أشعلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران جدلًا عالميًا عن معنى الردع النووي في القرن الحادي والعشرين وفتحت مخاوف من إعادة التسلح بهذا السلاح على اعتبار أن الدولة التي تملك ردعًا نوويًا – أو تقترب منه – تصبح أصعب على “الكسر”.
ولخّصت وسائل إعلام غربية المزاج الحالي بالقول إن الحرب على البرنامج النووي الإيراني “تسرّع تحولًا” قد يعيد تشكيل الأمن العالمي لأن دولًا أكثر بدأت تفكّر بامتلاك السلاح النووي.
هل يمثل ذلك عودة إلى منطق “النووي يساوي النجاة”، أم أن الحرب كشفت أزمة أعمق في نظام عدم الانتشار؟ هذا التقرير يحاول فهم الدرس الإيراني، ورصد أبرز التغييرات.
نتائج الدرس الإيراني
لم تكن إيران تملك قنبلة معلنة عندما بدأت الحرب، لكنها كانت تعتبر “دولة عتبة” تملك مخزونًا كبيرًا من اليورانيوم المخصب ومهارات صناعية متقدمة. وقامت الاستراتيجية الإيرانية منذ سنوات على الاقتراب من القدرة النووية دون تجاوز الخط الأحمر كي تتجنب عقوبات إضافية وتظل ضمن المعاهدة.
بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وسيطرة الحرس الثوري على القرار السياسي، رأى متشددون أن هذه الاستراتيجية سقطت. ونقلت رويترز عن مصادر داخلية أن بعض القادة “يريدون الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار (NPT) وبناء القنبلة” بحجة أن إيران دفعت ثمنًا لعدم امتلاكها السلاح.
وأوضح المصدر نفسه أن الحكومة لم تتخذ قرارًا وأن الجدل قد يكون ورقة تفاوضية لانتزاع ضمانات أفضل، لكن مجرد طرح الموضوع على الطاولة يكشف تحولًا نوعيًا. ولا يقتصر هذا التحول على الشعارات، فالخطاب الإيراني الرسمي أصبح أكثر تلميحًا إلى الردع النووي.
فقد قال سياسيون إن فتوى خامنئي التي حرمت السلاح النووي “كانت مرتبطة بظروف تاريخية ويمكن إعادة النظر فيها”، كما تداولت وسائل إعلام مقربة من الحرس مقالات تدافع عن حق إيران في الانسحاب من المعاهدة إذا تهدد أمنها.
في المقابل، لا يزال تيار عقلاني داخل المؤسسة يعتبر أن إعلان امتلاك السلاح النووي سيجلب عزلة دولية ويعطي واشنطن ذريعة لتوجيه ضربات أكبر، ويدعو إلى الحفاظ على وضع الدولة العتبة والاستفادة من الحرب لانتزاع مكاسب سياسية، مما يعني أن النقاش الإيراني ما زال بين خيارين.
خارج إيران، كانت القراءة مختلفة، فعلى سبيل المثال، قال الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي يمتلك نحو خمسين رأسًا نوويًا، أمام برلمان بلاده إن “الواقع الدولي الحالي، حيث تُنتهك سيادة الدول بوحشية بالقوة، يعلّمنا ما هو الضمان الحقيقي لوجود الدولة والسلام”.
رأى كيم أن قنابله “ردع ذاتي” يجب تعزيزه، واعتبر أن السلاح النووي سمح لكوريا الشمالية بتخصيص مواردها للتنمية بدل الحرب. واعتبر محللون في سيول هذه التصريحات نقدًا غير مباشر للضربات على إيران: فلو امتلكت طهران سلاحًا، ربما ما كانت لتُهاجم.
ويتردد هذا التفسير في عواصم أخرى: العراق وليبيا وأوكرانيا سبق أن تعرضت لتغيير أنظمتها رغم برامج نووية سابقة أو تخليها عن السلاح، ما يعزز اقتناع بعض النخب بأن القنبلة هي تأمين حياة النظام.

وتتعزز الفكرة بعد الحرب على إيران التي جاءت في لحظة ضعف غير مسبوقة لنظام عدم الانتشار خاصة بعد انتهاء معاهدة “نيو ستارت” وميل الكثير من الدول إلى تأييد قدرات ردع مستقلة بسبب الشك في الضمانات الأمريكية، وفق معهد تشاتهام هاوس.
ولفت المعهد إلى تكاليف السباق النووي الهائلة، والعقوبات المحتملة، وصعوبة بناء السلاح، تجعل خيار “العتبة مع مظلة ردع” أكثر واقعية في المدى القريب، وأن الحرب ربما كشفت أزمة موجودة وليست سببًا وحيدًا لها.
أين ظهر تبدل الحسابات؟
دفعت الحرب على إيران والشكوك في التزام واشنطن بحماية الحلفاء إلى نقاشات غير مسبوقة.
فرنسا: أعلنت في 2 مارس/آذار 2026 عن “تعزيز الترسانة النووية الفرنسية” والسماح بنشر طائرات فرنسية حاملة للأسلحة النووية في دول أوروبية شريكة ضمن ما سماه “الردع المتقدم”.
وأشار الرئيس إيمانويل ماكرون إلى أنه مستعد لإشراك ألمانيا واليونان وبولندا وبلجيكا وهولندا والدنمارك والسويد في مناورات نووية مشتركة، لكنه شدد على أن قرار استخدام السلاح يبقى حصرًا بيد الرئيس الفرنسي.
ويمثل هذا العرض تحوّلًا عن عقيدة “الردع الوطني” الفرنسية، ويعكس إدراكًا بأن الخلافات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتفاهماته مع روسيا جعلت أوروبا تبحث عن مظلة أخرى.
ألمانيا: وافقت حكومة المستشار فريدريش ميرتس على إنشاء “مجموعة توجيه” رفيعة المستوى مع باريس لتنسيق السياسات النووية، ومشاركة القوات الألمانية بتدريبات مع نظيرتها الفرنسية، في خطوة فسرتها رويترز بأنها محاولة لتقليل الاعتماد على واشنطن.
في المقابل، أكد ميرتس أن أي ترتيبات أوروبية ستكون مكملة، لا بديلًا، عن الحماية الأمريكية، وأن ألمانيا لن تنتهك التزاماتها بموجب NPT.
بولندا: قال رئيس الوزراء دونالد توسك إنه يسعى لـ”تطوير قدرة ردع نووي متقدمة” بالتعاون مع فرنسا وحلفاء آخرين، وأن بلاده تستثمر في محطات الطاقة النووية وتريد “حرية التحرك” في هذا المجال. كما كان الرئيس البولندي أندريه دودا قد دعا عام 2025 إلى استضافة أسلحة أمريكية في بلاده.
اليابان: أثارت تصريحات مسؤول أمني في ديسمبر/كانون الأول 2025 دعوته إلى امتلاك السلاح النووي عاصفة سياسية.
وسارعت الحكومة لتأكيد التزامها بمبادئها الثلاثة بعدم امتلاك أو تصنيع أو استضافة أسلحة نووية، لكن رويترز رصدت ارتفاع عدد النواب الذين يطالبون بإعادة النظر في هذه المبادئ والسماح لواشنطن بإعادة نشر أسلحتها في اليابان، مستندين إلى مخاوف من الصين وروسيا وكوريا الشمالية.
وكشف تقرير آخر للوكالة أن بعض البرلمانيين يعتقدون أن اليابان تستطيع تصنيع قنبلة في غضون ستة أشهر إذا انهار التحالف مع واشنطن.
رغم ذلك، يظل الرأي العام الياباني حساسًا بسبب إرث هيروشيما، ولا توجد خطط رسمية للتسلح، بل إن النزاع الإيراني زاد دعم المعسكر الذي يرى في المظلة الأمريكية – مع تحسين القدرات الدفاعية التقليدية – خيارًا أقل تكلفة.
كوريا الجنوبية: بعد أن منح ترامب سيول عام 2025 الضوء الأخضر لبناء غواصات تعمل بالطاقة النووية، شرعت الحكومة في برنامج يهدف إلى تحسين مراقبة كوريا الشمالية.
وأكد المسؤولون أن الغواصات “لا تعني سعيًا لامتلاك أسلحة نووية” وأن البلاد تحترم NPT، لكن خبراء حذروا من أن امتلاك هذه التكنولوجيا قد يشجع سباقًا في المنطقة ويضغط على اليابان لتطوير قدرات مماثلة.
ولم يخفت الجدل الشعبي حول امتلاك قنبلة محلية، وقد أظهرت استطلاعات ارتفاعًا في تأييد ذلك إذا تراجع الالتزام الأميركي، لكن الحكومة متمسكة حتى الآن بالتحالف مع واشنطن.
الخليج: أبلغ ترامب الكونغرس في فبراير/شباط 2026 بأنه يعمل على إبرام اتفاق نووي مدني يسمح للولايات المتحدة بتزويد السعودية بالتكنولوجيا النووية من دون تضمين القيود التقليدية على التخصيب وإعادة معالجة الوقود.
وطالب نواب أمريكيون بفرض ما يسمى “المعيار الذهبي” الذي يضمن عدم استخدام البرنامج المدني طريقًا إلى السلاح النووي، وحذروا من أن الاتفاق المقترح يفتح الباب أمام المملكة لتخصيب اليورانيوم، ما قد يشعل سباق تسلح إقليمي.
وكان ولي العهد محمد بن سلمان قد صرّح مرارًا بأن بلاده ستسعى إلى سلاح نووي إذا امتلكته إيران. وحتى الآن لا يوجد قرار سعودي رسمي لبناء القنبلة، لكن الحرب عززت حجة الذين يرون أن الرياض بحاجة إلى مظلة ردع واضحة، سواء عبر التحالف مع واشنطن أو عبر برنامج ذاتي.
وفي ظل هذه التطورات، يتوقع أن يصبح الفاصل بين التعاون المدني والمسار العسكري أحد أهم اختبارات نظام عدم الانتشار في المنطقة.
هل يتآكل نظام عدم الانتشار؟
انتهت معاهدة “نيو ستارت” الأمريكية‑الروسية في فبراير/شباط 2026 بعدما استُنفد تمديدها الوحيد ولم يتوصل الطرفان إلى اتفاق جديد.
ويعني غياب هذه الآلية أنه لا توجد حالياً قيود تعاقدية على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، ما أثار مخاوف من سباق تسلح جديد. ويرتبط ذلك بتحولٍ أوسع يدفع لانهيار نظام عدم الانتشار:
- الصين تبني ما يقول محللون إنه ثالث أكبر ترسانة في غضون عقد.
- روسيا علّقت مشاركتها في محادثات تفتيش بسبب الحرب في أوكرانيا.
- فرنسا تستعد لتوسيع ترسانتها بالشراكة مع الحلفاء الأوروبيين.
- الولايات المتحدة نفسها تعيش حالة جدل داخلي حول العودة للتجارب النووية.
وقال توماس دينانو، وكيل وزارة الخارجية لشؤون الحد من التسلح، أمام مجلس الشيوخ إن إدارة ترامب ما زالت تدرس كيفية تنفيذ أمر الرئيس باستئناف التجارب “على قدم المساواة مع الآخرين”، ولم يستبعد إجراء تجارب تحت الأرض.
وحذّر خبراء مراقبة السلاح من أن هذه الخطوة قد تدفع روسيا والصين إلى السير في الاتجاه ذاته، وهو ما سيقوض معاهدة الحظر الشامل للتجارب.
وبدوره، أكد الأدميرال ريتشارد كوريل، قائد القيادة الإستراتيجية، أن تقارير وزارة الطاقة والدفاع تؤكد سلامة الترسانة الأمريكية وأنه لا حاجة لتجارب ميدانية، وهو ما يعكس انقسامًا داخل الإدارة، يعبر عن قلق من انهيار الخطوط الحمراء التي دعمت نظام عدم الانتشار لعقود.
وتطرح الخطوات الأوروبية لتعزيز الردع الفرنسي معضلة أخرى: هل يؤدي توسيع المظلة النووية الأوروبية إلى مزيد من الاستقرار أم إلى إضعاف النظام؟
ويذكّر حلف شمال الأطلسي بأن نحو 100 قنبلة أمريكية منتشرة في ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا وتركيا ضمن ترتيبات “المشاركة النووية”، وأن الولايات المتحدة تواصل تحديث ترسانتها.
فيما تحذر دول مثل هولندا والسويد من أن تكثيف التركيز على السلاح النووي قد يهمش الاستثمار في القدرات التقليدية ويثير الشك في التزام أوروبا بنزع السلاح.
بهذه المعاني يبدو أن الحرب ليست سببًا وحيدًا للتغيرات، بل هي كاشف لتراكم ضغوط: انهيار الثقة في الضمانات الأمريكية، عودة التنافس بين القوى الكبرى، وتآكل المؤسسات الدولية.