للتاريخ منطقٌ صارم؛ إذ إن بعض الأحداث لها ما بعدها، وأحيانًا تُعد قطيعةً مع ما قبلها. حينما هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بعضَ الأهداف في إيران صبيحة يوم 28 فبراير، تجاوز الصراع حدود المنطقة بكثير. فالصين، بوصفها أحد المشترين الرئيسيين للنفط الإيراني، قد تتضرر من الحرب، لكنها في الوقت نفسه تملك مصلحةً قوية في الحفاظ على الوضع الراهن، الذي يستنزف الولايات المتحدة، عملًا بالمبدأ الكونفوشيوسي المتبع في السياسة الخارجية الصينية: “اجلس على ضفة النهر، وانتظر جثة عدوك لتطفو”. ومن ناحية أخرى، تستفيد روسيا بطرق عديدة من تحويل موارد الولايات المتحدة واضطراب أسواق الطاقة.
حتى الآن، لا يرغب الاتحاد الأوروبي، بشكل عام، ولا الناتو ومجموعة السبع، بشكل خاص، في أن يصبحوا طرفًا عسكريًا في النزاع. ومع ذلك، ورغم أنهم ليسوا أطرافًا مباشرة في القتال، فإنهم يواجهون تحديات جسيمة نتيجة للحرب، تتمثل في التداعيات الاقتصادية والمتعلقة بالطاقة، حيث ارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل ملحوظ داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يتبعه قريبًا تضخم وتباطؤ اقتصادي.
يأتي هذا في وقت يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى التخلي تمامًا عن الوقود الأحفوري الروسي، الذي يتميز باستقراره النسبي ورخص ثمنه وإمكانية التنبؤ به. إضافةً إلى ذلك، في الدول الأعضاء الأكثر انفتاحًا على استقبال اللاجئين، زادت الحرب من مخاطر الإرهاب وضغوط الهجرة. كما أدى الصراع الإيراني إلى توترات داخل حلف الناتو بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، لكن يبدو أن بعض قادة الاتحاد الأوروبي مصممون على استغلال الوضع لمواصلة دعم أوكرانيا.
إن كل تلك التناقضات في الصراع تفتح زاويةً للنظر في أحد انعكاسات هذه الحرب الطاحنة؛ فبينما كان يُفترض بتكتلات اقتصادية وأحلاف عسكرية مثل الناتو والبريكس ومجموعة السبع ومنظمة شنغهاي، أن تعمل على جمع مصالح مجموعة من الدول في بوتقة واحدة في مواجهة مجموعة أخرى، نجد أن المصالح داخل البوتقة الواحدة قد تتضارب وتتعارض أحيانًا إلى درجة قد تؤدي إلى الانفصال وفشل تلك التكتلات، كما في حالة الناتو ومجموعة السبع، أو حتى إجهاض بعضها في مهده، كما قد يحدث مع منظمات مثل البريكس. فكيف تبدو انعكاسات هذه الحرب على مشاريع التحالفات الإقليمية والدولية حتى الآن؟ وهل يمكن التنبؤ بأي مآلات في هذا الصدد؟
تحالف فوق بركان
باستثناء اليابان، تُعد الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا دولًا رئيسية في حلف الناتو، وهي أيضًا من مجموعة الدول الصناعية السبع (G7)، التي يجمعها إطار من التعاونات الاقتصادية المشتركة. وبذلك، تجتمع هذه الدول ضمن تحالفات اقتصادية من جهة، ومن جهة أخرى يُفترض أنها تتشارك رؤية أمنية جيوستراتيجية موحدة تجاه أمن العالم، ومنطقة الشرق الأوسط، والأمن الملاحي، وتأمين سلاسل الإمداد.
ففي قمة لاهاي 2025، أصرت فرنسا على اعتبار إيران تهديدًا هجينًا لأمن الناتو والمنطقة، بسبب تحالفاتها مع روسيا والصين، وميليشياتها في المنطقة. ومع ذلك، حين اندلعت الحرب على إيران، بدا أن هذا الخطر ما يزال حبرًا على ورق في نظر الناتو، الذي أجمع أعضاؤه الكبار على رفض الحرب، خاصة بعد ظهور آثارها الاقتصادية سريعًا على أوروبا.
من جانبه، بدا واضحًا أن دونالد ترامب لا يأبه كثيرًا بالمواقف الأوروبية المركبة وتعقيدات التداخل بين الأمن والاقتصاد لدى أعضاء حلف الناتو، ففي الساعات الأولى من يوم 28 مارس، وفي ميامي بيتش، قال: “هل هذا خبر عاجل؟ أعتقد أن لدينا خبرًا عاجلًا”، في إشارة إلى أنه بات يفكر بجدية في ترك حلف الناتو، الذي وصفه بأنه أصبح عبئًا على الولايات المتحدة.
ولا يتوقف الرئيس ترامب عن إطلاق مثل هذه التصريحات، حتى قبل حرب إيران، ما يجعل من الصعب الجزم إن كان جادًا أم هازلًا، لكن بالنسبة لأوروبا، تفتح هذه التصريحات الباب أمام الكثير من التساؤلات حول استعداد الناتو لمستقبل من دون قيادة الولايات المتحدة، ومع اندلاع الحرب على إيران، باتت هذه المخاوف أكثر واقعية لدى القادة الأوروبيين من أي وقت مضى، خاصة مع محاولات وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، المستمرة لإقناع دول الناتو بجدوى الحرب، وتخفيف وقع تصريحات ترامب على الدول الأعضاء.

“يحب والدُنا – دادي في الأصل – أن يستعمل كلمات خشنة أحيانًا”. بهذه الكلمات تملق مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، دونالد ترامب في يونيو 2025، حينما كاد الرئيس الأمريكي أن يستخدم لفظًا خادشًا في حوار رسمي. وحين اندلعت الحرب على إيران، خرج روته ليُعلن دعم الناتو المطلق لترامب، مؤكدًا: “إنه يفعل ذلك لجعل العالم بأسره أكثر أمنًا، دعونا لا نكون ساذجين. إيران مصدر للفوضى في المنطقة والعالم منذ سنوات عديدة، وما تفعله الولايات المتحدة هو تقويض تلك القدرة، وأنا أؤيد ذلك. أما بالنسبة لاختلاف الدول الأوروبية حول دخول الحرب، فأعتقد أنها مسألة وقت قبل أن تجتمع أوروبا على كلمة واحدة لدخول الحرب ودعم الرئيس ترامب”.
تطرح كلمات روته مفارقة كلاسيكية في أي حرب، الأمن من أجل الاقتصاد أم الاقتصاد من أجل الأمن؟ ولا يبدو أن أغلبية الدول الأعضاء في الناتو على استعداد لتملق ترامب على غرار روته، بل إن بعضهم بات مستعدًا لإطلاق تصريحات تفيد بأن السيل قد بلغ الزُبى.
“لقد فوجئنا بحليف أمريكي – ما زال حليفًا – لكنه يزداد تقلبًا ولا يكلف نفسه عناء إبلاغنا عندما يقرر شن عمليات عسكرية. ذلك يهدد أمننا ومصالحنا… تدخلنا في أفغانستان من أجل الأمريكيين، الذين استندوا إلى المادة الخامسة من حلف الناتو، ثم اختاروا الانسحاب دون إبلاغنا. والآن قرروا الدخول في الشرق الأوسط دون إبلاغنا”. تلك كلمات فابيان ماندو، رئيس أركان الجيش الفرنسي، المعروف بإثارته للجدل.
وبمقارنة موقفه بموقف روته، نجد أنفسنا أمام مرآة متشظية تعكس حال الغرب في علاقته بالولايات المتحدة؛ علاقة كلاسيكية بدأت بوادر توترها منذ عام 2018 مع تهديد ترامب بالانسحاب من الناتو، ثم تصاعدت خلال ولايته الثانية، من أزمة الرسوم الجمركية إلى ملف غرينلاند وأوكرانيا، وصولًا إلى الشرق الأوسط اليوم.
حلف الناتو والعظماء السبع.. الرفاق حانقون
يُعد الدير القديم، الذي يعود تأسيسه إلى القرن الثاني عشر في مدينة فو دو سيرناي، والمملوك حاليًا لعائلة روتشيلد ويُدار كفندق، واحدًا من أكثر الأماكن هدوءًا في فرنسا، لمن أراد تجربةً تأملية هادئة، لكن تلك المواصفات لم تنطبق على حظ ماركو روبيو العاثر، في جولة فاشلة جديدة لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وبقية أعضاء مجموعة الدول السبع.
يتجلى هذا الانفصام في التصريحات المتواصلة التي تقف في مواجهة خطاب ترامب المتبجح. تحاول الدول الأعضاء التعبير عن مواقفها بلباقة، ولكن بحسم، إذ يؤكد كير ستارمر، رئيس وزراء المملكة المتحدة: “لن نُجر إلى هذه الحرب. لا يمكن إرسال قواتنا إلا وفق خطط مدروسة جيدًا، وفي عمليات قانونية”. وفي اجتماع روبيو، الذي خرج منه خالي الوفاض مع قادة السبع الكبار يوم الجمعة 27 مارس، لم يفت وزيرة الدفاع الفرنسية كاثرين فورتران أن تشدد على أن “هذه الحرب ليست حربنا”، مضيفةً في تصريحات إذاعية: “النهج الدبلوماسي هو الهدف الحقيقي، فهو الوحيد القادر على ضمان عودة السلام”.
عكست مخرجات ذلك الاجتماع اتساع الفجوة بين الحلفاء؛ إذ ازداد التشكيك في جدوى الحرب الأمريكية، كما أدانت الدول الست الهجمات العسكرية على المدنيين في إيران دون تحديد المسؤول، في رسالة لا تخلو من ضجر تجاه الولايات المتحدة. والأهم من ذلك، عبرت الدول الحليفة عن قلقها من أن تؤثر الحرب في الشرق الأوسط على التزام الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا. وجاء رد روبيو غير مطمئن: “موقفنا من أوكرانيا واضح، ما زلنا مستمرين في صفقات بيع الأسلحة دون أي نقصان، لكن إذا تطلبت الحرب في الشرق الأوسط ذلك، فلا مفر من فعله”.

التكتلات الشرقية.. مشاهد مليئة بالضباب
على عكس حرب الأيام الاثني عشر، لم تخرج مجموعة بريكس حتى الآن ببيان موحد لإدانة الحرب على إيران، فقد أعلنت جنوب إفريقيا والصين وروسيا، كلٌ على حدة، مواقف واضحة داعمة لإيران، بينما يبدو موقف الهند حتى الآن متسمًا بقدر كبير من الحرج. أما مصر، ذات الثقل الإقليمي والتي انضمت حديثًا إلى المجموعة، فتبدو مترددة بين إدانة العدوان على إيران ومواءمة مصالحها مع شركائها في الخليج والولايات المتحدة.
ولا شك أن الرئيس الإيراني يشعر بخذلان كبير، لم يُخفه في مكالمته مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، حيث ناشده – بصفته رئيس الدورة الحالية لمجموعة بريكس – أن تتخذ المجموعة موقفًا مستقلًا تجاه الحرب وإدارة الصراع.
وبالنسبة للشرق ودول الجنوب العالمي، يكشف الصراع الحالي بوضوح أن العلاقة بين روسيا وإيران والصين لا تُشكل كتلة موحدة كما يُصوَر غالبًا في الخطاب الغربي، بل هي أقرب إلى تعاون فضفاض قائم على تقاطع المصالح. ومع ذلك، تبرز هذه الدول الثلاث بشكل متزايد كمثلث استراتيجي غير رسمي، تُدار علاقاته جزئيًا عبر منصات متعددة الأطراف مثل مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون. وفي الوقت نفسه، لا يمكن اعتبارها كتلة متجانسة، إذ تُصاغ سياسات كل دولة وفقًا لأولوياتها الوطنية الخاصة.
وإذا كانت الأزمة تُلقي بظلالها على بنية المؤسسات متعددة الأقطاب، فمن المهم عدم إغفال الفارق بينها وبين مؤسسات مثل الناتو ومجموعة السبع. فبالنسبة لمنظمة شنغهاي للتعاون، التي انضمت إليها إيران عضوًا كامل العضوية عام 2023، تمثل هذه الأحداث اختبارًا حقيقيًا للتضامن الأمني. وقد يُسهم التنسيق الدبلوماسي بين روسيا والصين في مجلس الأمن، إلى جانب سوابق التعاون الاستخباراتي والتقني، في تسريع تفعيل آليات عملية، مثل تطوير بروتوكولات رسمية لتبادل المعلومات الاستخباراتية – وهو ما تشير إليه بعض التقارير – وتنظيم تدريبات مشتركة لحماية خطوط الطاقة، ووضع خطط طوارئ لمواجهة التهديدات الهجينة.
أما داخل مجموعة البريكس، التي انضمت إليها إيران عام 2024، فيبدو أن الضغط أشد وطأة، إذ ترى الباحثة في الشؤون الصينية إيكا خوربالزاد، في تقريرها “الصبر الاستراتيجي: كيف تُوجه الصين حرب إيران؟”، أن مشهد العمل العسكري الغربي الأحادي الجانب ضد دولة عضو يبرز ضرورة الانتقال من مستوى الخطاب إلى أدوات ملموسة. ويتمثل ذلك في توسيع تجارة الطاقة باليوان الصيني ضمن مسار “نزع الدولرة” – وهو ما أصبح بالفعل معيارًا معتمدًا للنفط الإيراني – إضافة إلى إنشاء قنوات دفع بديلة محصنة ضد العقوبات الثانوية، وتطوير ترتيبات أمنية جماعية للطاقة تقلل من مخاطر “حروب الاختناق”، كما يعزز موقع روسيا كمورد رئيسي لكل من الصين والهند، في ظل اضطرابات الخليج، مستوى الترابط داخل المجموعة.
ومع ذلك، ثمة نقطة جوهرية ينبغي الانتباه إليها؛ إذ تشير الباحثة إلى أن الواقعية تفرض الاعتراف بالحدود، فلا منظمة شنغهاي للتعاون ولا مجموعة البريكس قادرتان – في الوقت الراهن – على مجاراة القوة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، لكن “الاختبار بالنار” قد يتحول إلى محفز يدفع هذه التكتلات نحو اتفاقيات اقتصادية وأمنية أكثر صرامة، تعكس تفضيل الشرق لإعادة التوازن التدريجي بدلًا من المواجهة المباشرة.
في المقابل، لا يرى الباحث ألكسندر غابويف، مدير مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا في برلين، أن البعد الأمني يشكل جوهر البريكس. إذ يقول: “إنها بالتأكيد ليست تحالفًا عسكريًا، ولا توجد التزامات على الدول الأعضاء لمساندة بعضها البعض… وإذا كان أي طرف يأمل في تحويل البريكس إلى بديل لمجموعة الثماني أو غيرها من التكتلات الغربية، فتلك توقعات لن تتحقق”.
البريكس.. أزمات بنيوية
نحتاج هنا إلى التوقف مطولًا عند ما يطرحه الباحث أوليفر ستونكل، في مقالته المنشورة في مجلة فورين بوليسي بعنوان “البريكس منقسم حول إيران، كذلك الناتو ومجموعة السبع”، إذ يبدو رده على الانتقاد التقليدي الموجه إلى البريكس بوصفها تكتلًا غير فاعل، مفتاحًا مهمًا لفهم طبيعة هذه المجموعة، أو على الأقل الكيفية التي تُعرف بها نفسها.
يقول ستونكل: “هنا رأي يستند إلى فرضية خاطئة؛ إذ يفترض أن البريكس تتصرف كتحالف رسمي ذي مواقف مشتركة بشأن الأمن. في الواقع، ليست البريكس كتلة جيوسياسية، ولم تكن كذلك قط. فمنذ بداياتها، جمعت دولًا ذات أولويات جيوسياسية شديدة التباين. بدأ قادة البرازيل وروسيا والهند والصين اجتماعاتهم الأولى عام 2009، قبل انضمام جنوب أفريقيا بعد عام. وحتى ذلك الحين، لم يكن لدى أعضائها رؤية عالمية موحدة. فقد سعت روسيا، وإلى حد أقل الصين، منذ فترة طويلة إلى استخدام المجموعة كقوة موازنة لمجموعة السبع والغرب، لا سيما بعد الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014. في المقابل، انتهجت البرازيل والهند وجنوب أفريقيا استراتيجية التحالفات المتعددة”.
ويمضي ستونكل في التأكيد على أن التناقض ليس خللًا طارئًا في البريكس، بل جزء من بنيتها وهويتها، إذ يقول: “أبرز التوسع الأخير للمجموعة، الذي حظي بتأييد الصين وروسيا، بينما عارضته البرازيل والهند وجنوب أفريقيا، هذه التناقضات بشكل أكبر. ومع انضمام مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات العربية المتحدة عام 2024، ازدادت المجموعة تنوعًا وانقسامًا. وتُظهر صور الطائرات الإيرانية المسيرة التي تشن غارات على الإمارات – حيث يهاجم أحد أعضاء البريكس عضوًا آخر – حجم التنافسات الجيوسياسية التي أدخلها هذا التوسع الكبير”.
الفرضية التي ينتهي إليها ستونكل هي أن كثافة التناقضات داخل البريكس تُفرغها من دلالتها كعامل ضعف، بل تجعلها سمة بنيوية لا يمكن القياس عليها بمعايير التحالفات التقليدية. ويوضح ذلك بأمثلة عملية، قائلًا: “أدى توسع البريكس إلى شل عملية صنع القرار داخلها، لا سيما في ما يتعلق بإصلاح مجلس الأمن الدولي. فقد سعت البرازيل والهند وجنوب أفريقيا منذ فترة طويلة إلى الحصول على مقاعد دائمة، لكن لا يوجد إجماع داخل المجموعة على شكل هذه التغييرات. وقد قاوم الأعضاء الأفارقة، بمن فيهم مصر وإثيوبيا، أي صياغة تبدو وكأنها تُرجح كفة جنوب أفريقيا. وبلغت التوترات ذروتها في اجتماع وزراء خارجية البريكس العام الماضي، عندما عجز المشاركون عن الاتفاق على بيان مشترك للمرة الأولى في تاريخ المجموعة”.
ويضيف: “أبدت البريكس ترددًا مماثلًا عقب تصعيدات أمريكية سابقة ضد إيران. فعندما هاجمت الولايات المتحدة إيران في يونيو الماضي، أصدرت المجموعة بيانًا مقتضبًا أعربت فيه عن قلقها البالغ، ووصفت الضربات بأنها انتهاك للقانون الدولي، لكنها تجنبت ذكر واشنطن، في محاولة واضحة لتفادي إثارة خلافات داخلية، خاصة في ظل انخراط بعض أعضائها – وعلى رأسهم الهند – في مفاوضات حساسة مع الولايات المتحدة”.
ويخلص ستونكل إلى أن: “انقسامات البريكس حول تجدد الصراع في إيران ليست مفاجئة، ولا تكشف عن شيء ذي دلالة حاسمة. فلو كان الخلاف حول أزمة عسكرية كبرى معيارًا لعدم الفاعلية، لكانت العديد من تحالفات الغرب نفسها قد فشلت في الاختبار ذاته؛ إذ إن الناتو ومجموعة السبع منقسمتان أيضًا بشأن الحرب في إيران”.
سيناريوهات محتملة.. مرهونة إلى القرار الصيني
بالنسبة للسيناريو الأسوأ لهذه المنظمات، ترى الباحثة في الشؤون الآسيوية الأوراسية في معهد بروغل، أليسيا غارسيا هيريرو، في تقريرها “ماذا تعني الحرب للصين؟”، أن “التقارب السعودي الإيراني عام 2023، بوساطة صينية بارعة، كان إنجازًا تاريخيًا في تعزيز الاستقرار ومواجهة الهيمنة الأمريكية في المنطقة. كما عزز هذا الاتفاق دور الصين كوسيط محايد ضمن إطار مبادرتها للأمن العالمي. وبالمثل، فإن انضمام إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون عام 2023، وإلى مجموعة البريكس عام 2024، عزز الأطر متعددة الأطراف التي تتماشى مع رؤية بكين لنظام عالمي متعدد الأقطاب، بما يضعف الهيمنة الغربية.
لذلك، فإن انتصارًا أمريكيًا، في ظل دعم صيني محدود لإيران، قد يزعزع هذه الهياكل ويجبر الصين على إعادة تقييم تحالفاتها، كما أن عدم الوقوف إلى جانب دولة رحبت بها الصين ضمن دوائرها الأساسية قد يُقوض مصداقيتها لدى دول الجنوب العالمي، لا سيما في المجال الأمني، إذ قد تتوقع هذه الدول تضامنًا ملموسًا أكبر في مواجهة ما تعتبره عدوانًا غربيًا”.

وتذهب هيريرو إلى أن على الصين أن تُثبت رهانها على إيران، دفاعًا عن مستقبل البريكس ومنظمة شنغهاي، مضيفةً في طرحها للسيناريو الأفضل: “في المقابل، قد يفتح انسحاب أمريكي مفاجئ – ربما نتيجة ضغوط داخلية، أو ارتفاع التكاليف، أو صمود إيران – المجال أمام توسع الدبلوماسية والاستثمارات الصينية، وقد يُعيد تشكيل نظرة دول الجنوب العالمي إلى الطرف المنتصر في الصراع. وينبغي أن يكون الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021 تذكيرًا بالتداعيات الواسعة لمثل هذه التحولات، وبحجم المكاسب التي يمكن أن تجنيها الصين”.
يراهن كثير من الباحثين، إذًا، على أن مستقبل المؤسسات متعددة الأقطاب بات مرتبطًا إلى حد كبير بما ستقرره الصين، أكثر من أي دولة أخرى فاعلة فيها، سواء كانت روسيا أو الهند أو البرازيل، أو حتى إيران نفسها، لكن العودة إلى باحث مثل أوليفر ستونكل تفتح زاوية مغايرة؛ إذ يرى أن مستقبل هذه المنظمات قد يستمر بغض النظر عن مآلات الحرب أو حتى هزيمة إيران، لأن ذلك ليس تحديها الوجودي.
ويختم ستونكل قائلًا: “لم تُصمَم هذه المجموعة لفرض مواقف موحدة بشأن كل أزمة جيوسياسية، بل تؤدي وظيفة مختلفة: فهي منصة تُمكن القوى الصاعدة الكبرى من التنسيق بشكل انتقائي، والتحوط في مواجهة عدم اليقين الجيوسياسي، وتعزيز نفوذها في عالم لا تزال تهيمن عليه المؤسسات الغربية. وبهذا المعنى، فإن البريكس ليست تحالفًا بالمعنى الحرفي، بل فضاء دبلوماسي ومنتدى لدول تتشارك القلق من الهيمنة الغربية، وتسعى إلى استكشاف بدائل دون الالتزام بأجندة استراتيجية موحدة. والانقسامات الحالية حول إيران ليست سوى تذكير جديد بطبيعة البريكس: تكتل فضفاض، غالبًا غير منظم، تتعاون دوله حيث تتقاطع مصالحها، وتختلف حيث تتباين”.
