ترجمة وتحرير: نون بوست
بدأت الحرب الأمريكية على إيران بما كان يُفترض أن يكون استعراضا مرعبا للقوة الجوية الساحقة، لكنها سرعان ما تحولت إلى نوع آخر من الصراعات. نجحت الصواريخ والطائرات المسيرة منخفضة التكلفة في تحييد قوة عظمى بشكل فعال، عبر معاقبة حلفائها وشلّ تدفقات الطاقة. وبحلول الوقت الذي حاول فيه الرئيس ترامب تهديد إيران لفتح مضيق هرمز بإنذار نهائي مدته 48 ساعة، كان من الواضح أن المضيق لم يعد مجرد هاجس استراتيجي لأمريكا فحسب، بل إن الحملة برمتها تحولت إلى حرب حول الطاقة، أصبحت فيها أسعار النفط ومنشآت الغاز هي المسرح المركزي للصراع.
بالإضافة إلى الغزو الروسي لأوكرانيا واضطرابات سلاسل التوريد الناتجة عن جائحة “كوفيد”، تمثل حرب إيران ثالث صدمة كبرى في مجال الطاقة خلال سنوات قليلة، وهي السنوات التي جادل فيها مؤيدو الوقود الأحفوري بأن التحول نحو الطاقات المتجددة ينطوي على اضطرابات لا تُطاق، وتراجع عدد من القادة السياسيين عن مواقفهم الداعمة لقضايا المناخ باسم “أمن الطاقة”.
لا يزال العالم يترنح تحت وطأة الصدمة الأخيرة، فيما تُنذر الصدمة الجديدة بتبعات وخيمة وطويلة الأمد أيضاً. وقد وصف رئيس وكالة الطاقة الدولية الحرب في إيران بأنها “أكبر تهديد عالمي لأمن الطاقة في التاريخ”. يمر خُمس الغاز الطبيعي المسال في العالم عبر مضيق هرمز، إلى جانب ما يقرب من خُمس إمدادات النفط أيضاً. ورغم أن التكاليف المباشرة للحصار نالت القسط الأكبر من الاهتمام، إلا أن الارتفاعات اللاحقة في الأسعار تثير قلقاً مماثلاً.
من المرجح أن تشهد مناطق واسعة في آسيا وأجزاء من أفريقيا نقصاً في الوقود وانقطاعات في التيار الكهربائي، وقد يدخل العالم حالة ركود بسبب تضخم أسعار الطاقة، حتى لو هدأت حدة الصراع قريباً. وقد حذرت صحيفة “فايننشال تايمز” من أن ارتفاع التكاليف في كل القطاعات، بما في ذلك مدخلات صناعة أشباه الموصلات، قد يؤدي إلى تفجير فقاعة الذكاء الاصطناعي التي تدعم صمود الاقتصاد الأمريكي. وقد تتبع ذلك أزمة غذاء تفوق تلك التي أعقبت غزو أوكرانيا، حيث لا تؤثر الحرب على أسعار المواد الغذائية فحسب، بل تعطل أيضاً التدفق العالمي للأسمدة – وهي أيضا من مشتقات الوقود الأحفوري – مع اقتراب موسم الزراعة.
احتمال أن يذهب كل شيء سدى بسبب حرب اختيارية تفتقر إلى أهداف واضحة يعود جزئيا إلى سوء التخطيط أو اللامبالاة. لكن هذه الحرب تمثل أيضًا نوعاً جديداً من الصراعات، شكلته الاضطرابات في مجال الوقود الأحفوري وحالة عدم اليقين الناجمة عن التحول في مجال الطاقة خلال العقد الماضي.
وفقاً للعديد من المقاييس، ومن زوايا نظر مختلفة، حققت الطاقة الخضراء نجاحاً باهرًا ومنقطع النظير، إذ نمت مصادر الطاقة المتجددة بوتيرة أسرع من أي مصدر جديد للطاقة في التاريخ، متجاوزةً جميع التوقعات تقريباً. مع ذلك، لا نزال في منتصف مسار التحوّل الطاقي، ولا يزال أمامنا عقود قبل نهاية النموذج القديم القائم على النفط والغاز والفحم.
يقول أنصار المناخ ومحللو الطاقة إن الجغرافيا السياسية للطاقة ستفقد نفوذها في مستقبل ما بعد الكربون. ولكن في الأثناء، أدى التحول الطاقي إلى تشديد الخناق على أسواق الوقود الأحفوري وتركيز إمداداته، مما أدى إلى سحب الاستثمارات من البنية التحتية المتهالكة.
جعل ذلك إمدادات الطاقة أكثر عرضة للصدمات، وحوّل البنية التحتية للطاقة إلى أهداف عسكرية أكثر جاذبية. حتى الحروب الاختيارية لها سياق عالمي، وحرب إيران ليست استثناءً: عصر جديد من الصراع على الموارد، ينبثق في الوقت الذي يتزعزع فيه نظام الطاقة القديم، وقبل أن يتمكن النظام الجديد من ترسيخ أقدامه.
يمكننا تسميتها “حرب منتصف المرحلة الانتقالية”.

منتصف المرحلة الانتقالية
يمكننا أن نؤرخ لبداية التحول الطويل نحو الطاقة الخضراء بأزمة الطاقة في سبعينيات القرن الماضي: حين قام جيمي كارتر بتركيب الألواح الشمسية على سطح البيت الأبيض، واتجهت فرنسا بكامل ثقلها نحو الطاقة النووية، وبدأت المحاضرات الجادة الأولى حول “كفاءة الطاقة”.
على مدار الخمسين عاماً الماضية، انخفضت أسعار الألواح الشمسية بنسبة 99 بالمئة، إلاّ أن الإقبال العالمي عليها كان بطيئاً للغاية. لم يؤمن العالم حقاً بأن المصادر المتجددة قد تهيمن قريباً على مستقبل الطاقة إلا بعد توقيع اتفاقية باريس عام 2015. بعدها تدفقت الأموال، فقد انخفض الاستثمار العالمي في الوقود الأحفوري بأكثر من الثلث بين عامي 2015 و2020، بينما نما الاستثمار في الطاقة النظيفة بنحو الضعف منذ ذلك الحين.
لكن التحولات العالمية تستغرق وقتاً. رغم التقدم السريع في مجال الطاقة الخضراء، لا نزال نستمد أغلب طاقتنا من أنظمة تقليدية تعتمد على الوقود الأحفوري.
يعود الفضل في صياغة مصطلح “منتصف المرحلة الانتقالية” إلى عالمة الاجتماع البيئي إميلي غروبرت، التي تستخدمه لوصف مدى الفوضى التي قد تصاحب عملية التخلص من الكربون، حتى لو سارت الأمور على نحو جيد.
لنأخذ على سبيل المثال محطات الوقود: كم عدد المحطات التي يجب أن تظل قائمة بمجرد أن تهيمن السيارات الكهربائية على الطرق وتعتمد حصرياً على الشحن في المرائب ومداخل المنازل والمباني؟ وماذا سنفعل بكل تلك المحطات التي ستصبح فائضة عن الحاجة؟
أو لنفكر في شبكة الكهرباء، التي يتفق الجميع الآن على ضرورة توسيعها بسرعة: في مناطق أخرى من العالم، تهافت المستخدمون على الألواح الشمسية فوق الأسطح لتأمين احتياجاتهم من الطاقة، مما قلل من بصمتهم الكربونية، ولكنه زعزع استقرار الشبكة بحرمانها من العملاء والإيرادات.
وماذا سيحدث لقطاع الشحن العالمي مع ابتعاد العالم عن الوقود الأحفوري، علماً بأنه يمثل حوالي 40 بالمئة من إجمالي الشحن الشحن العالمي؟ ما الذي يُفترض بنا فعله بكل تلك الناقلات؟ هذا هو منتصف المرحلة الانتقالية في قطاع الطاقة.
وهناك أيضاً منتصف المرحلة الانتقالية في الجغرافيا السياسية، وهي جارية بالفعل. انظر مثلاً إلى دول الخليج العربي النفطية التي أمضت العقد الماضي في توجيه أرباح النفط نحو صناديق الاستثمار في شركات التكنولوجيا الكبرى، مما عزّز تقاربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. أو انظر إلى الصين، التي تنفق حاليا مئات المليارات على الاستثمار في الطاقة النظيفة في الخارج، بينما تحافظ على الشراكة مع روسيا وإيران في مجال الوقود الأحفوري.
وهناك منتصف المرحلة الانتقالية في الحرب. رغم أن فلاديمير بوتين قدم مجموعة مذهلة من المبررات عندما غزا أوكرانيا عام 2022، إلا أن التحوّل الطاقي في أوروبا فرض منطقه الخاص، أو بالأحرى جدوله الزمني الخاص. التزامات القارة الطموحة بالوصول إلى صافي انبعاثات صفري تعني أن أوروبا كانت تخطط للتخلص من واردات الغاز، مما سيؤدي حتماً إلى تقليص نفوذ روسيا الطاقي على الناتو.
عندما تم تفجير خطوط أنابيب نورد ستريم في سبتمبر/ أيلول من ذلك العام، كان الأمر محيّرا لدرجة أن كثيرين اعتقدوا أن روسيا هي المسؤولة. لكن الاستخبارات الأمريكية تعتقد الآن أن الأوكرانيين هم من فعلوا ذلك، وفق مبدأ “منتصف المرحلة الانتقالية” نفسه ولكن بشكل عكسي: ضمِن تفجير خط الأنابيب عدم قدرة حلفاء أوكرانيا في الناتو على التصالح مع روسيا بسهولة، ودفع أوروبا إلى تسريع مسار التخلص من الكربون. كان ذلك يسمى في السابق “إرهاباً بيئياً”، أما الآن فقد أصبح عملاً استراتيجياً تقوم به دول قومية دفاعا عن مصالحها بشكل صارم.
في مقال بمجلة “فورين أفيرز” الخريف الماضي، أعلن جيسون بوردوف وميغان أوسوليفان عن “عودة سلاح الطاقة”. كتبا أن الطاقة كانت خلال معظم فترات العصر الحديث أداة إكراه مألوفة بيد القوى العظمى. ولكن على مدى نصف القرن الماضي، منذ أزمة النفط عام 1973، تمكنت القوى العالمية من تجنب الصراعات القديمة وتخفيف حدة الاضطرابات التي كانت مألوفةً في السابق.
انخدع مواطنو العالم المتقدم عندما توقعوا أن نظام الطاقة سيعمل دائمًا بكفاءة عالية. قال الكاتبان في مقال فورين أفيرز: “اليوم، تبددت هذه القناعة” في ظل تفكك النظام العالمي ونظام الطاقة في آن واحد. كان ذلك قبل أن يأمر ترامب باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لتأمين مصدر جديد للنفط، وقبل أن تتورط الولايات المتحدة في أزمة طاقة عالمية عبر محاولة تغيير النظام في دولة نفطية.
لم يسبق لأحد أن أشعل حرباً من أجل الألواح الشمسية، كما سيخبرك أي ناشط مناخي. النطاق الاقتصادي للأزمة الإيرانية واسعٌ لدرجة يصعب معها تجاهل الحجة التي تُقدّمها بضرورة التحوّل السريع نحو خفض الانبعاثات الكربونية. لماذا الاستمرار في الاعتماد بشكل كبير على الواردات من أنظمة استبدادية متقلبة في الخارج، بينما يمكنك الاستفادة من وفرة الشمس والرياح والطاقة المائية والطاقة الحرارية الموجودة في كل مكان على الأرض تقريباً؟
في زمن حروب الموارد، يمكنك أيضا جني مكاسب إضافية. من أشد منتقدي الحرب على إيران في الغرب، بيدرو سانشيز، رئيس وزراء إسبانيا، وهي الدولة التي ضاعفت قدراتها في مجال الطاقة المتجددة خلال السنوات الخمس الماضية، وقلصت تأثير الوقود الأحفوري على أسعار الكهرباء بنسبة 75 بالمئة. ومع أن مسار التحول الطاقي في إسبانيا لا يزال بعيداً عن الاكتمال، إلا أن البلاد قد استعادت حقها في التعبير عن مواقفها بكل حريّة.

حروب المستقبل
لا يعني ذلك أن المستقبل القائم على الطاقة المتجددة سيكون عالما ورديا ينعم بالسلام. تشهد الساحة الدولية حاليا حروبا تجارية محتدمة حول المعادن الضرورية لصنع بطاريات السيارات الكهربائية. وقد بلغت الأزمة الأمريكية الأخيرة مع الصين ذروتها بسبب المعادن الأرضية النادرة، وبدا أن ترامب يطمح للاستيلاء على غرينلاند لنفس السبب (وإن اتضح لاحقاً أن غرينلاند لا تمتلك في الواقع مخزونات هائلة من تلك المعادن، وهي ليست بذلك القدر من الندرة على أي حال).
ويعدّ تعدين الليثيوم والكوبالت مصدراً لصراعات محتدمة في دول تمتد من بوليفيا إلى الكونغو الديمقراطية. ليس من الصعب تخيل خروج هذه النزاعات عن السيطرة، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة تطال سلسلة التوريد العالمية بأكملها.
بعيداً عن الدول النفطية الكبرى، تعتمد العديد من الحكومات في العالم النامي على عائدات الضرائب من شركات الطاقة أو التمويل المباشر من شركات الوقود الأحفوري المملوكة للدولة. سوف ينضب هذا التمويل بسرعة أكبر كلما تسارعت وتيرة التحوّل الطاقي، مما يجعل تلك الدول هشّة وغير مستقرة. كلما تغيرت خريطة القوة الفعلية في العالم، يتغير معها التسلسل الهرمي السياسي.
ثم هناك قضية المياه. ففي إيران، دفع الجفاف الذي دام ست سنوات بالبلاد إلى حافة ما يُعرف بـ”الإفلاس المائي”، في ظل انقطاعات متكررة في الإمدادات واحتجاجات في الشوارع تطالب بـ”الماء والكهرباء والحياة”. وفي ديسمبر/ كانون الأول، بدأت صنابير المياه في جنوب طهران تجف، ثم اندلعت احتجاجات واسعة، وحملات قمع وحشية، وصولاً إلى الحرب الحالية.
أصبحت تحلية المياه شريان حياة بالغ الأهمية في أرض تزداد قسوة وجفاء، حيث تستمد بعض دول الخليج 90 بالمئة من مياه الشرب من محطات التحلية. وخلال السنوات القليلة الماضية، غذّت طفرة الطاقة الخضراء عالميا الحلم بأن تحوّل هذه الطاقة الوفيرة والمجانية المناطق التي تعاني من ندرة المياه إلى واحات عبر تطوير عمليات التحلية.
لكن ما يظهر في الأفق كحلم تكنولوجي مثالي، يبدو في الوقت الراهن أشبه بثغرة عسكرية مرعبة: فقد وردت أنباء عن استهداف محطتي تحلية مياه، إحداهما في إيران، حيث اتهم الإيرانيون الولايات المتحدة باستهدافها، والأخرى في البحرين، في ردٍّ انتقامي يُفترض أنه من طائرة إيرانية مسيّرة.
يحدث كل هذا على كوكب يمر بمرحلة انتقالية، قد تستمر لآلاف أو حتى ملايين السنين، ولم تبدأ سوى دول قليلة في التكيف معها بشكل مناسب. وفي هذه الأثناء، تتكاثر نقاط الضعف كما تنتشر النار في الهشيم.
المصدر: نيويورك تايمز