ترجمة وتحرير نون بوست
بصفتها المستورد الأول للنفط عالميًا، تجد الصين نفسها في مواجهة تهديد جسيم تفرضه حرب إيران، غير أن بكين التي استبقت الأزمة بسنوات من التخطيط، باتت اليوم في موقع استراتيجي يتيح لها تحويل مسار الصراع لصالح طموحاتها في الهيمنة الاقتصادية. ففي العام الماضي، استوردت الصين نحو نصف احتياجاتها من النفط الخام وما يقارب ثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط. كما عملت بكين بشكل مكثف على زيادة مخزوناتها الاستراتيجية من الوقود الأحفوري لتصبح بذلك حسب آخر التقديرات صاحبة أكبر احتياطي طوارئ نفطي في العالم بإجمالي 1.3 مليار برميل.
أكّدت إيران أن السفن المرتبطة بشركاء “غير معادين”، ومن بينهم بكين، يمكنها عبور مضيق هرمز. في الأثناء، يُنقل نحو نصف واردات الصين من الغاز عبر خطوط أنابيب من روسيا وتركمانستان بموجب عقود طويلة الأجل. علاوة على ذلك، وظّف الحزب الشيوعي الصيني سلطته المركزية لتقييد صادرات المصافي في البلاد، مع إمكانية استخدام هذه الأدوات لكبح الأسعار والتوجّه نحو مصادر طاقة بديلة.
إلى جانب ذلك، ضخّت الصين استثمارات كبيرة في قطاع الكهرباء الذي يستأثر بنحو 30 بالمئة من إجمالي استهلاك الطاقة في البلاد، أي أعلى بنحو 50 بالمئة مقارنة بالولايات المتحدة أو أوروبا، ما يعزز قدرتها على امتصاص تداعيات ارتفاع أسعار النفط العالمية. ومع التوسع المتسارع في طاقتي الشمس والرياح، تستحوذ الصين بالفعل على نحو ثلث القدرة العالمية لإنتاج الطاقة المتجددة.
يشير تقدير صادر عن “غولدمان ساكس” إلى أن تنوع مزيج الطاقة، وتعدد الموردين، وتوفّر مسارات بديلة تتجاوز منطقة الخليج، يعني أن نحو 6 بالمئة فقط من إجمالي استهلاك الطاقة في الصين معرض بشكل مباشر لأي اضطرابات في المضيق. وخلاصة القول، تبدو الصين قادرة على الصمود في وجه صراع قد يستمر لعدة أشهر إضافية، في حين أن تحصنها النسبي من تقلبات أسعار الطاقة العالمية سيمنح صادراتها ميزة تنافسية أكبر.
كما أن رهان بكين على التكنولوجيا النظيفة والاستقلال الصناعي المتكامل يمنحها القدرة على تحقيق مكاسب اقتصادية ودبلوماسية مستدامة من الحرب. أولاً، أبرز الصراع أهمية تقليص الاعتماد على واردات الهيدروكربونات حيث تستحوذ الشركات الصينية على ما لا يقل عن 70 بالمئة من القدرة التصنيعية العالمية للتقنيات الخضراء الرئيسية، بما في ذلك الطاقة الشمسية والبطاريات ومكونات المركبات الكهربائية. كما تهيمن البلاد على استخراج وتكرير العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في هذه الصناعات.
وانعكاساً لذلك، تهافت المستثمرون نحو أسهم الطاقة الخضراء في الصين مدفوعين بتوقّعات ارتفاع الطلب العالمي على مصادر الطاقة المتجددة ما ساهم في إضافة كبار منتجي البطاريات في البلاد أكثر من 70 مليار دولار إلى قيمتهم السوقية منذ الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران.
ثانياً، ومع اعتماد الدول على الموارد التي تمر عبر الشرق الأوسط، يمكن للصين أن تضع نفسها كمورد “الملاذ الأخير” بفضل مخزونها من الوقود الأحفوري والمواد الصناعية الحيوية. كما أنها مصدّر صافٍ للنفط المكرر، على الرغم من أن تايوان، على سبيل المثال، رفضت بالفعل عرض بكين لتقديم الدعم في مجال الطاقة.
وتحتل الصين المرتبة الثانية عالميًا في تصدير الأسمدة، ورغم القيود التي فرضتها على الصادرات لتعزيز الأمن الداخلي، إلا أنها قادرة على أن تعمل كحاجز للدول التي تواجه أزمات زراعية. كما تمتلك احتياطيات استراتيجية من الكبريت، وهو عنصر أساسي في أعلاف النباتات ومعالجة المعادن، ويتم الحصول عليه على نطاق واسع عبر مضيق هرمز.
وبالمثل، أحرزت البلاد تقدمًا في تقليل اعتمادها على واردات الهيليوم، مع الاكتشاف الأخير لاحتياطي محلي كبير وتحقيق تقدم ملحوظ في تقنيات التنقية. وحسب ما ورد في عدد الأسبوع الماضي، تُعد إمدادات هذه المادة الكيميائية من قطر حيوية لصناعة الرقائق في آسيا. (وقد تحدثت عن هذا مع شبكة “سي إن إن” و”ذا تك ريبورت“).
ترى أغاث ديماراي، الزميلة البارزة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يمنح الصين أوراق ضغط إضافية قبيل الاجتماع المقترح في مايو/ أيار بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، مشيرة إلى أن “العديد من الصواريخ والطائرات المقاتلة والأسلحة الأخرى التي تحتاجها الولايات المتحدة لجهودها الحربية تعتمد على عناصر أرضية نادرة صينية، بينما تمتلك واشنطن مخزونات تكفي لشهرين فقط”.
وأضافت ديماراي أن العلاقات الوثيقة للصين مع دول الخليج، إلى جانب سجلها الحافل في تطوير البنية التحتية، تضع شركاتها في موقع مثالي لإعادة إعمار المنطقة بعد الحرب، حيث يمكنها توفير التمويل والمواد اللازمة لإحياء الموانئ ومنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه.
فضلا عن ذلك، قد تعزّز الحرب جهود بكين لرفع مكانة “الرنمينبي” على الساحة العالمية، إذ سيلعب التحول بعيداً عن النفط المقوم بالدولار نحو الطاقة المحلية والتكنولوجيا الخضراء الصينية دوراً في ذلك. وتشير التقارير إلى أن إيران تتفاوض مع بعض الدول للسماح بمرور السفن شريطة أن تتم المدفوعات باليوان.
وترى الأخصائية الاستراتيجية في “دويتشه بنك”، ماليكا ساشديفا، أن “الصراع قد يكون محفزاً لتآكل هيمنة البترودولار وبداية ظهور البترويوان”، ما يعني أن الحرب قد تجعل مبيعات الطاقة بعملات غير الدولار أمراً طبيعيًا.
وأخيرًا، يعزز الصراع صورة الصين كشريك أكثر استقراراً مقارنة بالولايات المتحدة، سواء في الدول المتقدمة أو النامية. ففي الأسبوع الماضي، جمع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ أكثر من 70 من كبار التنفيذيين العالميين في منتدى التنمية الصيني للتأكيد على موثوقية البلاد وسلاسل التوريد لديها، فيما تظهر بيانات استطلاعية حصرية من “مورنينغ كونسلت” ارتفاعًا في تفضيل الصين مقارنة بالولايات المتحدة.
لن يبقى الاقتصاد الصيني بمنأى عن التداعيات، فمع استمرار الحرب ستواجه البلاد ارتفاعًا في التكاليف، وضيقاً في الإمدادات، ومخاطر تقنين إضافية. وفي حال استمر الصراع لفترة طويلة، فإن ركودًا عالميًا عميقًا سيضغط على الطلب على الصادرات الصينية، كما سيظل الشركاء الدوليون متحفظين تجاه الاختلالات التجارية والاعتماد المفرط على الصين. لكن من يتوقعون أن تقوض الحرب مكانة الصين كقوة عظمى، وهو تصور شائع بين أنصار حركة “ماغا”، يخطئون تمامًا. فبفضل رؤيتها طويلة المدى، وتنوعها الاقتصادي، ومرونتها الفريدة، تظل الصين صامدة ومهيأة جيداً لانتهاز الفرص الجديدة.
الكاتب: تيج باريخ
المصدر: فاينانشال تايمز



