يشجع العودة، وفي الوقت نفسه فإن عودة السكان تسهم في إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي.
الطبقة الوسطى تسرّع تعافي البلاد
تلعب الطبقة الوسطى دورًا أساسيًا في تحفيز النمو الاقتصادي واستدامته في مرحلة ما بعد الحرب، لأن وجودها يعزز الاستهلاك ويدعم تطور المؤسسات الاقتصادية والسياسية، إذ يتمتع أفرادها بدخل مستقر نسبيًا يسمح لهم بالإنفاق على التعليم والصحة وتطوير المهارات، وهذا يرفع إنتاجية القوى العاملة ويدعم النمو على المدى الطويل.
وتُظهر تحليلات البيانات التي استهدفت 72 دولة نامية في الفترة بين 1985 و2006 أن اقتصادات الدول التي فيها نسبة أكبر من الطبقة الوسطى تشهد معدلات أعلى من الاستثمار في التعليم والصحة (رأس المال البشري) حيث وجد التقرير أن اتساع الطبقة الوسطى يرتبط بزيادة مستويات التعليم والاستثمار مما يسرع النمو الاقتصادي عن طريق زيادة التراكم البشري والمادي في هذه الاقتصادات.
في سوريا أدت الحرب التي أشعلها نظام الأسد ضد الشعب السوري منذ عام 2011 إلى تدمير اقتصادي واجتماعي هائل، مما أسقط مستوى معيشة شريحة واسعة من السكان الذين كانوا ينتمون للطبقة الوسطى قبل الصراع إلى مستويات متدنية من الفقر المدقع.
وكان هذا فقدان كبير لرافعة اقتصادية مهمة، لأن الطبقة الوسطى قبل الحرب كانت تشكل العمود الفقري للنشاط الاستهلاكي وريادة الأعمال الصغيرة -وهما عنصران من أهم عناصر التعافي الاقتصادي- وأثر ضعف الطلب المحلي إلى حد كبير على فرص إعادة النمو في القطاع الخاص. كما أضعف استمرار الحرب لفترة طويلة وخسارة الوظائف وإحلال الاقتصاد الريعي على قدرة الأفراد على الاستثمار في التعليم والخدمات الصحية وهو ما أدى إلى تراجع جودة الكفاءات البشرية وقلص قدرة المجتمع على إنتاج كوادر مؤهلة ويشكل اليوم عائقًا رئيسيًا للتعافي طويل الأمد.
وتشير دراسات اقتصادية إلى أن تأثير وجود طبقة وسطى يمتد تأثيره أبعد من الجوانب الاقتصادية ويتعداه إلى الحياة المؤسسية والاجتماعية، وذلك من خلال تعزيز الحوكمة وتقوية المشاركة المدنية والحد من الفساد، وهو ما يشكل عاملًا مهمًا في تعزيز الثقة بالمؤسسات العامة وتقليل احتمالات الاضطرابات الاجتماعية.
بالتالي، فإن إعادة بناء الطبقة الوسطى في سوريا عامل أساسي في عملية التعافي وإعادة الإعمار، وهنا تبرز عودة السوريين في الخارج كأحد المسارات لإعادة تكوين قاعدة الطبقة الوسطى، إذ تمتلك شريحة واسعة من السوريين في الخارج خصائص ترتبط تقليديًا بالطبقة الوسطى.
فالهجرة ذاتها عملية انتقائية تتطلب موارد تعليمية أو مالية أولية لا تطيقها الفئات الضعيفة والهشّة، والحديث هنا عن اللاجئين منذ عام 2011، كما أن نسب التعليم النظامي والعمل في الاقتصاد الرسمي وريادة الأعمال الصغيرة بين السوريين في عدد من الدول المضيفة تعكس تموضعًا مهنيًا مستقرًا نسبيًا. إضافة إلى ذلك، تشكل التحويلات المالية المنتظمة واستمرار الاستثمار في تعليم الأبناء مؤشرات واضحة على وجود رأس مال بشري واجتماعي يتجاوز حدود الفئات الأشد هشاشة.
عودة الخبرات وانخراطهم يعزز الكفاءة المؤسسية
تشكل عودة الخبرات السورية في الخارج رافعة حقيقية لإعادة بناء الدولة والمجتمع في آنٍ واحد، إذ اندمج كثير من السوريين بدرجات متفاوتة في أسواق العمل الخارجية واكتسبوا مهارات مهنية وخبرات تقنية وإدارية في بيئات أكثر استقرارًا وتنظيمًا، وتمثل هذه الخبرات المتراكمة اليوم موردًا نادرًا لا يمكن تعويضه بسهولة في الداخل، خاصة في ظل الفجوة الكبيرة التي خلفتها الحرب في الكوادر المؤهلة في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والهندسة والإدارة العامة، وحتى بالنسبة للعمال والحرفيين والفنيين.
وتمتد أهمية عودة هذه الكفاءات لمناحي أوسع من مجرد نقل المعرفة، لتشمل نقل أنماط عمل وثقافات مؤسسية أكثر كفاءة وشفافية، وهو ما تحتاجه سوريا بشدة في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها، فالمهندس الذي عمل ضمن معايير تخطيط حضري حديثة، والطبيب الذي تدرب في أنظمة صحية متقدمة، ورائد الأعمال الذي خاض تجربة تأسيس مشاريع في بيئات تنافسية، جميعهم قادرون على إحداث أثر تراكمي يعيد تشكيل بيئة العمل المحلية ويسرع من وتيرة التعافي.
كما أن عودة هذه الشريحة تسهم في تقليص الفجوة بين الداخل والخارج، وتخلق جسورًا مستمرة للتعاون الاقتصادي والمعرفي مع الدول التي استقروا فيها سابقًا، سواء عبر الاستثمار أو نقل التكنولوجيا أو بناء شراكات عابرة للحدود.
حين نتأمل في حال بلدنا على مدار خمسة عشر عامًا الأخيرة، نلحظ أن التهجير لم يكن مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل كان في أحيان كثيرة هدفًا مقصودًا بذاته، أسهم في تحقيقه النظام السابق وحلفاؤه بآلة القمع، وتشابكت حوله مصالح إقليمية ودولية كانت تجد في سوريا المُفككة والخاوية مساحة مريحة، واليوم يعرقل الاحتلال الإسرائيلي محاولات الاستقرار في سوريا خدمة لمشروعه التوسعي.
لذا فإن عودة السوريين ليست مجرد قرار شخصي أو حق إنساني مشروع، بل هي -في جوهرها- فعل مقاومة وبناء في آنٍ واحد، إنها استعادة للأرض بالبشر قبل الحجر، وترميم للنسيج الاجتماعي الذي تآكل عقدًا بعد عقد، وإعادة تشغيل للدورة الاقتصادية التي تحتاج حيوية الأسواق وضجيجها.
