ترجمة وتحرير: نون بوست
ينقذ الـ”شاش” الأرواح، لكن مستشفى الشفاء في مدينة غزة مضطر لترشيد استخدام مخزونه الشحيح منه بعد أشهر من وقف إطلاق النار المزعوم.
يُعتقد على نطاق واسع أن كلمة “شاش” ومرادفها الإنجليزي “gauze” مشتقان من كلمة غزة ومن الكلمة العربية “خزّ” التي تعني الحرير المنسوج، ورغم أن هذا الاشتقاق قد لا يكون حقيقيًا؛ إلا أن الافتراض يشهد على العطاء الذي قدمته هذه الرقعة الصغيرة من الأرض على الطرف الشرقي للبحر المتوسط، الغنية بتقاليد النسيج، للبشرية. يعد الشاش الذي يضمد الجراح يعتبر معجزة يومية، ومن المفارقات أن نسيجه يعزز متانته، مما يجعله قادرًا على امتصاص الدم والإفرازات والقيح والسوائل دون أن يتشبع بشكل مفرط، وبالتالي يمنع عودة هذه المواد إلى موقع الجرح.
وتتضح قيمة الشاش عند غيابه؛ فالبكتيريا تميل إلى الاستقرار في تجمعات السوائل الجسدية، والجروح غير المغطاة والمليئة بالبكتيريا تصاب بالعدوى. ثم “ينفجر الأمر”، كما تقول نهرين أحمد، اختصاصية أمراض الرئة من فيلادلفيا، التي عاشت وعملت في مستشفى الشفاء، أكبر مجمع طبي في قطاع غزة، بين 25 نوفمبر/ تشرين الثاني و11 ديسمبر/ كانون الأول 2025.
إن غياب الشاش شبه التام في أرض منشئه المفترض يعني أن مقدمي الرعاية الصحية ليس أمامهم خيار سوى إرسال المرضى إلى منازلهم دونه، وغالبًا لا يعود هؤلاء المرضى إلى بيئة منزلية معقمة؛ فبعد أكثر من عامين على رد إسرائيل على هجوم حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بعنف عسكري اعتبرته “الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية” مستوفيًا “للتعريف القانوني للإبادة الجماعية”، أصبحت منازل المرضى خيامًا، وأغرقت مياه الشتاء العديد من هذه الخيام بمياه قذرة. والعدوى التي تبدأ في موقع الجرح تنتشر إلى العظم وتتطلب بترًا كان يمكن تجنبه، ويزيد نقص المضادات الحيوية المشكلة تعقيدًا، فيما تتذكر نهرين: “بدأ الأمر بالشاش”.
ورغم أن المستشفيات يفترض أن تكون محمية بموجب القانون الدولي، إلا أن الجيش الإسرائيلي هاجمها في حملة الدمار التي عرّفت العالم على مصطلح جديد هو “إبادة المساكن” (domicide). ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، لم يبق سوى 14 من أصل 36 مستشفى كانت عاملة في القطاع. وبحلول الصيف الماضي، كان الجيش الإسرائيلي قد قتل أكثر من 1700 من العاملين في الرعاية الصحية؛ ولا زال يحتجز 220 منهم. وعندما أعلنت الحكومة الإسرائيلية في أكتوبر/ تشرين الأول أن قواتها ستلتزم بوقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، كان الفلسطينيون في غزة الذين نجوا من عامين من الدمار المستمر يأملون في عودة الحياة إلى طبيعتها، وكذلك شبكة من الأطباء الأجانب، كثير منهم دخلوا غزة سابقًا، معرضين أنفسهم لظروف بالغة الخطورة.
كان هؤلاء الأطباء الأجانب يعلمون أن زملاءهم الفلسطينيين يواجهون مهمة جسيمة؛ فحتى في حال تطبيق وقف إطلاق النار بالفعل يشكل الوضع تحديًا كافيًا بالنسبة للبنية التحتية الصحية المدمرة في غزة. فطوال عامين، لم يكن هناك سوى مساحة للتعامل مع حالات الطوارئ الناجمة عن الهجمات العسكرية. أما إنهاء المذبحة فعليًا فسيُغرق الأطباء الباقين بمرضى يحتاجون للعلاج من كل الأمراض التي لا تهدد الحياة بشكل مباشر، من الأمراض المزمنة إلى الأمراض العادية، والتي تفاقمها جميعًا الدمار الذي لحق بغزة.
كان من المفترض أن يكون الشاش موجودًا بوفرة، لكن سبعة أطباء وعاملين أجانب من المتطوعين في مجال الإغاثة في غزة، بينهم أربعة كانوا هناك بعد أن الموعد المفترض لسريان وقف إطلاق النار، وصفوا وضعًا شاذًا تسمح فيه إسرائيل بدخول الأطباء إلى غزة لكن لا تسمح بدخول المعدات الطبية، مما دفع بعضهم إلى تهريب أدوات رعاية أساسية في أمتعتهم الشخصية. والواقع منذ أكتوبر/ تشرين الأول هو أن الأطباء الباقين في غزة مضطرون للتعامل مع تدفق المرضى المحتاجين لعلاج روتيني، ومع استمرار سقوط ضحايا على يد الجيش الإسرائيلي – وإن بوتيرة أقل – فإنهم يضطرون إلى فعل ذلك دون مستلزمات حيوية. وأخبر الأطباء مجلة “وايرد” أن أزمة الصحة العامة التي شاهدوها بدت لهم أشبه بمرحلة جديدة من الإبادة الجماعية وليست نهاية لها. ففي هذه المرحلة، لم يعد الإسرائيليون بحاجة إلى إطلاق النار لقتل الفلسطينيين، رغم أنهم ما زالوا يفعلون ذلك أيضًا. (وفي بيان لمجلة “وايرد” قالت سلطة الاحتلال الإسرائيلي المعروفة بـ”وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق” أو “كوغات” إنها “تواصل تسهيل دخول المعدات الطبية والأدوية وفقًا لطلبات المنظمات الدولية”).
ويقول طبيب دولي تحدث إلى مجلة “وايرد” من مستشفى الشفاء وطلب عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام الإسرائيلي: “الحرب لم تنتهِ. الإصابات ليست كما كانت من قبل. إنها حوادث متفرقة، لكنها لا تزال تحدث”. وتحدث هذه الحوادث بكثافة عندما يرى الجنود الإسرائيليون أن الفلسطينيين تجاوزوا “الخط الأصفر” غير المحدد بوضوح إلى أراضٍ غزة التي يحتلها الجيش الإسرائيلي. وأضاف الطبيب: “كل من المصابين والقتلى يقعون داخل هذا الخط الأصفر التعسفي”.
وبين إعلان وقف إطلاق النار ومنتصف فبراير/ شباط، قتلت إسرائيل أكثر من 600 شخص، مما رفع حصيلة القتلى الرسمية لدى وزارة الصحة الفلسطينية إلى أكثر من 72 ألف قتيل، وهو رقم يُرجح أنه أقل من العدد الفعلي. ورغم أن إسرائيل أعادت فتح معبر رفح جزئيًا في وقت سابق من ذلك الشهر، إلا أنه لم تسمح خلال أسبوعين سوى بخروج 260 شخصًا من بين أكثر من 18500 شخص بحاجة ماسة إلى رعاية طبية لم تعد متاحة في غزة، وفقًا للأمم المتحدة. ومن الأمور التي تبعث على القلق، أن قناة الجزيرة أفادت بأن إسرائيل سمحت بدخول 269 شخصًا فقط إلى غزة خلال تلك الفترة، مما أثار مخاوف من عدم السماح للمغادرين بالعودة إلى ديارهم أبدًا.
ومن المعروف أن فلسطين تعد مختبرًا لإسرائيل وحلفائها لاختبار أسلحتهم المستقبلية، من الاستهداف بالذكاء الاصطناعي إلى الطائرات المسيرة الرباعية المزودة بأسلحة. وفي الوقت نفسه، تراجع مستوى الرعاية في مستشفيات غزة الباقية إلى “طب حقبة الحرب الأهلية”، كما قالت نهرين؛ ويحاول الأطباء الأجانب المساعدة بتهريب بطاريات 9 فولت، وزرعات قوقعة الأذن، ودواء “تايلينول”، معرضين أنفسهم لخطر المنع من دخول غزة، ولعل الأهم من ذلك أنهم يهربون الشاش.
بدأ العاملون الطبيون الدوليون بالتوجه إلى غزة فور فرض إسرائيل حصارها عليها، وللدخول إلى غزة، كان الأطباء والممرضات وغيرهم من العاملين في مجال الإغاثة يسافرون جوًا إلى القاهرة، ثم يتوجهون في قافلة عبر شبه جزيرة سيناء إلى معبر رفح. وقد سمح المصريون لإسرائيل بتفتيش الشاحنات، بذريعة منع تهريب الأسلحة، وهو إجراء أدى إلى إبطاء وصول المساعدات إلى حد كبير. ويتذكر مارك بيرلموتر، جراح اليد المقيم في ولاية كارولاينا الشمالية والذي زار غزة لأول مرة في ربيع عام 2024، أنه رأى طوابير من الشاحنات تمتد “متراصة بطول 30 ميلًا” محملة بالطعام – “دجاج نافق، خضروات متعفنة” – تقف منتظرة، تماشيًا مع تعهد وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت بعدم السماح بدخول ” الكهرباء، والطعام، والوقود” إلى غزة.
ومع ذلك، سمح المصريون بدخول الأطباء مع أدواتهم الطبية؛ فقد حمل ثائر أحمد، اختصاصي طب الطوارئ من شيكاغو الذي سافر إلى غزة في يناير/ كانون الثاني 2024، ست حقائب ضخمة مليئة بأنابيب صدرية ومضادات حيوية وغير ذلك. واشترى بيرلموتر إمدادت صحية بقيمة 30 ألف دولار من موقع “إيباي” – بما في ذلك مثاقب وأدوات جراحية و700 رطل من البراغي والصفائح المعدنية لعمليات دقيقة لإعادة تثبيت أصابع مقطوعة -، ويقول إنه استنفد إمداداته في أسبوعه الأول في غزة.
ثم توغل الجيش الإسرائيلي في مايو/ أيار 2024 في رفح، المدينة الواقعة جنوب غزة على الجانب الفلسطيني من المعبر، وسيطر عليها، ولم تعد مصر ممرًا عمليًا للعاملين في المجال الطبي، وأصبح عليهم الآن السفر جوًا إلى الأردن، والعبور عبر جسر الملك حسين إلى الضفة الغربية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، ثم السفر عبر إسرائيل إلى حاجز كرم أبو سالم، الواقع أيضًا على الطرف الجنوبي لغزة.
ودخلت نهرين أحمد، طبيبة الرئة من فيلادلفيا، غزة من مصر مرتين منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول. وكان أكتوبر/ تشرين الأول 2024 أول مرة تدخلها من كرم أبو سالم؛ حيث علمت من منظمة الصحة العالمية أنها لا تستطيع حمل أكثر من حقيبة كبيرة وحقيبة ظهر، وكان عليهما المرور أولًا عبر طبقتين من التفتيش الأمني عند جسر الملك حسين؛ فقامت بحشو حقائبها بالشاش والكواشف وكل ما سمعت أنه سيكون مفيدًا. تقول نهرين: “لست متأكدة ما إذا كان مسموحًا لنا بفعل ذلك، لكنهم بالتأكيد لم يوقفونا”. ولم ترَ الإسرائيليين يصادرون أي شيء منها أو من أي شخص آخر.
وعاد فيروز سيدهوا، وهو جراح من كاليفورنيا، إلى غزة في مارس/ آذار 2025. دخل في رحلته الأولى قبل عام عبر رفح؛ حيث لم يواجه أي مشاكل في إدخال المستلزمات المفيدة. لكن واجه صعوبات في المرة الثانية أثناء دخوله عبر معبر كرم أبو سالم، يقول: “لم يُسمح لنا بإدخال أي شيء سوى الأغراض الشخصية”. وإدراكًا منه للنقص الحاد في المعدات الطبية في غزة “قرر أن يجازف”. فوزع الأدوية في أرجاء أمتعته، مهيئًا نفسه لتمريرها كأنها تخصه شخصيًا، إلى جانب أجهزة موجات فوق صوتية يدوية لم يستطع تمريرها كأغراض شخصية، لكن الإسرائيليين لم يعثروا عليها.
في الشهر نفسه، حمل بيرلموتر أدوات جراحة مجهرية تزيد قيمتها على 10 آلاف دولار إلى عمّان، إلى جانب مضادات حيوية مثل الدوكسيسيكلين للوقاية من العدوى. فعل ذلك رغم سماعه أن شيئًا منها لن يُسمح بإدخاله – وأن اكتشاف مهرب واحد قد يحرم فريقًا كاملاً من الدخول -. ووجد الإسرائيليون أدواته وصادروها عند معبر كرم أبو سالم، و”عدّوا حبوبه”، ولم يسمحوا له إلا بما يمكنه الادعاء بشكل معقول أنه يخصه شخصيًا. ويقول إنه أخفى مضادات حيوية “بين أردافه، وشعر وكأنه يُدخل مواد مهربة إلى سجن”.
عادت نهريت أحمد إلى غزة في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بعد شهر من إعلان وقف إطلاق النار. وتقول إن شبكة الأطباء الدوليين التي تتعامل معها أبلغتها بأن الإسرائيليين أصبحوا “أكثر صرامة بكثير”، زكان ما يسمحون بدخوله يبدو عشوائيًا: انتشرت قصص في مجموعات المحادثة عن أطباء تمكنوا من إدخال قضبان عمود فقري وحتى دمية إنعاش قلبي رئوي، ولكن كانت هناك أيضًا قصص عن مصادرة أدوية ومنع مجموعات كاملة من الدخول. وعندما وصلت إلى جسر الملك حسين، تقول نهرين إن طبيبًا كان يحمل أنابيب اختبار وكواشف مخبرية سُمح بها في رحلات سابقة “تم استبعاده تماماً”.
وكانت نهرين “تشعر بضغط شديد” لكنها جاءت مستعدة. ففي رحلتها السابقة، سمعت الفلسطينيين يطلبون أشياء محددة كان عليها أن تدعي أنها تخصها؛ فقد سجلت الدخول باسمها وأنشأت رمز مرور على هاتف آيفون إضافي وجهاز آيباد لتهريبهما، وأخبرت السلطات التي تصفحت الصور لاحقًا أنهما جهازا عملها. كانت هناك بطاريات 9 فولت ومغناطيسات صغيرة، التي تعد ضرورية لتشغيل المعدات الطبية، داخل أمتعتها بينما كان الإسرائيليون يفتشونها، وبدت زرعات قوقعة الأذن وكأنها سماعات سلكية. وكانت لديها أدوية مناعة ذاتية تحتاج إلى تبريد، فوضعتها داخل حقيبة أدوات تجميل مع أكياس ثلج، ودخل كل ذلك غزة دون أن يُكتشف. تقول: “تلك عادة اللحظات التي نلوم أنفسنا فيها كثيراً. نقول لأنفسنا: ‘لقد ركزوا فقط على الجهاز اللوحي هذه المرة، كان بإمكاني أن أحضر عشرة عبوات إضافية من دواء السرطان”.
إن القيود غير المنتظمة المفروضة على الإمدادات مألوفة لأجيال من الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي، وقد اختبرها الآن أطباء من أنحاء العالم، ويقول بيرلموتر: “هذا أمر مُدبر بعناية للتدخل في تقديم الرعاية الصحية. لماذا تصادر المضادات الحيوية إن لم يكن هدفك تعزيز عدوى تعلم بوجودها؟”.
وقد طرحتُ سؤال بيرلموتر على “كوغات”؛ فقالت سلطة الاحتلال في بيان: “نرفض تمامًا الادعاءات بوجود أي محاولة متعمدة للإضرار بالخدمات الطبية. إن شرط التنسيق المسبق ينبع من اعتبارات أمنية ونظامية ويهدف إلى الإشراف على نوع وكمية المعدات الداخلة إلى قطاع غزة وضمان عدم استخدامها لأغراض غير إنسانية.” وعند سؤالها عن أدوات الجراحة المجهرية الخاصة ببيرلموتر، ردت “كوغات”: “نظرًا لعدم التنسيق المسبق بشأن المعدات والموافقة عليها وفقًا للإجراءات المعروفة للمنظمات، فقد صادرتها الجمارك الإسرائيلية”.
لا أستطيع رؤية غزة بنفسي؛ فقد منعت إسرائيل الصحفيين الأجانب من دخول القطاع منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وقد روى صحفيو غزة قصتها بشكل أفضل مما يمكن لغرباء مثلي أن يفعلوا؛ حيث قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 260 منهم بسبب ذلك، وقد أشار تقرير للجنة حماية الصحفيين في فبراير/ شباط إلى أن “ثلاث من هذه الجرائم، بينها جريمة قتل، وقعت بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025″، كما خلص التقرير إلى أن إسرائيل “قتلت حاليًا صحفيين أكثر من أي حكومة أخرى” منذ أن بدأت اللجنة حفظ السجلات قبل 34 عامًا.
وبغض النظر عن عدد المرات التي قد تعرض فيها الخوارزميات عليك صورًا لدمار غزة، فإن “لا شيء يمكنه أن يهيئك لدخول مشهد كهذا”، هكذا تصف إليز ثوربورن، طبيبة الطوارئ الكندية، تجربتها عند وصولها بعد أسبوعين من بدء سريان ما يُفترض أنه وقف لإطلاق النار. وتضيف “ثوربورن” أن ما رأته أثناء سلوكها طريق الرشيد الساحلي باتجاه الشمال “لم يكن يشبه موطنًا للبشر بأي حال من الأحوال”. فذلك الصمت المنبعث من ركام المباني المنهارة والطرقات المهشمة، سرعان ما يتبدد أمام حشود النازحين الذين يقطنون خياماً بلاستيكية أو بقايا مبانٍ غير صالحة من الناحية الهيكلية. وتؤكد ثوربورن قائلة: “لا يوجد مبنى واحد لم يتضرر”. كما تشير إلى أن غبار الإسمنت العالق في الهواء – الناتج عما يُقدر بنحو 68 مليون طن من الأنقاض – يجعل الأجواء تبدو “ضبابية طوال الوقت”.
لقد راقبت نهرين بقلق بالغ ما يستنشقه الغزيون؛ فقد جعلتها خبرتها في علاج مرضى الانسداد الرئوي المزمن من الناجين من أحداث مركز التجارة العالمي تتوقع أن آثار الإبادة الجماعية ستظل عالقة في رئات الناجين لعقود قادمة.
ومع انطلاق زيارتها الرابعة إلى غزة، عبر بوابة كرم أبو سالم في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، ظهرت على الفور مخاوف أكثر إلحاحاً؛ حيث سمعت على الفور “دوي انفجارين ضخمين” بالقرب من رفح، فحدثت نفسها قائلة: “يبدو أننا عدنا إلى قلب العاصفة مجدداً”. زسبق لـ “نهرين” أن عالجت جرحى في السودان وسوريا واليمن وأوكرانيا ومخيمات لاجئي الروهينجا في بنغلاديش (موطن والديها اللذين هاجرا إلى الولايات المتحدة)؛ لكنها تؤكد أنه بخلاف تلك الأماكن، فإن غزة بأكملها هدف، وتقول: “في دنيبرو، كان بإمكاني عبور الشارع دون خوف من القناصة”. وبدأت تهدئ من روع الوافدين الجدد في فريقها حين رأت نظرات الرعب في عيونهم وهم يشاهدون غزة لأول مرة.
لم تكن نهرين قد رأت مجمع “الشفاء” المدمر منذ عام، وتقول إن المبنى الجراحي الرئيسي لا يزال يبدو “متفحماً” نتيجة هجومين قاسيين شنهما الجيش الإسرائيلي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 ومارس/ آذار 2024. واستمرت غارة مارس/ آذار 2024 أسبوعين، وأسفرت عن مقتل مئات الأشخاص، سواء من الطواقم الطبية أو المرضى أو النازحين. وادعت إسرائيل، دون تقديم أدلة، أن حماس حولت مستشفيات غزة إلى قواعد لشن الهجمات، وبالتالي اعتبرتها أهدافًا مشروعة. وتؤكد نهرين أنها كانت سترى بنية حماس التحتية لو كانت موجودة حقاً، سواء في “الشفاء” أو في مستشفى “ناصر” بخان يونس، حيث عملت خلال هجوم مروع في يناير/ كانون الثاني 2024. لقد عاشت “نهرين” في قبو مستشفى ناصر، بالقرب من المواقع التي يُفترض وجود الأنفاق فيها، وتقول: “لم أرَ قط، طوال زياراتي الأربع هناك، أي مسلح داخل أي من المستشفيات”.
وسمح تباطؤ وتيرة القصف خلال وقف إطلاق النار المفترض لمستشفى الشفاء، الذي يعد ركيزة الرعاية الصحية في غزة، بإجراء بعض الإصلاحات الشكلية. ومع أن الكفاءة التشغيلية قد تحسنت عما كانت عليه عند زيارة “نهرين” في عام 2024، بما في ذلك إعادة افتتاح وحدة العناية المركزة للأطفال، إلا أن المستشفى ظل “هيكلاً خاوياً مقارنة بما كان عليه في السابق”. وأقامت “نهرين” لمدة أسبوعين مع متطوعين دوليين آخرين في الطابق الثاني من مبنى الولادة الجديد، حيث لا تزال “طبقات الغبار” تكسو الأجنحة، بانتظار أن تستقر في صدور الفلسطينيين. وفي ظل غياب المآزر والقفازات والأقنعة الطبية المحتجزة خلف الحدود، يغدو من الصعب تهيئة بيئة معقمة؛ مما يدفع الطواقم الطبية للنبش بين ركام المباني المتداعية بحثاً عن أي مستلزمات نجت من حصار الجيش الإسرائيلي. وتقول “نهرين”: “إذا عثرنا على علبة شاش صالحة للاستخدام، فهذا يعد نصراً”.
إن الفجوة الهائلة بين احتياجات المرضى وموارد المستشفى المتاحة لم تترك للطواقم الفلسطينية وقتاً لوضع خطط عمل للمتطوعين الأجانب؛ لذا كان المتطوعون الدوليون، ومنهم “نهرين”، يتنقلون بين قسم الطوارئ ووحدة العناية المركزة حسب الحاجة. وبصفتها طبيبة عناية مركزة وأكاديمية؛ تولت “نهرين” علاج المرضى، وتقديم التدريب العملي السريري، وتدريب طاقم المستشفى على كيفية إجراء الفحص بالموجات فوق الصوتية (السونار)، وهي تقنية مهمة نظرًا لافتقار مستشفى الشفاء لجهاز الأشعة المقطعية .
في بعض الأحيان؛ كان المتطوعون الأقل خبرة يعبرون عن قلقهم إزاء غياب المستلزمات الضرورية، فكانت نهرين تنفرد بهم وتوضح لهم أن هذا السلوك قد يسبب الإحراج للأطباء الفلسطينيين الذين عانوا من صدمات تفوق الوصف في سبيل علاج مرضاهم. فكثير من هؤلاء الأطباء هم مقيمون مبتدئون يضطرون لاتخاذ قرارات مؤلمة بشأن توزيع الرعاية الطبية. وتقول نهرين: “في غزة، اختفى الكثير من كبار الأطباء؛ فإما هُجّروا، أو اعتقلوا، أو قُتلوا”.
وتطارد أشباح هؤلاء الأطباء أروقة مستشفى الشفاء.
لقد انخفضت مستويات الفوضى في المستشفى عما كانت عليه حين كان القصف لا يتوقف؛ فأصبح لدى نهرين وقت لتناول الشاي والقهوة وتبادل الحديث. لكنها أدركت أن وقت الفراغ كان خطيرًا بطريقته الخاصة، وتوضح ذلك قائلة: “هنا تبدأ الفوضى العاطفية؛ حين يتاح لك الوقت للتفكير فيما مررت به”.
دون سابق إنذار، استدعى أحد أطباء العناية المركزة نهرين لتنظر من النافذة إلى ساحة مستشفى الشفاء، وأخبرها أنه خلال أحد الاقتحامات، احتجز الجيش الإسرائيلي أحد زملائه، وبعد استجوابه عما يعرفه عن حماس، أخبروه أنه حر ويمكنه الذهاب. وتستذكر نهرين قوله: “قال إنه شاهد زميله وصديقه يعبر تلك الساحة، ثم أصيب برصاص قناص”. كما عاد ممرض إلى مستشفى الشفاء بعد عام من الاعتقال لدى السلطات الإسرائيلية، وبمجرد دخوله وحدة العناية المركزة، بدأ يبحث عن زملائه الغائبين ليعلم أنهم قد فارقوا الحياة، وتقول نهرين: “كان الناس ينظرون إليه وكأنهم يرون فيه شبحاً، وفي المقابل، كان هو يرى أشباحاً حوله”.
وتقول ثوربورن، طبيبة الطوارئ الكندية التي عملت في المستشفى الأهلي المعمداني بمدينة غزة، الذي لا يبعد كثيراً عن مستشفى الشفاء الأكبر حجماً: “الجميع لديهم قصص؛ صدمات مدمرة يروونها لك وكأنها أمر عابر”. كان العديد من الأطباء الذين عملت معهم في “المعمداني” يذهبون للعمل في “الشفاء” أيضاً. وتروي “ثوربورن” قصة علاج شاب “اقترب أكثر مما ينبغي من الخط الأصفر”، مما أدى إلى “تفجر نصف رأسه” بصاروخ من طائرة مسيرة. وسألت “ثوربورن” طبيباً فلسطينياً كان يعمل بجانبها عند سرير المريض عما إذا كان هذا الوضع يثير غضبه، فأجاب بأنه “لم يعد يشعر بأي شيء”، موضحاً أن إعلان وقف إطلاق النار منحه سعادة لحظية، لكنها سرعان ما تلاشت.
وتتابع “ثوربورن” قائلة: “إنه لأمر صادم ويصعب محاكاته، ذلك المستوى من المرونة و”الصمود” الذي يظهره الممرضون والأطباء الفلسطينيون”، مستخدمةً المصطلح العربي الذي بات رمزاً للمقاومة والثبات لدى الفلسطينيين. وتضيف: “ومع ذلك، حين توطد علاقتك بهؤلاء الناس وتجلس للحديث معهم، تبدأ التصدعات والندوب النفسية في الظهور”.
لا يقتصر الأمر على الأطباء فحسب؛ فبينما يبحث المرضى عما هو أكثر من مجرد الإسعافات الطارئة، يجدون صعوبة بالغة في تقبل النقص المزمن في المستلزمات. وتشير نهرين إلى وجود “حالة من الغضب لم تكن موجودة بالضرورة من قبل” في مستشفى الشفاء؛ فبينما يحاول الغزيون استيعاب صدمة بقائهم على قيد الحياة، يراقبون، بعجز يماثل عجز أطبائهم، موت الناس “بسبب أعراض يمكن علاجها والتعافي منها تماماً”، مثل الالتهابات البكتيرية أو نقص أدوية ضغط الدم. ورغم أن الأطباء يسجلون هذه الوفيات في النماذج الرسمية كوفيات مرتبطة بالحرب، إلا أنها قد لا تظهر أبداً في حصيلة الضحايا التي تنشرها وزارة الصحة.
لكن هذا اللبس لا ينطبق على حالات أخرى عاينتها كل من ثوربورن ونهرين؛ ففي ليلة ثوربورن الأولى في مستشفى المعمداني، تولت علاج فتى يبلغ من العمر 17 عاماً، كان شريانه الفخذي قد قُطع إما برصاصة أو بشظية، وتتذكر قائلة: “لقد فارق الحياة في تلك الليلة”. ورغم تراجع وتيرة القصف مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أكتوبر/ تشرين الأول، إلا أن جروح الصدمات، مثل تلك الناتجة عن الطلقات النارية أو القذائف المدفعية، ظلت “ظاهرة شائعة للغاية”.
وتتذكر نهرين ما حدث في أوائل ديسمبر/ كانون الأول قائلة: “سمعنا صوت تقدم الدبابات من حافة الخط الأصفر”. وسرعان ما نُقلت فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً إلى وحدة العناية المركزة وهي مصابة بشظية في البطن. كانت الفتاة بحاجة إلى نحو 2.4 لتر من الدم، وهو “مورد ثمين ونادر” في مستشفى الشفاء، بالإضافة إلى عملية استئصال للطحال. ورغم شح المستلزمات، وفي خضم هجوم لم يكن من المفترض وقوعه، تمكن الأطباء في الشفاء من إنقاذ حياتها.
وبحلول موعد مغادرة نهرين، كانت الفتاة قد خرجت من المستشفى وهي “تبتسم”. وكانت جروحها خطيرة لدرجة أن الأطباء استهلكوا جزءًا من حصتهم المحدودة من الشاش لعلاجها. ومع ذلك، لم يكن أمام الفتاة خيار سوى العودة إلى خيمة عائلتها، وهي بيئة تفتقر لأدنى مقومات الاستقرار اللازمة للتعافي. فحتى قبل دخولها المستشفى، كانت تعاني من “سوء تغذية حاد”، ولم تساعد عودة بعض المواد الغذائية إلى الرفوف عائلتها التي لا تستطيع تحمل أسعارها المتضخمة. وما زالت “نهرين”، التي يملؤها القلق على مصير الفتاة، على تواصل معها.
وفي 11 ديسمبر/ كانون الأول، سجلت “نهرين” رسالة صوتية مدتها أربع دقائق لتوثيق خواطرها في يومها الأخير بغزة، ويظهر في خلفية التسجيل صوت جرافات؛ حيث استغلت فرق الإنقاذ حالة الهدوء النسبي لنبش ساحة المستشفى، التي تحولت إلى مقبرة اضطرارية لأعداد لا تُحصى من الناس. وتقول في مذكرتها الصوتية: “إن رائحة الموت هنا حقيقية وملموسة”. وكان تقرير لقناة الجزيرة قبل ثلاثة أيام من ذلك التاريخ قد أفاد بأن الهلال الأحمر الفلسطيني انتشل 150 جثماناً.
وتضيف نهرين أحمد” “هذا المستشفى تسكنه كل قصص القتلى، وكل تلك الحكايات التي تُروى الآن عما حلّ بالناس لأننا حصلنا على مساحة ضيقة من الوقت لسماعها. والأمر لا يقتصر على مجمع الشفاء وحده، بل يمتد لكل شبر في غزة”.
بالتوازي مع الاعتداءات المستمرة على حياة الفلسطينيين وصحتهم وحركتهم، يأتي اعتداء آخر على ما تبقى من سيادتهم. فقد فتحت الحكومة الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة الأبواب على مصراعيها للاستيلاء على أراضي الضفة الغربية، سواء من قبل الدولة أو المستوطنين. كما أنشأ الرئيس ترامب “مجلس سلام” لحكم غزة، بدأ عمله بتشييد قاعدة عسكرية على مساحة 350 فداناً لاستيعاب 5,000 جندي.
إن إعلان وقف إطلاق النار، مهما كان منحازاً لطرف واحد، دفع الكثيرين، لا سيما في الولايات المتحدة، إلى غض الطرف والمضي قدماً. ويصف “سيدهوا”، جراح الصدمات من كاليفورنيا، هذا الأمر بأنه “كارثة محققة؛ فهو يعني أن الفلسطينيين في غزة سيُسحقون تماماً”. وبصفتها شريكاً لإسرائيل من خلال تزويدها بالسلاح والغطاء الدبلوماسي خلال الإبادة الجماعية، فإن الولايات المتحدة هي أيضاً الرقيب الوحيد المحتمل لسلوكها. ويضيف “سيدهوا”: “إنه لأمر محبط للغاية ألا نملك ثقافة سياسية أو إعلامية، أو حتى وازعاً أخلاقياً، يدفعنا للاعتراف بوجوب الاكتراث لجرائمنا نحن”.
غير أن غزة ليست مجرد مسرح للجريمة، وتقول ثوربورن: “من الواضح أن جزءاً كبيراً منها قد دُمر، لكن مدينة غزة جميلة، وأهلها رائعون” وفي مستشفى المعمداني، عاشت ثوربورن” مع عشر شابات في العشرينيات من أعمارهم، كنّ ممرضات، وفنيات أشعة، وطالبات طب، وفنيات مختبر. وكنّ يصطحبن ثوربورن إلى الشاطئ لمراقبة الصيادين، وهو نشاط محفوف بالمخاطر في ظل وجود البحرية الإسرائيلية قبالة الساحل، والاستمتاع بنزهة بما يتوفر لديهن من طعام، ومحاولة بذل “قصارى جهدهن لعيش حياة طبيعية”. وفي مواجهة محاولات تمزيقهم، نسج هؤلاء الناس روابطهم معاً، ويشدّ بعضهم أزر بعض، تماماً مثل نسيج الشاش.
المصدر: وايرد
