لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تُقرأ في الخليج بوصفها جبهة خارجية فقط، فإلى جانب الصواريخ والمسيّرات التي دفعت العواصم الخليجية إلى رفع جاهزيتها، برز خلال مارس/آذار مسار آخر يهدد تلك الدول من الداخل.
فقد كشفت عدة دولة خليجية عن مجموعات رصد إيرانية وشبكات تمويل ومحاولات تجنيد ومخططات اغتيال وملفات نقل صور وبيانات عن منشآت حساسة، وهكذا انتقل سؤال الأمن من الطائرات المسيرة إلى الخلايا النائمة.
ماذا كُشف فعلًا؟
خلال مارس/آذار فقط أعلنت أربع دول خليجية تفكيك شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحليفه حزب الله:
قطر: خلايا تجسس وتخريب بطائرات مسيّرة
في 3 مارس/آذار 2026 أعلنت وكالة الأنباء القطرية (قنا) توقيف خليتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني، موضحة أن الخلية الأولى مكلفة بجمع معلومات عن منشآت حيوية وعسكرية داخل قطر، بينما كُلِّفت الخلية الثانية بتنفيذ أعمال تخريب باستخدام طائرات مسيّرة.
وحسب الوكالة، جرى اعتقال عشرة مشتبه بهم لم يكشف عن جنسياتهم، سبعة منهم كانوا يراقبون المنشآت وثلاثة تلقوا تدريبات على الطائرات المسيّرة.
وأظهرت التحقيقات وجود أجهزة اتصال وبيانات وتنسيقات حساسة بحوزة الموقوفين، واعترفوا – وفقًا للبيان – بارتباطهم بالحرس الثوري وبتكليفهم بـ مهام التجسس والتخريب.
الإمارات: شبكة غسل أموال تحت غطاء تجاري
في 20 مارس/آذار أعلنت وكالة أنباء الإمارات (وام) تفكيك شبكة “إرهابية” ممولة من إيران وحزب الله، تعمل داخل الإمارات تحت غطاء تجاري وهمي.
أكد البيان أن الشبكة كانت تنفذ عمليات غسل الأموال وتمول “الإرهاب”، وتهدف إلى تهديد الأمن الوطني والاستقرار المالي من خلال اختراق الاقتصاد.
لم تُذكر تفاصيل عن عدد المعتقلين أو جنسياتهم، لكن الخارجية اللبنانية سارعت إلى إدانة ما وصفته بـ “المؤامرة الإرهابية” وعرضت التعاون مع أبوظبي، بينما نفى حزب الله أي وجود أو نشاط له داخل الإمارات.
الكويت: مخطط اغتيالات وشبكات متعددة
في 25 مارس/آذار، أعلنت وزارة الداخلية الكويتية إحباط مخطط لاغتيال قادة الدولة، مبينة أن جهاز أمن الدولة اعتقل خلية مكونة من ستة أشخاص – خمسة مواطنين كويتيين وشخص واحد سُحبت منه الجنسية – بعد عمليات مراقبة دقيقة.
وأشارت الوزارة إلى تحديد هوية 14 مشتبهًا آخرين خارج البلاد، بينهم كويتيون ولبنانيون وإيرانيون. وأظهرت التحقيقات أن المجموعة مرتبطة بحزب الله اللبناني، وأنها كانت تخطط لاغتيالات تستهدف “رموز الدولة” وتجنيد عناصر جديدة، وأن أفرادها تلقوا تدريبات عسكرية متقدمة في الخارج.

ولم تكن هذه المرة الأولى منذ بداية الحرب على إيران، ففي 16 مارس، أعلنت أجهزة الأمن الكويتية تفكيك خلية مرتبطة بحزب الله تضم 14 مواطنًا ولبنانيين اثنين، وفي 18 مارس اعتقلت عشرة أشخاص كانوا ينسقون مع جهات خارجية لتزويدها بمعلومات عن مواقع حساسة.
البحرين: قضايا تجسس وتمويل وتخطيط
في 26 مارس/آذار أعلن المدعي العام البحريني إحالة 14 متهمًا بينهم امرأة في أربع قضايا منفصلة إلى المحكمة الجنائية العليا، مؤكدا أن المجموعة تشمل بعض الفارين إلى إيران.
تضمنت الاتهامات التواصل مع الحرس الثوري الإيراني لتنفيذ عمليات عسكرية وعدائية داخل البحرين، وتقديم الدعم المالي، واستلام وتوصيل الأموال لهذه العمليات.
كما شملت التهم بث معلومات مصنفة سرية ونشر شائعات لإثارة الذعر، بالإضافة إلى تصوير مواقع حساسة وإرسال الصور للإيرانيين، الذين استخدموها في استهداف منشآت داخل المملكة.
وأشار المدعي العام إلى أن بعض المتهمين تلقوا تدريبًا عسكريًا في معسكرات الحرس الثوري، وأن الأدلة تضمنت اعترافات وشهادات شهود وفحص لأجهزة إلكترونية.
ما أنماط التهديد الإيراني؟
1- من شبكة الوكلاء إلى الأدوات غير المتوازية
تعد الوقائع الأخيرة جزءًا من حرب هجينة لا تقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية، إذ اعتمدت طهران منذ سنوات على حلفاء ووكلاء إقليميين لردع خصومها، ونجحت بنشر نفوذها عبر بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.
ويشير تحليل لمركز تشاتام هاوس حول استراتيجية “الدفاع المتقدم” الإيرانية، إلى أن هذا الاستخدام المكثف للوكلاء جعل الشبكة عرضة للضغط مع تصاعد الحرب، إذ تتعرض الآن لهجوم شامل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
وتفسر هذه الخلفية لماذا قد تلجأ طهران إلى أدوات غير متوازية، مثل التجسس والتمويل السري، للمحافظة على قدرة الردع بعدما انهالت عليها ضربات عسكرية مباشرة.
ويرى مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية أن الحرب الحالية دفعت إيران إلى استخدام نموذجا هجينا يدمج الضربات الجوية بالصواريخ مع أدوات سيبرانية واقتصادية وإعلامية.
ويحذر في تقرير من أن صراعًا طويل الأمد قد يعني انخراط إيران في هجمات سيبرانية ضد البنوك وشركات الطاقة والشبكات الحكومية، كما قد يزداد الاعتماد على المعلومات المضللة والتخريب الاقتصادي.
ويذهب مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية “CSIS” أبعد من ذلك، إذ يصف الاستراتيجية الإيرانية بأنها “حملة عقابية متعددة المجالات”، قائلا: “تدرك طهران أنها في مواجهة قوى تفوقها عسكريًا، لذا توسع المعركة أفقيًا عبر تهديد الأنظمة المدنية والاقتصادية في الدول المجاورة”.
وتشمل هذه الحملة استخدام الصواريخ والهجمات السيبرانية وحملات التضليل لإحداث شلل في الموانئ والمصافي ومحطات التحلية ومراكز البيانات والمؤسسات المالية.
2- الخلايا النائمة كأداة قابلة للتفعيل
المخاوف من الخلايا النائمة ليست مجرد مبالغة إعلامية، فبحسب تحليل لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى حول دور “محور إيران”، كشفت التحقيقات الأمريكية عن إحباط 17 مخططًا مرتبطًا بطهران خلال السنوات الخمس الماضية.
وأبرزها قضية علي كوراني، عنصر في “حزب الله” حُكم عليه في نيويورك عام 2019، والذي وصف نفسه بأنه عميل نائم مكلف بجمع معلومات عن أهداف في الولايات المتحدة وكندا.
وقال كوراني إن التعليمات بتنفيذ عمليات ستأتي إذا اندلعت حرب بين الولايات المتحدة وإيران، ما يوضح أن طهران تمتلك بالفعل شبكة دولية من الخلايا النائمة قد تُفعّل عند الحاجة.

وتحدث تقرير آخر للمعهد نفسه عن أن مقتل القيادة الإيرانية دفع قوة القدس إلى التهديد بأن أعداءها “لن يكونوا آمنين في أي مكان”. ويلاحظ أن مخططات مرتبطة بإيران ظهرت في أذربيجان والكويت وقطر والإمارات وبريطانيا، وأن واشنطن تخشى احتمال تفعيل خلايا داخل الولايات المتحدة.
ويظهر التناغم بين هذه التحذيرات والإعلانات الخليجية أن ما جرى في الدوحة والكويت وأبوظبي والمنامة ليس أحداثًا معزولة.
ونقلت صحيفة “الغارديان“، مخاوف خبراء من أن إيران قد تلجأ إلى تفعيل خلايا في الخليج. فالخبير الأمني بلال صعب حذر من أن أسوأ سيناريو هو تنشيط تلك الخلايا النائمة واندلاع حرب على جبهتين، داخلية وخارجية.
وأشار إلى أن هناك إشارات إلى أن خلايا خاملة بدأت تتحرك وتم توقيفها في الكويت والإمارات، محذرًا من أن الأزمة قد تتعمق إذا طال أمد الحرب.
3- البعد السيبراني واستهداف البنية الرقمية
البعد السيبراني لا يقل أهمية، إذ يوضح تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية “IISS” أن الحرب في الفضاء الإلكتروني غير متكافئة.
ففي حين يمتلك الأمريكيون والإسرائيليون قدرات متطورة استخدموها لتعطيل الاتصالات الإيرانية، تعتمد إيران على مجموعات هاكرز ووكلاء مؤيدين لتنفيذ هجمات “DDoS” وتشويه المواقع وحملات “الاختراق والتسريب” لإرباك الخصم.
ويتحدث التقرير عن محاولات للوصول إلى كاميرات المراقبة في الخليج لتوجيه الضربات، محذرًا من أن ضعف قدرات الأمن السيبراني في بعض دول الخليج يجعلها عرضة لهذه الاختراقات.
وهو ما يفسر أهمية الخلايا التي تجمع الصور والإحداثيات داخل هذه الدول، لأن التهديد هنا لا ينفصل بين الرصد الميداني والاختراق الرقمي، بل يعمل الاثنان معًا داخل منطق واحد للحرب الهجينة.
كيف تغيّر الحرب معنى الأمن الخليجي؟
تُظهر التقارير السابقة أن الحرب لم تعد تتعلق بمسارح المواجهة التقليدية فقط. فإذا طال أمد الحرب وواصلت إيران استخدامها الهجين، فإن تهديداتها ستتعمق داخل المجتمعات الخليجية بأشكال مختلفة:
1- اتساع الخطر الداخلي: توضح صحيفة الغارديان أن الخوف الأكبر هو أن تتحول الحرب إلى معركة على جبهتين، حيث تواجه الدول الخليجية صواريخ ومسيّرات من الخارج وخلايا تجسس وتخريب من الداخل.
وتشير المعطيات بالفعل إلى أن الخلايا التي جُمعت في قطر والكويت والإمارات والبحرين كان هدفها توفير إحداثيات تساعد على زيادة دقة الضربات أو تنفيذ عمليات تخريبية متناغمة مع الهجمات الخارجية.
2- إعادة تعريف الأولويات الأمنية: تقوم الاستراتيجية الإيرانية الحالية – كما يحللها CSIS – على استهداف البنية التحتية للطاقة والاتصالات والنقل والمصارف.
لذا يرى الخبراء أن الدفاع الجوي لم يعد كافيًا، وأنه يجب حماية أنظمة المعلومات، ومراقبة التمويلات المشبوهة، وتشديد الرقابة على أنشطة التجنيد وغسل الأموال، وهو ما تعكسه التوقيفات الأخيرة في دول الخليج.
3- تشديد استخباراتي أوسع: يشير معهد تشاتام هاوس إلى أن اعتماد إيران على شبكة وكلاء واسعة قد ارتد عليها، فشبكاتها باتت مكشوفة ومعرضة للتفكيك، وفق تقديره. ومع ذلك، يحذر مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية من أن الحرب قد تدخل مرحلة استنزاف طويلة ترفع من مخاطر الأخطاء والتصعيد.
لذلك قد تدفع هذه المخاطر الحكومات الخليجية إلى توسيع عمليات الاستخبارات البشرية والتعاون الأمني الإقليمي لرصد أي مؤشرات على تنشيط خلايا جديدة، وإلى تحسين أنظمة الاستجابة السيبرانية كما أوصى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS.
وتختلف التوقعات حول مسار الحرب وتأثيره على الخليج، إذ يرى تقرير مجلس الشرق الأوسط احتمالات لثلاثة سيناريوهات: استمرار التصعيد تدريجيًا، أو تصعيد غير مقصود نتيجة سوء حسابات، أو تراجع تكتيكي مؤقت.
إذا تحقق احتواء سريع، ربما تُبقي إيران على تهديد داخلي محدود، أما إذا امتدت الحرب، فإن فرصة اكتشاف خلايا إضافية ستزداد، مما يزيد الضغوط على النسيج الاجتماعي ويجعل الخليج يعيش هاجس الاختراق المستمر.