• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

داخل المعابد اليهودية.. غزة تشعل انقسامات غير مسبوقة

إيال برس١ أبريل ٢٠٢٦

في ساوث أورانج بولاية نيوجيرسي، تحوّلت لافتة “نقف مع إسرائيل” الموضوعة خارج معبد “كونغريغيشن بيث إل” إلى نقطة توتر وخلاف

ترجمة وتحرير: نون بوست

في صباحٍ باكر من خريف العام الماضي، غادر ناثانيال فيلدر منزله في مابلوود بولاية نيوجيرسي، مرتديًا سترة رياضية زرقاء داكنة وقلنسوة (كيباه) رمادية. وبعد أن حمل حقيبة ظهر، توجّه سيرًا إلى شارع إيرفينغتون، حيث يقع معبد “كونغريغيشن بيث إل”، أحد المعابد المحافظة في بلدة ساوث أورانج المجاورة. وعند مدخل المعبد، استقبلت الزوار لافتة كُتب عليها: “نقف مع إسرائيل ونصلي من أجل السلام.” في المقابل، أخرج فيلدر لافتة خاصة به من حقيبته ونشرها، وجاء فيها: “التجويع يتعارض مع القيم اليهودية: دعمنا لإسرائيل لا يمكن أن يكون غير مشروط.”

حرص فيلدر على تثبيت لافتته بحيث تكون مرئية للمارة بالسيارات، وكذلك للآباء الذين كانوا على وشك إيصال أطفالهم إلى المدرسة العبرية التابعة للمعبد. غير أنه، وقبل وصول أي من المصلين، حضرت دورية شرطة إلى موقف السيارات، وترجّل منها عنصران من شرطة ساوث أورانج. وأبلغ أحدهما فيلدر بأن بلاغًا ورد بشأن شخص متعدٍ على ممتلكات المعبد. وردّ فيلدر موضحًا أنه عضو في الجماعة وأن أطفاله يرتادون المدرسة العبرية. وبعد التحقق من ذلك داخل المعبد، حذّره الشرطيان من أن رفع لافتة دون موافقة مسبقة يُعد مخالفة، وفي حال عدم مغادرته، قد يُعرّض نفسه للاعتقال وربما للمنع من دخول المعبد. وبينما وافق على الوقوف على الرصيف باعتباره ملكية عامة، رفض مغادرة المكان أو إزالة لافتته.

عند انضمامه إلى “بيث إل” عام 2020، لم تكن لافتة “نقف مع إسرائيل” قد رُفعت بعد. وقد تم تعليقها بعد نحو عام من هجوم حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تعبيرًا عن التضامن مع نحو 1200 شخص قُتلوا في أكبر مذبحة لليهود منذ الهولوكوست، ومع 251 شخصًا اختطفتهم الحركة. (وكان على الوجه الآخر من اللافتة عبارة: “أعيدوهم إلى ديارهم الآن!”). وقد أبدى فيلدر تفهمًا لدوافع هذا القرار، لا سيما أن الكيباه التي كان يرتديها تعود في الأصل إلى جده لأمه، وهو يهودي متدين كان له تأثير عميق في تشكيل فهمه لليهودية وبوصلته الأخلاقية. وكان جده صهيونيًا متحمسًا، إذ باع منزله في لونغ آيلاند عام 1975 وانتقل إلى بئر السبع جنوب إسرائيل.

نشأ فيلدر في مونتكلير، حيث انضم إلى حركة “هبونيم درور”، وهي حركة شبابية صهيونية تقدمية. وفي عام 2001، وبعد تخرجه من الثانوية، أرجأ دراسته الجامعية ليقضي عامًا في إسرائيل مع أصدقاء من الحركة، حيث عاش فترة في أحد الكيبوتسات ثم في مدينة كرميئيل شمال البلاد. وقد تزامن ذلك العام مع التفجيرات الانتحارية خلال الانتفاضة الثانية، ما جعله عامًا مشحونًا بالتوتر والعنف. وعاد فيلدر إلى الولايات المتحدة وهو يحمل إدراكًا أعمق لحالة الصدمة وانعدام الأمن في إسرائيل، وهو شعور تجدد لديه عقب هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول، خاصة مع ما شهده من مجازر في أماكن مثل “نير عوز”، الذي ذكّره بالكيبوتس الذي أقام فيه.

في المقابل، أعرب فيلدر عن مخاوفه من أن يؤدي الهجوم إلى تصعيد غير مسبوق في العنف ضد الفلسطينيين، مؤكدًا أن الانتماء لليهودية يستوجب الالتزام بمبادئ أخلاقية واضحة. وفي الربيع الماضي، ومع تواتر التقارير عن تفاقم المجاعة في غزة نتيجة القيود المفروضة على دخول الغذاء والمساعدات الإنسانية، بدأت لافتة “نقف مع إسرائيل” تثير قلقه. وأبدى خشية من أن يُفهم دعم المعبد على أنه تأييد للحصار، الذي اعتبره انتهاكًا لأحد أقدس المبادئ اليهودية التي نشأ عليها: حماية الحياة البشرية.

ومع تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، وجّه فيلدر رسالة إلكترونية إلى الحاخام الأكبر جيسي أوليتزكي والحاخامة المساعدة راشيل ماردر، عبّر فيها عن قلقه ودعا إلى إعادة النظر في اللافتة، غير أنه أُبلغ بأنها ستبقى. وبعد شهرين، عاد ليخاطبهما مجددًا، في وقت كان خبراء يحذّرون فيه من خطر المجاعة الذي يهدد نحو نصف مليون شخص في غزة، فيما دعت منظمات مثل “الجمعية الحاخامية” إلى تحرك عاجل لتخفيف معاناة المدنيين. واقترح فيلدر حينها توجيه رسالة إلى أعضاء المعبد تتضمن إرشادات للاستجابة للأزمة، سواء عبر دعم منظمات الإغاثة أو التواصل مع ممثليهم في الكونغرس للضغط على إسرائيل.

ديفيد مالاك، عضو في معبد بيث إل منذ سبعة وثلاثين عامًا
أزرار معروضة في منزل مالاك، في مابل وود، نيوجيرسي

إلا أن أي رسالة من هذا النوع لم تُرسل. وبحلول أواخر أغسطس/ آب، بدأ فيلدر يفكر في تنظيم احتجاج أمام معبد بيث إل على الرغم من أنه لم يسبق له حضور أي مظاهرة ولم يكن يحب لفت الانتباه إلى نفسه. كان فيلدر، وهو مهندس يميل إلى الكمالية، يفكر بدقة في تصميم لافتته، واختار في النهاية لافتة بيضاء تحمل حروفًا باللون الأزرق نفسه الذي ترسم به نجم داود على العلم الإسرائيلي. كما كان دقيقًا للغاية في صياغة رسالة اللافتة، فبدلاً من توجيه انتقاد لإسرائيل، قرر التركيز على قيمة أساسية في اليهودية، على أمل أن يوحّد ذلك أعضاء معبد بيث إل.

غير أن النتيجة جاءت على عكس توقعاته؛ فقد واجه هتافات غاضبة، من بينها: “اذهب إلى الجحيم – أنت شخص تافه!” و”ابحث لك عن حياة!” ولم يقتصر الأمر على أن بعض الأعضاء اختلفوا مع فكرة أن إسرائيل تتحمّل مسؤولية أخلاقية عن المجاعة في غزة؛ بل غضبوا من أن فيلدر يلمّح إلى ذلك في المكان الذي يأتون إليه للعبادة وتعليم أطفالهم اليهودية. لكن بعض الأشخاص اقتربوا من فيلدر وبدأوا الحوار معه، وكان فيلدر – قبل توجهه إلى المعبد في ذلك الصباح – قد أرسل صورة للافتة عبر مجموعة واتساب لأعضاء المعبد الذين شعروا بالأسى جراء الدمار في غزة واستيائهم من قلة الاهتمام بالموقف داخل بيث إل. وأبلغ فيلدر المجموعة أنه سيقف “خارج مدخل موقف السيارات”. وبعد ساعة ونصف، رفع أحد المشاركين في الدردشة صورة أخرى تظهر عدداً من أعضاء المجموعة واقفين بجانب فيلدر ولافتته.

قبل نصف قرن، نشر نورمان بودهوريتز، محرر مجلة “كومينتاري”، مقالًا في صحيفة نيويورك تايمز أشار فيه إلى أن اليهود الأمريكيين “تحوّلوا جميعًا إلى الصهيونية”. وكان الحدث الذي أدى إلى هذا التحول هو حرب يوم الغفران عام 1973، الهجوم المفاجئ على إسرائيل الذي شنّه العرب في أقدس أيام التقويم اليهودي. وهو الهجوم الذي كسّر الهالة التي نشأت عن انتصار حرب الأيام الستة عام 1967، حين استولت إسرائيل بسرعة على هضبة الجولان وشبه جزيرة سيناء والضفة الغربية وغزة من جيرانها العرب.

واستجابت الجالية اليهودية الأمريكية لحرب يوم الغفران، التي أسفرت عن مقتل نحو ثلاثة آلاف جندي إسرائيلي، بتدفق التبرعات إلى إسرائيل، كما تطوع الأطباء والطلاب للانضمام إلى الجهد الحربي. وقد لاحظ بودهوريتز أن من بين هؤلاء “المتحوّلين” كثيرون من اليهود الإصلاحيين الذين كانوا يعارضون غالبًا فكرة كون اليهود أمة واحدة، وكذلك بعض اليهود الأرثوذكس الذين كانوا يعتبرون الصهيونية هرطقة، معتبرين أن الله وحده يمكنه إنهاء نفي شعبهم المستمر. حتى بعض الاشتراكيين اليساريين تأثروا، من بينهم إيرفينغ هاو، محرر مجلة “ديسينت”، الذي أقر بأن رد فعله العاطفي تجاه حرب يوم الغفران كان “مفاجئًا وشديدًا للغاية”.

وكان من المنطقي الافتراض أنه بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، ستتكرر هذه الدينامية، وأن العزم على إعادة الرهائن الإسرائيليين، اثنا عشر منهم مواطنون أمريكيون، سيحفّز جيلًا جديدًا. لكن لم يظهر هذا الإجماع؛ فبالنسبة لبعض اليهود الأمريكيين، أثارت الفظائع التي ارتكبتها حماس، وتلاها اندلاع احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين في الجامعات، شعورًا متجددًا بالهوية الجماعية وحب الشعب اليهودي. بينما شعرت فئة أخرى بالانفصال عن المؤسسة اليهودية وعن الصهيونية نفسها، بسبب الهجوم الإسرائيلي العنيف على غزة، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني، وازدياد توغلات المستوطنين في الضفة الغربية.

وحتى كلمة “الصهيونية” باتت اليوم تثير جدلًا حادًا وفمن منظور مؤسسي إسرائيل، قد يكون عدد قليل من اليهود الأمريكيين الحاليين مؤهلين لتصنيفهم كصهاينة، نظرًا لأنهم اختاروا العيش في بلد آخر بدل المشاركة في بناء وطن قومي يهودي في فلسطين، وهو الهدف الأساسي للصهيونية الكلاسيكية. لكن بالنسبة للعديد من اليهود الأمريكيين، أصبحت الصهيونية تمثل الاعتقاد بوجوب وجود هذا الوطن بسبب الروابط التاريخية للشعب اليهودي بأرضه الأم، وبسبب القرون الطويلة من الاضطهاد التي تعرض لها، والتي بلغت ذروتها في الهولوكوست. هذه الصهيونية لا تزال متجذرة بعمق داخل الجالية اليهودية الأمريكية، لا سيما في التيار الأرثوذكسي الحديث، حيث يُنظر إلى رفض الصهيونية في كثير من المؤسسات اليهودية على أنه نوع من التجديف.

وفي المقابل، يجد عدد متزايد من اليهود الأمريكيين صعوبة في التوفيق بين عناصر أساسية أخرى من هويتهم، مثل الإيمان بالمساواة والعدالة الاجتماعية، وبين دعم دولة يقودها حاليًا تحالف يميني متطرف برئاسة بنيامين نتنياهو، الذي يسن قوانين عنصرية ويعلن تفوق اليهود. وقد ذهب بعض اليهود أبعد من ذلك، مدينين إسرائيل باعتبارها “دولة إثنية” غير ليبرالية تضطهد الفلسطينيين، ويرون أنها يجب أن تُلغى في شكلها الحالي.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أظهر استطلاع أجرته صحيفة واشنطن بوست أن 46 بالمئة من اليهود الأمريكيين دعموا الحرب في غزة، بينما عارضها 48 بالمئة، كما اعتقد 39 بالمئة منهم أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية. وأدت الخلافات حول الحرب إلى تعطيل عشاء العائلات، وتفكيك الصداقات، وتشظية الجماعات الدينية.

وفي خطبة خلال روش هاشناه في الخريف الماضي، قالت أنجيلا بوخدال، الحاخامة الكبرى في المعبد المركزي بمدينة مانهاتن، إنها لم تشعر قط بالخوف من التحدث عن إسرائيل كما شعرت الآن، خشية إغضاب بعض المصلين، وأضافت: “أريد أن أعبر عن حبي غير المشروط للشعب الإسرائيلي ولأرضنا المضطهدة، التي لا تزال تكافح لاستعادة رهائنها، وتحاول القضاء على إرهابيي حماس الذين لا يوافقون على الاستسلام ويحرصون على وضع شعبهم في مناطق قتالية. لكن إذا قلت هذه الأمور، التي أؤمن بها جميعًا، سيتوقف بعضكم عن الاستماع ويقرر أنني لم أعد حاخامتكم”.

وتابعت بوخدال قائلة: “أريد أيضًا أن أعبّر عن مدى تحطّم قلبي بسبب وفاة المدنيين والمعاناة المأساوية في غزة، والدمار الهائل للمنازل والمدن الفلسطينية. أرغب في إدانة العنف الذي يمارسه المستوطنون في الضفة الغربية، وكذلك الخطاب الصادر عن وزراء الحكومة اليمينية المتطرفة الذين يتحدثون عن ضم الضفة الغربية وطرد سكان غزة… لكن إذا قلت هذه الأمور، التي أؤمن بها أيضًا، سيتوقف بعضكم عن الاستماع ويقرر أنني لم أعد حاخامتكم”. ووصفت بوخدال النقاش حول إسرائيل بأنه “يمزق مجتمعنا”، مشيرة إلى أن محاولتها للتنقل بين خطوط الانقسام كانت “أصعب تجربة في حياتي الحاخامية”.

وعندما ألقَت الخطبة، لم يكن قد تم التوصل بعد إلى اتفاق لوقف الحرب في غزة بين إسرائيل وحماس. إلا أن التوترات داخل الجالية اليهودية الأمريكية لم تهدأ منذ توقيع اتفاق السلام في أكتوبر/ تشرين الأول 2025. فبعد أسابيع قليلة من وقف إطلاق النار، أثارت حملة زهران مامداني الانتخابية، الذي وصف هجوم حماس بأنه “جريمة حرب” لكنه اعتبر الرد الإسرائيلي “إبادة جماعية” جدلًا واسعًا، ما دفع أكثر من ألف حاخام لتوقيع رسالة مفتوحة تدين “التطبيع السياسي” لمعاداة الصهيونية، معتبرين ذلك نتيجة لرفض مامداني إدانة شعارات مثل: “تعميق الانتفاضة العالمية”. (وقد قلل مامداني من استخدام العبارة لكنه أوضح أن الفلسطينيين قد يرون فيها دعوة للمساواة لا للتحريض على العنف).

ومع ذلك، لم تمنع هذه التحركات بعض السياسيين اليهود البارزين في نيويورك، بينهم النائب جيري نادلر، الذي تشمل دائرته معظم مانهاتن، وبراد لاندر، المدير المالي لمدينة نيويورك آنذاك، من دعم مامداني. كما لم تُثنِ هذه الجهود نحو ثلث اليهود في نيويورك عن التصويت له، وفق استطلاع تم بعد الانتخابات. وفي أواخر فبراير/ شباط، ومع تراجع الاهتمام بغزة، شنت إسرائيل والولايات المتحدة هجومًا مشتركًا على إيران، وهي حرب قد تصبح تاريخية وتؤدي إلى انقسام المجتمع اليهودي الأمريكي بقدر ما فعلت حرب غزة، لا سيما إذا طال أمدها وارتفعت الخسائر.

ليبا باير، عضوة في معبد بيث إل وتعتبر نفسها مناهِضة للصهيونية، برفقة والدتها رينا. ساعدت ليبا في إنشاء مجموعة على واتساب أتاحَت للمشاركين خوض نقاشات نقدية حول إسرائيل

للتأكيد، يحمل العديد من اليهود في أمريكا مواقف متباينة، حيث يشعرون في الوقت نفسه بالارتباط بإسرائيل والازدراء تجاه حكومة نتنياهو. (ففي استطلاع أجرته صحيفة واشنطن بوست، قال 56 بالمئة من المشاركين إنهم يشعرون بارتباط عاطفي “قوي” أو “إلى حد ما” بإسرائيل، لكن أقل من ثلثهم أبدوا رضاهم عن أداء نتنياهو). كما أن الجدل حول إسرائيل داخل المجتمع اليهودي الأمريكي ليس بالأمر الجديد.

وفي كتابه “يهودي ضد يهودي” الصادر عام 2000، وثّق الصحفي صموئيل فريدمان كيف تحوّلت إسرائيل من موضوع يوحّد اليهود الأمريكيين إلى مصدر للخلاف. وأرجع هذا التحول إلى عملية السلام في أوسلو خلال منتصف التسعينيات، إذ أيّدها اليهود غير المنتمين أو من التيار الإصلاحي، الذي أنشأ مناطق حكم ذاتي فلسطيني محدود، بينما عارضها غالبية اليهود الأرثوذكس ذوي الميول المحافظة.

غير أن النقاش الذي وثّقه فريدمان كان صراعًا بين تيارين من الصهيونية: “الحمائم” الذين قبلوا التنازلات الإقليمية، و”الصقور” الذين اعتبروا أن أمن إسرائيل يعتمد على الحدود التي حصلت عليها بعد حرب الأيام الستة. أما الانقسام الجديد فهو أعمق، إذ يطرح تساؤلات جوهرية حول معنى أن يكون المرء يهوديًا. وقد أصبحت هذه النقاشات أكثر تعقيدًا داخل المعابد والمؤسسات اليهودية التي تتبنى الصهيونية الليبرالية، والتي سعت طويلًا إلى الجمع بين الالتزام بالقيم التقدمية والولاء لإسرائيل، وهي معادلة بات الحفاظ عليها صعبًا، بل مستحيلًا في نظر البعض، في ظل الأحداث الأخيرة.

وعقب هجوم حماس مباشرة، ساد الحزن في أجواء بيث إل، لكن لم تظهر مؤشرات واضحة على الانقسام. ففي صلاة الصباح اليومية، بدأ المصلّون يختتمون الشعائر بدعاء من أجل إسرائيل. وفي يوم السبت (الشبات)، كانت تُتلى صلاة “أخينو” من على المنصة (البيما)، وهي صلاة من أجل تحرير الأسرى. وعلى مدى عدة أسابيع، كان يتم تلاوة اسم وعمر كل رهينة بصوت عالٍ.

وفي الأسابيع التالية، كان يتم كل يوم سبت سرد قصة مفصلة لرهينة مختلفة، في تعبير عن حزن جماعي مستمر. وكان الألم أشد لدى المصلّين الذين يعرفون أشخاصًا قُتلوا أو اختُطفوا على يد مقاتلي حماس (إذ كان لبعض أعضاء بيث إل أقارب بين الرهائن)، لكن معاناة بعض الأعضاء بسبب أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول ترافقت أيضًا مع خوف من رد إسرائيل العنيف والعشوائي.

ومن بين هؤلاء كانت ليبا باير؛ ففي 9 أكتوبر/ تشرين الأول، حضرت حلقة استماع تبادل فيها الأعضاء المواساة والبكاء. وبعد ستة أسابيع، دعت مع صديقتين لها عشرات المعارف اليهود إلى اجتماع في منزلها. كان الاجتماع خاصًا، ولم يُسمح باستخدام الكاميرات، لإتاحة حرية التعبير. وبعد تقديم القهوة والخبز، بدأ الحاضرون بمشاركة مشاعر كانوا يخشون التعبير عنها من بينها الانزعاج من الروايات التي تصوّر إسرائيل كضحية فقط، والشعور بالخجل من تزايد أعداد القتلى المدنيين في غزة.

واستمرت اللقاءات، ولاحقًا حصلت المجموعة على اسم “تيزديك”، أو”تيزديك سوما”، تعني تيزديك “العدالة” بالعبرية، و“سوما” هو اختصار محلي لجنوب أورانج ومابل وود. ولم يحضر سوى عدد قليل من أعضاء بيث إل الاجتماع الأول، لكن مع مرور الوقت بدأ المزيد من الأعضاء في الانضمام، وأنشأ المتواجدون من بيث إل مجموعة على واتساب تتيح للمصلّين الدخول في حوار نقدي حول إسرائيل، ونشر الرسائل المتعلقة بالفعاليات المشتركة، مثل الوقفات الاحتجاجية المحلية المطالبة بوقف إطلاق النار في غزة. وبحلول الوقت الذي زرت فيه باير في منزلها، في الخريف الماضي، كانت المجموعة تضم خمسين عضوًا.

لم تخفِ باير، التي تتميز بابتسامة دافئة ونظارات وردية فاقعة، شعورها بالرضا؛ فقالت، بعد أن قادتني عبر مطبخها إلى الشرفة الخلفية حيث جلسنا تحت سكوخ مزين بصور هانا أرندت وغيرها من النساء اليهوديات البارزات: “لقد بنيت العديد من العلاقات المدهشة، ونحن نجري هذه الحوارات العميقة المرتبطة بهويتنا.” (السكوخ هو كوخ يُقام خلال أسبوع عيد السوكوت، ويستحضر الهياكل الهشة التي عاشها الإسرائيليون أثناء تجوالهم في الصحراء.) لكنها لم تخف أيضًا إحباطها من أن النقد الموجّه لإسرائيل داخل بيث إل ظل محصورًا في سلسلة رسائل غير رسمية.

وانضمت باير إلى بيث إل في عام 2013؛ حيث جذبها التزام المعابد بالقيم التقدمية، وهو ما ينعكس في أعلام الفخر بالمثليين والمتحولين في بهو المعهد. وخلال السنوات التالية، شاركت في قيادة لجنة لمساعدة اللاجئين السوريين والعراقيين والأفغان، كما شهدت هويتها اليهودية تحولًا تدريجيًا؛ فقد نشأت في دايتون، أوهايو، في أسرة صهيونية متشددة، وحضرت مدرسة أرثوذكسية، وشاركت في فصل هيلل الجامعي خلال دراستها.

وفي تلك الفترة كانت باير في رحلة إلى إسرائيل، وانضمت إلى مجموعة من ناشطات السلام اللواتي وقفن عند نقاط التفتيش في الضفة الغربية لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان. ولاحقًا أصبحت مديرة في منظمة مراصد حقوق الإنسان، التي نشرت تقريرًا عام 2021 اتهم إسرائيل بارتكاب جريمة الفصل العنصري في الضفة الغربية. في ذلك الوقت، كانت لا تزال تعتبر نفسها صهيونية، وقد وجدت نتائج التقرير مؤلمة لكنها عادلة. أما خلال حرب غزة، ومع امتلاء الصحف بصور المدارس والمستشفيات المدمرة، شعرت بحدوث إبادة جماعية، ما خفف من ارتباطها بالصهيونية ثم أدى إلى تحوّلها الكامل، فقالت: “يمكنني بكل تأكيد أن أصف نفسي بالمعارضة للصهيونية.”

وكانت باير مدركة أن إعلان ذلك علنًا داخل معبدها لن يكون محل ترحيب من الجميع، فحتى زوجها، وهو صهيوني يميني من أصول مغربية، كان يختلف معها بشدة، وقالت مازحة: “نحن زواج مختلط على صعيد السياسة الإسرائيلية.” وقد واجهت نظرات جافة في بيث إل، خصوصًا عندما حضرت الخدمات مرتدية ياكولكة مطبوعًا عليها بطيخ، وهو رمز تضامن مع الفلسطينيين الذين تتضمن أعلامهم الأحمر والأخضر والأسود. لكن كانت هناك أيضًا مرات اقترب فيها أشخاص لا تعرفهم لطلب أحد دبابيس “اليهود من أجل وقف إطلاق النار” التي تحملها في حقيبة الشال الخاص بها أثناء الصلاة، فقالت ضاحكة: “العديد من المعابد لديها رجل يوزع الحلوى أما أنا فأوزع الدبابيس”.

وأثبتت هذه اللقاءات لباير أن كثيرًا من المصلين يتصارعون مع كيفية التوفيق بين تعاطفهم مع الإسرائيليين اليهود والكارثة الإنسانية في غزة، وأضافت: “أنا أؤمن حقًا بأن معظم الناس يعانون من صراع داخلي”.

وأشارت باير، التي لديها طفلان مراهقان، إلى أنه على الرغم من أن آرائها كانت متميزة حتى بين المشاركين في مجموعة واتساب، والذين احتفظ كثير منهم ببعض الصلات بالصهيونية، فإن وجهات نظرها أصبحت أكثر انتشارًا بين اليهود الأصغر سنًا. وبعد نحو شهر من هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول، استضافت بيث إل برنامجًا تعليميًا للمراهقين حول تاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وبعد انتهاء الفعالية، اشتكى أحد الطلاب لوالديه من أن وفاة المدنيين الفلسطينيين قُدمت باعتبارها أضرارًا جانبية نتيجة مؤسفة لكنها لا مفر منها في مواجهة حماس، وقالت باير: “من يعتقد الحاخامات أنهم سيكونون جماعة المصلين بعد ثماني أو تسع أو عشر سنوات؟”.

وفي يونيو/ حزيران 2024، خلال عطلة شفوعوت، التي تحتفل بتسلّم التوراة على جبل سيناء، اجتمع نحو خمسين عضوًا من بيث إل في صالة خلف المعبد للمشاركة في نقاش حول معاداة السامية. وقبل ستة أشهر من ذلك، أصدرت رابطة مكافحة التشهير بيانًا أكدت فيه وقوع أكثر من ثلاثة آلاف حادثة معاداة للسامية في الولايات المتحدة خلال الأشهر الثلاثة التالية لهجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول. وكان الرقم مثيرًا للقلق، إذ تجاوز إجمالي بعض السنوات السابقة، ويرجع جزء من الارتفاع إلى تغيير منهجية الرابطة، التي بدأت تصنف عددًا أكبر من الفعاليات المناهضة للصهيونية — مثل الاحتجاجات المناهضة للحرب التي تقودها مجموعات مثل الصوت اليهودي من أجل السلام — كأعمال كراهية.

وبالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن “معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية”، كما يرى جوناثان غرينبلات، المدير الوطني للرابطة، فإن إدراج مثل هذه الأحداث مبرر بوضوح. وقد دقت الرابطة وأنصارها ناقوس الخطر بشأن الطلاب اليهود الذين يعرفون أنفسهم كصهاينة ويتعرضون للتشهير في الحرم الجامعي، وكذلك بشأن الاحتجاجات ضد احتلال إسرائيل لغزة التي تشمل هتافات مثل: “من النهر إلى البحر، ستكون فلسطين حرة”، وهو شعار يراه كثيرون دعوة لتدمير إسرائيل.

وفي فعالية بيث إل التي حملت عنوان “الغوص في الرمادي: فهم ومعالجة معاداة السامية ومعاداة الصهيونية”، قُدمت وجهة نظر مختلفة؛ فبعد امتلاء القاعة، وزّع المشرفان، اللذان كانا عضوين في مجموعة الواتساب، نسخًا من وثيقة تسمى “إعلان القدس حول معاداة السامية”. ونُشر هذا الإعلان عام 2021 من قِبل فريق من الباحثين في مجالات مثل الدراسات اليهودية وتاريخ الهولوكوست، وسعى إلى التمييز بين كراهية اليهود وانتقاد إسرائيل؛ حيث رأى الأكاديميون أن هذا التمييز مفقود في الخطاب الشعبي، وكذلك في التعريف المؤثر لمعاداة السامية المرتبط بالتحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، الذي يضم أمثلة عدة على معاداة السامية المتعلقة بالنقد الموجه لإسرائيل، من بينها: “إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره، مثل الادعاء بأن وجود دولة إسرائيل عمل عنصري” و”تطبيق معايير مزدوجة” على إسرائيل لا تُطلب من دول أخرى.

وفي السنوات الأخيرة، اعتمدت العديد من الدول تعريف التحالف، بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث أصدر الرئيس دونالد ترامب أمرًا تنفيذياً يلزم الوكالات الفيدرالية بالاستناد إلى تعريف التحالف عند التحقيق في شكاوى التمييز ضد اليهود، وقد شجّع هذا في العديد من الجامعات على محاسبة الخطاب المؤيد للفلسطينيين.

ويسعى إعلان القدس إلى تقديم منظور أكثر دقة؛ فمثلاً، تطبيق الصور النمطية الكلاسيكية المعادية لليهود على إسرائيل — مثل الادعاء بأن قادتها يتحكمون بالنظام المصرفي بطريقة خفية — يعد معاداة للسامية بوضوح، بينما قد لا يكون الانتقاد الآخر، بما في ذلك “معارضة الصهيونية كشكل من أشكال القومية” أو مطالبة إسرائيل بمعايير أخلاقية لا تُفرض على دول أخرى، معاداة للسامية. ويشير المؤلفون إلى أن “العداء لإسرائيل قد يكون تعبيرًا عن كراهية معادية للسامية، أو قد يكون رد فعل على انتهاك حقوق الإنسان، أو قد يكون شعورًا يختبره شخص فلسطيني نتيجة لتجربته”.

وفي فعالية بيث إل، طلب المشرفان من الحاضرين الإشارة إلى ما إذا كانوا يعتبرون بعض التعبيرات معادية للسامية. ومن بين هذه التعبيرات كان شعار “من النهر إلى البحر”، الذي يمكن استخدامه، وفقًا لإعلان القدس، للتعبير عن دعم دولة ثنائية يتمتع فيها اليهود والفلسطينيون بحقوق متساوية. وانقسم الاجتماع إلى مجموعات نقاش، وسرعان ما اندلعت مشاحنات، فقد وقف رجل مسن وأبلغ المشرفان أنهم يجب أن يشعرا بالخجل لإقامة مثل هذا الحدث في عطلة يهودية، بينما غادرت امرأة القاعة وأخبرت المشرفان بأنها وجدت النقاش مسيئًا. وقال أفي سمولين، أحد المشرفيْن، إن التوتر الذي ساد أظهر قيمة عقد مثل هذه الجلسة، إذ جاء العديد من الأشخاص لاحقًا ليشكره.

أما ديفيد مالاش، عضو بيث إل الذي شارك في الفعالية، فكان أكثر انتقادًا، إذ رأى أن مشاركة إعلان القدس دون تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست “خلقت نقاشًا متكلفًا”،  لكنه لم يختلف على أن الحدث كشف بشكل مفيد عن الانقسامات داخل المجتمع، وقال: “لقد أوضح مدى عمق الانقسامات داخل المعبد”.

وكان ديفيد مالاش عضوًا في بيث إل لمدة سبعة وثلاثين عامًا. وقبل تقاعده، عمل في المنظمة المتحدة لإسرائيل، وهي فرع من الاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية، التي تهدف إلى ربط المعابد وغيرها من الجماعات اليهودية. وخلال لقاء على القهوة في مابل وود، روى قصة انقسام حدث داخل الجماعة قبل ستة عشر عامًا، ناتج عن صراع شخصي بين كبير الحاخامات آنذاك، وهي امرأة، وبين المرتّل، وهو رجل مسن، فبعد أن صوت مجلس إدارة المعبد لفصل المرتّل، غادرت عشرات العائلات الموالية له، وأشار مالاش إلى هذا الحدث بـ”الانقسام الكبير”. ومنذ ذلك الخروج، تعافت عضوية بيث إل ونمت، لكنه قال إن انقسامًا جديدًا تشكّل مؤخرًا.

وفي لحظة ما، أخرج مالاش قلمًا ورسم على منديل خطين: الأول كان منحنى جرسي ناعم، والثاني خطًا مسننًا ذا ذروتين حادتين إحداهما على اليسار، والأخرى على اليمين. وقال: “إذا افترضنا أن هناك طيفًا من الآراء حول إسرائيل مثل هذا” مشيرًا إلى الخط الأول، “بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، لدينا صدع مثل هذا” ونقر بإصبعه على الخط الثاني. وأضاف أن الأرضية الوسطى تقلصت بينما انجذب المصلون نحو أطراف الطيف. ورغم أن مجتمع بيث إل يميل إلى الحزب الديمقراطي؛ لكنه أشار إلى أن المزيد من المصلين الذين يعرفهم تحوّلوا نحو اليمين أكثر من اليسار. (عمومًا، يمثل اليهود الأمريكيون كتلة تصويتية ليبرالية ثابتة، حيث يعرّف سبعون بالمئة أنفسهم كديمقراطيين).

ومن بين من ازداد التزامهم تجاه إسرائيل بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول – كما أخبرتني عدة مصادر – هو أوليتسكي، الحاخام الكبير في بيث إل؛ فبعد أسابيع من لقاء القهوة مع مالاش، قابلت أوليتسكي في مكتبه، وهو غرفة صغيرة مزوّدة بكتب الصلاة وصور العائلة، وعلى الرف الأعلى نصب صغير لفريق البيسبول بالتيمور أوريولز، وهو الفريق الذي طالما تشجع لمتابعته منذ أن أخذ جده يرافقه إلى المباريات. قال مبتسمًا: “لا شيء أكثر يهودية من أن تكون من محبي البيسبول وتؤمن أن هذا العام سيكون العام الذي نفوز فيه”. وأضاف أن لا شيء يفوقه سوى الدخول في نقاشات حامية مع زملاء يهود آخرين، وهو ما يصوّره أوليتسكي، ذو الوجه الدائري والمظهر الودي، كامتياز وليس عبئًا، وقال: “أنا محظوظ لأن أكون حاخامًا لمجتمع يقدّر أهمية النقاش ويفسح المجال للحوار”.

وأصر أوليتسكي على أن فكرة انقسام بيث إل إلى معسكرين متطرفين غير صحيحة، لكنه اعترف بأن “المشاعر المتأججة” قد ظهرت، وقال إنه بعد هجوم حماس، تغلب عليه شعور بالوحدة والإهمال. فقد كان ناشطًا منذ وقت طويل في جمعية رجال دين، يعمل أعضاؤها معًا في أوقات الأزمات، منسقين الإجراءات بعد أحداث مثل مقتل جورج فلويد، الذي نظم بيث إل له جلسة حداد رمزية. وبعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، لم يتلق أي اتصال من أعضاء الجمعية، مما دفعه إلى كتابة مقال بالاشتراك مع حاخامين محليين آخرين، حمل نبرة حزينة، جاء فيه: “رجال الدين الذين وقفنا معهم جنبًا إلى جنب في المظاهرات دعمًا لحقوق وحماية مجتمع الميم أو رفعنا أصواتنا معًا ضد الظلم العنصري اختفوا ببساطة”، وأضافوا أن هذا الصمت “قد أنهكنا”.

أليكس ويلك، عضو في معبد بيث إل، تم إبلاغه أنه لا يمكنه مشاركة قصة أثناء الصلوات حول مدرسة للأطفال الفلسطينيين هدمها المستوطنون اليهود في الضفة الغربية

وقال بعض اليهود الأمريكيين البارزين إن هذا الصمت كان دليلاً مهمًا أيضًا؛ ففي عمود له بصحيفة نيويورك تايمز، أشار بريت ستيفنز إلى أن حسن النية الذي افترضه العديد من اليهود الأمريكيين بأنهم سيحظون به بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول لم يتحقق أبدًا. وبدلاً من ذلك، سارع بعض الحلفاء التقدميين إلى إدانة الرد العسكري لإسرائيل، مع مدح أو رفض إدانة حركة حماس. ووصف ستيفنز الأشخاص الذين نشطوا سياسيًا نتيجة لهذا الوضع بـ”يهود 8 أكتوبر/ تشرين الأول”، وهو مصطلح أصبح شائعًا لاحقًا.

في العام الماضي، وخلال خطاب حول “حالة اليهودية العالمية” في 92 شارع واي، احتفل الكاتب دان سينور بهذه الصحوة، وقال: “كان هناك صدع وانفتاح في وعي اليهود في 8 أكتوبر/ تشرين الأول. بدأ الناس بارتداء سلاسل نجمة داوود لأول مرة، وذهبوا إلى المظاهرات، وتبرعوا بمئات الملايين للحملات الطارئة، وأرسلوا الإمدادات إلى وحدات الجيش الإسرائيلي، ونعم، بمئات الآلاف، استمعوا للبودكاست عن اليهودية وإسرائيل”. ويستضيف سينور برنامج بودكاست بعنوان “اتصل بي لاحقًا”، ازدادت شعبيته بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول.

سينور وستيفنز من المحافظين الجدد الذين لم يحتاجوا إلى إقناع بأن أعضاء الحركات التقدمية ليسوا بالضرورة أصدقاء للشعب اليهودي. غير أن التحوّل في الوعي الذي توصّفا به لم يقتصر على اليهود من اليمين فحسب؛ بل بدا أكثر وضوحًا بين اليهود الذين يعتبرون أنفسهم ليبراليين، مثل أوليتسكي، الذي كان في عام 2017 ضمن مجموعة من الحاخامات الذين اعتُقلوا احتجاجًا على الأمر التنفيذي للرئيس ترامب الذي منع السفر من سبع دول ذات أغلبية مسلمة.

وروى لي أن قيم التنوع والسلام غُرست فيه منذ صغره؛ 7 ففي عام 1995، عندما كان في الصف السادس، اصطحبه والداه إلى صالة ماديسون سكوير غاردن لحضور حفل تأبيني لرئيس وزراء إسرائيل يتسحاق رابين، الذي اغتاله متطرف يميني بعد توقيعه اتفاقيات أوسلو. وكان والد أوليتسكي، كيري، حاخامًا أيضًا ومؤسس حركة “اليهودية ذات الخيمة الكبيرة”، التي سعت إلى فتح أبواب المعابد أمام أشخاص كانوا مستبعدين سابقًا، مثل اليهود المثليين والأزواج من خلفيات دينية مختلفة. ويمكن رؤية ملصق “اليهودية ذات الخيمة الكبيرة” على أبواب بيث إل الأمامية.

وخلال اجتماعنا، قال أوليتسكي إنه ما زال يصلي من أجل السلام كل يوم، وأكد أن حبه مخصّص لشعب وأرض إسرائيل، لا لحكومتها الحالية، وبالقطع ليس للمتطرفين مثل إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، الذي أشاد مرارًا بالمستوطنين اليهود العنيفين واعتبرهم أبطالًا. ووصف أوليتسكي بن غفير بأنه “بوشة”، أي “عار”، لكنه أوضح أيضًا أن كل ما قام به قادة إسرائيل المثير للجدل في السنوات الأخيرة – من السماح للمستوطنين بإرهاب وإذلال الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى حجب الغذاء والمياه عن غزة – لم يغيّر حقيقة أن بيث إل جماعة صهيونية ملتزمة بدعم إسرائيل.

وكان ذلك واضحًا في موضوعات عظاته؛ ففي إحدى العظات، بعد مرور عام على 7 أكتوبر/ تشرين الأول، روى كيف انفطر قلبه عندما علم بوفاة هيرش جولدبرغ-بولين، الرهينة الأمريكي الإسرائيلي الذي عُثر على جثته في نفق في رفح. وقال للمصلين إن دموعه على جولدبرغ-بولين كانت رمزًا لـ”ألم الأمة”، وهو شعور يوحّد اليهود ويبرّر إعطاء الأولوية لمعاناتهم على معاناة الآخرين.

وفي اليوم السابق، أيد أوليتسكي تركيز الاهتمام حصريًا على وضع الرهائن ردًا على رسالة من ليبا باير، وقد رفض طلبها بتوزيع دبابيس تحمل عبارة “بتسليم إلوهيم: كل حياة مقدسة” خلال الأعياد اليهودية الكبرى، لصالح المصلين الذين شمل حزنهم حول حرب غزة كلاً من الإسرائيليين والفلسطينيين.

وبعد فترة، رفض أوليتسكي أيضًا طلب باير بأن تستضيف بيث إل مجموعة قراءة حول كتاب “كونًا يهوديًا بعد دمار غزة” للصحفي بيتر بينارت، الذي دعا إلى إقامة دولة ثنائية القومية في إسرائيل. وأخبرت باير أوليتسكي أن ثمانية عشر عضوًا أرادوا حضور المجموعة، وكتب لها في رسالة إلكترونية: “رعاية نقاش يستخلص أن إسرائيل لا يجب أن تكون دولة يهودية ليس برنامجًا مناسبًا لنا كمعبد لنستضيفه”.

وفي خريف العام الماضي؛ ومع بدء صلوات يوم الغفران، تحدث أوليتسكي عن معنى اللافتة التي كتب عليها “نقف مع إسرائيل” والتي علقها خارج المعبد. وكان ذلك بعد حوالي أسبوعين من تنظيم فيلدر لمظاهراته، وبعد أن أبدى العديد من أعضاء بيث إل انزعاجهم من اللافتة عبر رسائل إلكترونية أو محادثات خاصة، واقترح بعضهم بدائل مثل “شعب واحد، قلب واحد” و”نقف مع الشعب الإسرائيلي”.

في عظته، بدأ أوليتسكي باسترجاع الحالة النفسية في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، حين عاد إلى المنزل سيرًا مع ابنته بعد الصلوات وشرح لها ما حدث. فسألته عما إذا كان بإمكانهم تعليق العلم الإسرائيلي خارج منزلهم. وقال للمصلين إن العلم ما زال مرفوعًا هناك حتى اليوم. واعترف أوليتسكي بأن لافتة “نقف مع إسرائيل” تفتقر إلى الدقة والرصانة، لكنها خدمت كدعوة للحوار وأكدت على رابط لا يتزعزع. وقال: “قول ‘أنا أقف مع إسرائيل’ يعني ‘أؤمن بإسرائيل، بما هي عليه، وبما يمكن أن تكون عليه؛ إسرائيل التي أحلم بها’”.

وأحب العديد من المصلين الخطبة، بمن فيهم كيرين سيغل، التي انضمت هي وزوجها إلى كنيس “بيت إيل” في عام 2021، بعد ولادة توأميهما، منجذبين إلى حقيقة أنه كنيس يتبع تيار “المرتدوكسية الحديثة” أو “اليهودية المحافظة” (كلاهما يلتزم بشدة بتعاليم يوم السبت) ويضم مجتمعًا متناميًا من العائلات الشابة. وافترضت سيغل، التي ينحدر والدها من أصل إسرائيلي ولديها العديد من الأقارب في إسرائيل، أن المصلين هناك يدعمون الصهيونية. وفي الأيام التي تلت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، والتي أمضتها في مراسلة أبناء عمومتها بهلع للتأكد من سلامتهم، لجأت إلى كنيس “بيت إيل” طلبًا للسلوان والمواساة. لكنها أُصيبت بالذهول حين أدركت أن العديد من الأعضاء لم يكن لديهم نفس الارتباط بإسرائيل، بل وتوافقوا مع منتقديها.

وفي شهر يوليو/تموز الماضي، قُتل ابن أحد أبناء عمومتها أثناء عملية عسكرية في غزة، وقد خلدت ذكراه لاحقاً بوضع ملصق يحمل اسمه على لافتة “نقف مع إسرائيل”. وعندما تلقت خبر مقتل قريبها، تساءلت عما إذا كان بعض رواد “بيت إيل” قد يعتقدون أن مقتله كان مبررًا، خاصة وأنها سمعت عن احتجاجات هتف فيها متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين قائلين: “الموت، الموت للجيش الإسرائيلي!”. وشعرت سيغل أن خطبة الحاخام أوليتسكي في “يوم الغفران” كانت تأكيداً مرحباً به للقيم الأساسية التي يتبناها الكنيس، وقالت لي: “نحن مجتمع وكنيس صهيوني. وكما ندعم العدالة الاقتصادية وحقوق الجنسين والحقوق العرقية، فإن إحدى قيمنا هي أننا نؤمن بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية”.

في المقابل؛ كان رد فعل فيلدر على الخطبة مختلفاً تماماً بطبيعة الحال؛ فمنذ وقوفه خارج كنيس “بيت إيل” حاملاً لافتته، اكتشف أن آراءه تحظى بقبول أوسع بين المصلين مما كان يعتقد. وفي طريقه لحضور صلاة “يوم الغفران”، كان متفائلاً بأن أصواتهم مسموعة، لكن خطبة أوليتسكي تركته محبطاً ومنكسر الخاطر. وفكر فيلدر وهو يقود سيارته عائداً إلى منزله قائلاً في قرارة نفسه: “تباً لمفهوم ‘الخيمة الكبيرة’ (الاستيعاب الشامل) في اليهودية”، وتباً أيضاً لتطبيق قيم “بيت إيل” التقدمية على إسرائيل، وهو الانفصال الذي صدمه قبل شهر تقريباً، عندما علم أن الحاخامات في “بيت إيل” كانوا يخططون لإقامة صلاة خارج أحد مراكز الاحتجاز التابعة لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية. وعندما رأى البريد الإلكتروني حول إقامة الصلاة أمام مركز وكالة الهجرة والجمارك، قال لي: “كانت تلك هي اللحظة التي طبعت فيها لافتتي. لأنني أشعر بالرعب مما يحدث مع وكالة الهجرة ومسألة المهاجرين، لكن لم يكن هناك أي ذكر لأكبر قضية كانت تمس المجتمع اليهودي في ذلك الوقت. بالنسبة لي، لقد فقدنا سلطتنا الأخلاقية للدفاع عن العدالة الاجتماعية في ذلك المركز التابع لوكالة الهجرة بتجاهلنا للتجويع الجماعي الذي يتعرض له السكان المدنيون. لقد جعل ذلك الأمر الاحتجاج ضد وكالة الهجرة أجوفًا ولا معنى له”.

ومن المرجح أنه لم يكن هناك أي شيء يمكن أن يقوله أوليتسكي حول حرب غزة ليرضي جميع أعضاء “بيت إيل”. ولهذا السبب، ومع دخول الصراع عامه الثاني، بذل الحاخامات في العديد من المعابد اليهودية الأمريكية جهوداً مضنية لتجنب الخوض في هذا الموضوع.

والتزم بعض الحاخامات، الذين كانوا يشعرون سرًّا بالصدمة والاشمئزاز من تصرفات إسرائيل في غزة، الصمت خوفًا من وصمهم بالخونة. وأخبرتني شارون براوس، كبيرة الحاخامات في كنيس “إيكار” في لوس أنجلوس، أن المدافعين عن إسرائيل غالبًا ما يلجؤون إلى خطاب أطلقت عليه اسم “الدفاع، التشتيت، والتنديد”. وقالت: “أولًا، الدفاع عن إسرائيل بأي ثمن، حتى عندما تكون إسرائيل مخطئة بشكل صارخ. ثم التشتيت عبر القول: ‘لماذا لا تتحدثون عن السودان؟’ وبعد ذلك، التنديد بأي شخص يرفض اللعب وفقًا لهذه القواعد”.

وبالعودة إلى عام 2012، وفي خضم تبادل إطلاق الصواريخ بين إسرائيل وحركة حماس، اختبرت براوس هذا الأمر بشكل مباشر، عندما اتهمها حاخام القدس، دانييل غوردس، بـ “الخيانة” في مقال له بصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، مستشهداً برسالة كانت قد أرسلتها إلى مجتمعها وعبرت فيها عن تعاطفها مع الإسرائيليين والفلسطينيين بـ “توازن مطلق”. وقالت لي إن هذا الاتهام آلمها بشدة، ليس فقط لأن غوردس كان بمثابة مرشد لها، بل لأنه أثار هجمات شخصية ضدها، تضمنت تهديدات بالاغتصاب والقتل.

وبعد وقت قصير من السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وخلال مكالمة عبر تطبيق “زوم” ضمت أكثر من مئة شخصية مؤثرة في هوليوود، أكدت براوس على تعاطفها العميق مع الإسرائيليين؛ حيث كان لاثنين من أعضاء مجلس إدارة كنيسها أقارب في إسرائيل قُتلوا أو اختُطفوا على يد حماس؛ لكنها أعربت أيضاً عن قلقها إزاء إجبار المدنيين على مغادرة شمال غزة. وتتذكر براوس أن جوناثان غرينبلات، رئيس رابطة مكافحة التشهير، والذي انضم إلى الاجتماع ووصف معاداة الصهيونية بأنها شكل من أشكال الإبادة الجماعية، قاطعها بحدة قائلاً: “أرجوكِ توقفي! لا تلومي الضحية… يمكننا إضفاء الطابع الإنساني عليهم عندما يتوقفون عن تجريدنا من إنسانيتنا”؛ ثم أغلق الخط.

الحاخام بول غولومب وزوجته ديبوراه غولومب، في مقر إقامتهما بحي “أبر ويست سايد”. وقالت ديبوراه: “إن ما يحدث في إسرائيل وغزة والضفة الغربية يفطر قلبي”.

ولطالما طالبت المؤسسة اليهودية بدعم غير مشروط لإسرائيل، ويُقال إن شعار أبراهام فوكسمان، سلف غرينبلات في رئاسة رابطة مكافحة التشهير، كان: “على الديمقراطية الإسرائيلية أن تُقرر، وعلى اليهود الأمريكيين أن يدعموا”. ومع ذلك، فإن هذا الموقف لم يمنع بعض أعضاء المؤسسة من انتقاد إسرائيل، ولكن من منظور يميني؛ حيث يشير الصحفي جوشوا ليفر، في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان “الألواح المحطمة”، إلى أن العديد من الحاخامات الأمريكيين البارزين هاجموا إسحاق رابين علنًا لتوقيعه على اتفاقيات أوسلو. وحتى أن أحدهم وصف حكومة رابين بأنها “يودنرات”، وهو المصطلح النازي الذي كان يُطلق على المجالس اليهودية المعينة للإشراف على الغيتوهات (الأحياء اليهودية المعزولة).

وعلى الرغم من أن مساعي المؤسسة اليهودية لإسكات الانتقادات أثبتت فعاليتها في بعض الأحيان مع الحاخامات، إلا أنها لم تمنع اليهود المهتمين بحقوق الفلسطينيين من الانضمام إلى مجموعات مثل منظمة “الصوت اليهودي من أجل السلام”.

وفي الواقع، يعتقد بعض المراقبين أن محاولات كتم الانتقادات قد أتت بنتائج عكسية؛ حيث قالت لي نومي كولتون-ماكس، وهي عضو في “بيت إيل” ورئيسة سابقة للكنيس: “لو كان بإمكاننا إجراء حوارات مفتوحة حول إسرائيل، بنفس الطريقة التي أجرينا بها حوارات مفتوحة حول كل شيء آخر، لربما لم يصل الوضع إلى هذه النقطة”.

وتشارك كولتون-ماكس في رئاسة منظمة “السردية اليهودية الجديدة”، وهي منظمة تدعم العدالة وتقرير المصير لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين، كما تشغل منصب نائب رئيس الحركة الصهيونية الأمريكية. وتشعر أن التجمعات اليهودية في جميع أنحاء أمريكا الشمالية لطالما تبنت مفهوم “الاستيعاب الشامل” الذي يمتد، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، من يسار الوسط بقليل وصولًا إلى أقصى اليمين وأضافت: “لقد سمحنا للخيمة بالتمدد أكثر نحو اليمين، ولكن لم نسمح لها أبداً بالتمدد نحو اليسار”. وأوضحت أن مفهوم “شالوم بايت” – وهي عبارة عبرية تعني “السلام داخل المنزل” – “كان يتعلق دائماً باستيعاب أولئك الذين يقفون في جانب واحد فقط”.

وفي شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2024، تلقى عضو في “بيت إيل” يُدعى أليكس ويليك دعوة للتحدث في القاعة الرئيسية للكنيس يوم السبت حول زيارة قام بها مؤخراً إلى إسرائيل. وكان الحاخامات قد طلبوا من العديد من الأعضاء الذين سافروا إلى هناك التحدث عن تجاربهم أثناء وقوفهم على “البيماه” (المنصة المخصصة للقراءة)، قبل تلاوة صلاة “أخينو” (صلاة تُقرأ من أجل الإخوة في الضيق)، وغطت جميع عروضهم التقديمية موضوعات متشابهة، حيث نقلوا فيها صمود الإسرائيليين الذين قابلوهم.

وطُلب من ويليك، الذي يعمل في “صندوق إسرائيل الجديد”، وهي منظمة غير ربحية تدافع عن العدالة الاجتماعية والديمقراطية، التحدث عن “تفاعل” خاضه في إسرائيل، “شيء من شأنه أن يُلهم المجتمع”؛ فقرر التحدث عن لقائه مع بينون ليفي، وهو مستوطن يهودي يُعرف، من بين أمور أخرى، بقيامه باقتحام مدرسة ابتدائية بجرافة في زنوتا، وهي قرية فلسطينية تقع في تلال جنوب الخليل بالضفة الغربية. (في عام 2024، فرضت إدارة بايدن عقوبات مالية على ليفي وثلاثة مستوطنين يهود آخرين بتهمة التحريض على العنف ضد الفلسطينيين، لكن إدارة ترامب رفعت هذه العقوبات في العام الماضي). وخلال زيارته، ذهب ويليك إلى موقع الهجوم وتفقد الأنقاض التي كانت تتناثر بينها رسومات أطفال وأقلام تلوين مكسورة. وأثناء وجود ويليك هناك، مر بعض المستوطنين في شاحنة صغيرة بيضاء اللون وابتسموا؛ وكان ليفي من بينهم.

وقبل أن يتحدث ويليك، طلب كل من أوليتسكي وماردر الاطلاع على كلمته لتقديم ملاحظاتهما، ووافق ويليك على ذلك، ووجد اقتراحاتهما مفيدة، وبعد ذلك، أرسل رسالة نصية عبر مجموعة “واتساب”، مشجعاً الناس على حضور كلمته. ولكن، في الأسبوع الذي سبق الموعد المقرر لحديثه، تلقى رسالة بريد إلكتروني تبلغه بإلغاء الدعوة، وتقترح عليه أماكن أخرى في كنيس “بيت إيل” ليروي فيها قصته. وقال أوليتسكي إن هذا القرار اتُخذ لأن هناك حاجة إلى “نقاش وحوار” حول مثل هذا الموضوع، ولأن “البيماه” (منصة الكنيس) تُعد مكاناً خاصاً يجتمع فيه أفراد المجتمع ليشعروا بـ “بصيص من الأمل”. ولم يقتنع ويليك بهذا التفسير، مشيراً إلى أن العديد من القصص المروعة والمزعجة قد رُويت من على المنصة ذاتها خلال العامين ونصف العام الماضيين، وهي قصص تتعلق بأعمال العنف التي ارتكبتها حركة حماس.

وعلى الرغم من أن موضوع الكلمة التي كان ويليك يعتزم إلقاءها كان قاتمًا، إلا أنها بدأت بوصف ارتباطه العميق بإسرائيل. وفي وقت لاحق من كلمته، كان سيوجه حديثه لأولئك الذين قد يتساءلون عن سبب حديثه عن مدرسة فلسطينية في مساحة مخصصة للقصص اليهودية، وأوضح أن تجربته هي قصة يهودية بامتياز، قائلاً: “الجميع هنا، باستثناء الضحايا، هم يهود؛ فهم الجناة، والمسهلون، والمراقبون”.

وأخبرني ويليك بكل هذا بينما كنا نمشي عبر محمية طبيعية في ولاية نيوجيرسي حيث يحب ممارسة رياضة الجري. ووصف ويليك، وهو أب لطفلين صغيرين، يوم زيارته للمدرسة المُجرفة بأنه “أحلك لحظة في تاريخي مع الصهيونية”. أما الآن، فقد قال إنه لم يعد متأكدًا مما إذا كان يعتبر نفسه صهيونيًّا، وأضاف: “إذا لم أتمكن من فصل هذا الفعل عن تلك الكلمة داخل مجتمعي الخاص، فإنني لم أعد أعرف حتى ما أشعر به تجاه الكلمة على الإطلاق”.

وعلى الرغم من خيبة الأمل التي شعر بها ويليك، إلا أنه لم يكن ينوي مغادرة “بيت إيل”، وكذلك كان حال الأعضاء الآخرين في مجموعة “واتساب” الذين التقيت بهم؛ حيث قالت ليبا باير: “لا أريد هدم هذا المكان – أنا هنا فقط لجعله أفضل”، مضيفة أن ابنها سيحتفل قريباً بـ “البار متسفا” (حفل البلوغ اليهودي للذكور) في الكنيس ذاته، وهو المكان الذي أقيم فيه أيضاً حفل تأبين والدها، واحتفلت فيه ابنتها بـ “البت متسفا” (حفل بلوغ الفتيات) في عام 2024. وأعربت باير عن أملها في أنه مثلما تعلمت التجمعات الدينية الترحيب بعائلات “مجتمع الميم” والعائلات المختلطة الأديان واستيعابهم، فإنها ستتطور أيضًا لتوفير مساحة للأشخاص ذوي الآراء المتنوعة حول إسرائيل.

لا يعتقد الجميع بضرورة إجراء مثل هذا الاستيعاب؛ ففي شهر نوفمبر/تشرين الثاني، كتب نولان ليبوفيتز، كبير الحاخامات في كنيس “فالي بيت شالوم” في منطقة إنسينو بولاية كاليفورنيا، مقالاً لمجلة “تابلت” صرح فيه بأن اليهود الذين تخلوا عن الصهيونية “قد أخرجوا أنفسهم من إحساسنا المشترك بالانتماء القومي”. وقد رددت حجته صدى الأطروحة التي ضُمنت في مقال نُشر عام 2021 بقلم ناتان شارانسكي وجيل تروي، ونُشر أيضاً في مجلة “تابلت”، والذي وصف المنشقين عن الصهيونية بأنهم “غير يهود” (أو مجردين من يهوديتهم). وكتب ليبوفيتز أنه منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تضاءلت الفروق بين الطوائف الإصلاحية والمحافظة والأرثوذكسية أمام الانقسام الوحيد الذي يهم الآن: “صهيوني أو مناهض للصهيونية”. وكان عدد من المصلين الذين رفضوا “الالتزام القوي والصريح تجاه إسرائيل” الذي يتبناه كنيسه قد غادروا، وقد رحب ليبوفيتز برحيلهم.

وتوقف العديد من اليهود عن ارتياد المعابد التي رفضت الاعتراف بمخاوفهم بشأن إسرائيل؛ ففي شهر يناير/كانون الثاني، احتسيت الشاي في نيويورك مع امرأة سأسميها “ريفكا” (إذ لم ترغب في استخدام اسمها الحقيقي). وكانت ريفكا، وهي موسيقية في الثلاثينيات من عمرها تعمل في مؤسسة غير ربحية تُعنى بالعدالة الاجتماعية، قد انضمت إلى كنيس في حي “أبر ويست سايد” عند انتقالها إلى نيويورك قبل عدة سنوات.

وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، أرسل الكنيس بريداً إلكترونياً لجمع التبرعات لصالح الجيش الإسرائيلي، والذي كانت تنظر إليه كـ “جيش احتلال”، ثم سمعت مصادفة أحد أعضاء الكنيس يقول: “لا يوجد أبرياء في غزة”، فتركت ريفكا المعبد وبدأت تبحث عن مكان للعبادة يتوافق بشكل أكبر مع قيمها. وبحلول الوقت الذي التقينا فيه، كانت قد وجدت ضالتها؛ وهو مجموعة “مينيان” (مجموعة صلاة يهودية) المناهضة للصهيونية في حي هارلم، والتي كانت قد أسستها بنفسها. وفي ليالي الجمعة، كانت المجموعة تجتمع في شقة أحد الأعضاء لإقامة صلوات يوم السبت وتناول عشاء جماعي يشارك الجميع في إعداده. وفي العام الماضي، تشكلت العديد من مجموعات الـ “مينيان” المشابهة في أماكن مثل بروكلين وبوسطن.

ولم تعد ريفكا تشعر بأي ارتباط بإسرائيل، على الرغم من أن رحلتها الروحية لم تكن بأي حال من الأحوال رحلة شخص “غير يهودي”؛ فقبل إطلاق مجموعة الصلاة الخاصة بها، أمضت أشهراً في دراسة الطقوس الدينية اليهودية حتى تتمكن من قيادة الصلوات، كما قامت بتحسين لغتها العبرية، وقالت: “لقد أصبح إيماني أكثر قوة بكل تأكيد”، مدفوعة برغبتها في إثبات أن اليهودية “تخصنا جميعًا، ولا تملك الصهيونية حق احتكارها”.

وبعد لقائي مع ريفكا، زرت كنيس “بناي يشورون”، وهو كنيس لا ينتمي لطائفة محددة يقع في حي “أبر ويست سايد”. وعلى الرغم من أنها كانت أمسية عاصفة في منتصف الأسبوع، إلا أن الكنيس كان مكتظاً بالأشخاص الذين جاءوا لحضور حلقة نقاشية بعنوان “الخيمة اليهودية في مفترق طرق”، حول الانقسام الداخلي بشأن إسرائيل والصهيونية. وقبل بدء الفعالية، تجاذبت أطراف الحديث مع رجل يجلس خلفي، وهو حاخام متقاعد يُدعى بول غولومب، كان قد شغل ذات يوم منصب نائب الرئيس لشؤون البرمجة والتخطيط في الحركة الصهيونية الأمريكية، وقال إنه لا يزال متمسكاً بالأمل في وجود “صهيونية ليبرالية وعادلة”. في حين بدت زوجته، ديبوراه، التي كانت تجلس بجانبه، أقل تفاؤلاً، وقالت: “إن ما يحدث في إسرائيل وغزة والضفة الغربية يفطر قلبي”.

وطلب الحاخام إروين كولا، مدير الجلسة، من المشاركين وصف أكبر مخاوفهم أو كوابيسهم. وكان من بين المتحدثين بيتر بينارت، الكاتب الذي اعتُبر كتابه غير لائق للدراسة في كنيس “بيت إيل”، وقال بينارت، الذي يواصل ارتياد كنيس أرثوذكسي، إنه بالإضافة إلى قلقه من أن الله سيحاسب مجتمعه على تقصيره في وقف المذبحة في غزة، فإنه يخشى أن يُطرد قريبًا من هذا المجتمع. وقال: “إن يوم السبت لا يكون سبتاً إذا قضيته بمفردك، وأشعر أحياناً أن هذا هو مستقبلي”.

وقال متحدث آخر، وهو إليوت كوسغروف، كبير الحاخامات في كنيس “بارك أفينيو” في حي “أبر إيست سايد”، إن قلقه الرئيسي يتمثل في أنه في الوقت الذي لا يفتقر فيه الشعب اليهودي إلى الأعداء الخارجيين، “فإننا نصنع أعداءً داخليين”، ودعا إلى استحضار “سعة الصدر والروح”. كانت تلك رسالة نابعة من القلب، لكنها كانت مفاجئة نوعاً ما من حاخام كان قد أشعل التوترات بين اليهود مؤخراً؛ فقبل بضعة أشهر، كان كوسغروف قد ألقى خطبة عن ممداني، أصر فيها على أن المرشح يشكل “خطرًا على أمن المجتمع اليهودي في نيويورك” بسبب معارضته للصهيونية.

وألهمت خطبة كوسغروف الرسالة الحاخامية التي تندد بممداني، والتي حثت الرسالة الأمريكيين على “الوقوف إلى جانب المرشحين الذين يرفضون الخطاب المعادي للسامية والمعادي للصهيونية، والذين يؤكدون على حق إسرائيل في الوجود”. وعلى الرغم من أن الرسالة حصدت أكثر من ألف توقيع، إلا أنها كانت مثيرة للجدل؛ فقد رفض العديد من الحاخامات التوقيع عليها لاعتقادهم بأنه ليس من شأن القيادات الدينية التدخل في الانتخابات، وخشي آخرون من أن استهداف ممداني وتخصيصه بالذكر قد يؤجج مشاعر “الإسلاموفوبيا” (العداء للإسلام). في حين شعر آخرون بالقلق من أن الرسالة، التي حملت عنوان “دعوة حاخامية للعمل: الدفاع عن المستقبل اليهودي”، من شأنها في الواقع تخريب “المستقبل اليهودي” من خلال تنفير الشباب اليهود المتحمسين لممداني.

وقالت الحاخامة هارا بيرسون، الرئيسة التنفيذية للمؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين، وهي المنظمة المهنية للحاخامات الإصلاحيين: “إذا أخبرنا هذه الشريحة الواسعة بأكملها من الشباب بأن أفكارهم ومخاوفهم غير مرحب بها، فسوف نخسرهم”، وقد تجسدت مخاوفها على أرض الواقع في يوم الانتخابات؛ فعلى الرغم من أن أندرو كومو، الذي هاجم ممداني مرارًا بسبب آرائه حول إسرائيل، قد اكتسح الأحياء الحسيدية (طائفة يهودية أرثوذكسية) مثل حي “بورو بارك”، إلا أن ممداني فاز بأصوات اليهود في المعاقل التقدمية مثل حي “بارك سلوب”.

الحاخام إليوت كوسغروف، من كنيس “بارك أفينيو”. ألقى كوسغروف خطبة وصف فيها زهران ممداني بأنه “خطر على أمن المجتمع اليهودي في نيويورك” بسبب معارضة ممداني للصهيونية.

وأكد كوسغروف، في خطبته حول ممداني، أن الصهيونية وإسرائيل هما “خيطان لا ينفصلان” عن هويته اليهودية. وفي اليوم التالي لانتخاب ممداني، ذهبت إلى كنيس “بارك أفينيو” للتحدث مع كوسغروف، والذي كان يتمتع بعينين باهتتين وهيئة تأملية، وبدا وكأنه في حالة من التفكير العميق. وعندما سألته عما إذا كان يعتقد أن المجتمع اليهودي الأمريكي اليوم يشاركه مشاعره تجاه الصهيونية وإسرائيل، صمت لما يقرب من ثلاثين ثانية، ثم قال أخيراً: “لست متأكداً”. وفي وقت لاحق، سلمني نسخة من كتاب “لمثل هذا الوقت”، وهو كتاب ألفه حول “الصحوة” اليهودية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وبدا أن فوز ممداني قد فاجأه وأزعجه، حيث قال: “بقدر ما أنا متأكد من أن هذين العامين الماضيين قد دفعا العديد من اليهود إلى التقرب أكثر من اليهودية وإسرائيل، فهناك أيضاً العديد من اليهود الذين دفعهم هذان العامان إلى النقيض تماماً”.

وكما أظهر انتخاب ممداني، فإن المجتمع اليهودي منقسم حول معاداة السامية والمخاوف المتعلقة بسلامة اليهود، بقدر انقسامه حول الصهيونية وإسرائيل؛ وهي قضايا أصبحت الآن مرتبطة ارتباطاً وثيقاً لا ينفصم.

وأشار دوف واكسمان، أستاذ العلوم السياسية ودراسات إسرائيل في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، إلى أنه “أصبح من المستحيل إجراء نقاش حول معاداة السامية دون التطرق إلى القضية الإسرائيلية الفلسطينية”. وفي عام 2016، نشر واكسمان كتاب “متاعب في القبيلة”، والذي يركز على الجدل المتزايد حول إسرائيل داخل المجتمع اليهودي الأمريكي، ويعمل الآن على دراسة حول الجدل المثير للانقسام بالقدر ذاته حول معاداة السامية.

وأخبرني واكسمان أنه قبل عقدين من الزمن، كان سلوك إسرائيل يؤثر في المقام الأول على حياة اليهود والفلسطينيين في الشرق الأوسط، أما اليوم، فإن ما يحدث في المنطقة يشكل بشكل عميق أمن وتصورات اليهود في الشتات. فمن ناحية، هناك من يُوصفون بـ “يهود الثامن من أكتوبر” الذين انشغلوا بالتأثير المتنامي لليسار المناهض للصهيونية في وقت أصبحت فيه الهجمات العنيفة على اليهود شائعة بشكل متزايد؛ ففي الربيع الماضي، في العاصمة واشنطن، قُتل اثنان من موظفي السفارة الإسرائيلية خارج “متحف العاصمة اليهودي”، وفي ولاية ميشيغان، اقتحم رجل مؤخراً كنيساً بشاحنة مليئة بالمتفجرات.

وعلى الجانب الآخر، كان هناك يهود يميلون إلى الشعور بقلق أكبر بكثير إزاء عودة ظهور معاداة السامية في اليمين، من أمثال تاكر كارلسون ونيك فوينتيس، والذين اعتقدوا أن تصرفات إسرائيل العدوانية مسؤولة جزئياً عن جعل اليهود غير آمنين. وكما أفادت بعض وسائل الإعلام، فإن المشتبه به في هجوم ميشيغان، وهو أمريكي من أصل لبناني يُدعى أيمن محمد غزالي، كان قد حضر مؤخراً حفل تأبين لأربعة من أفراد عائلته قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية في شرق لبنان (زعمت إسرائيل أن شقيق غزالي كان عضواً في حزب الله، وهو اتهام نفاه الحزب).

وقال واكسمان إن الجدل حول ممداني كان “نموذجًا مصغرًا للنقاش الأوسع”، متسائلًا: “هل ينبغي لنا أن نقلق بشأن الخطاب المناهض للصهيونية والعبارات من قبيل ‘عولمة الانتفاضة’، أم ينبغي لنا أن ننظر إلى ممداني كحليف لأن أشد ما نحتاج إليه هو تحالف في مواجهة القومية المسيحية الصاعدة واليمين المتطرف العنصري؟”.

وداخل تجمع كنيس “بيت إيل”، شعر العديد من الأعضاء في مجموعة “واتساب” النصية بالارتياح في البداية لأن كلا من الحاخامين أوليتسكي وماردر لم يوقعا على الرسالة المفتوحة التي تنتقد ممداني. ولكن، قبل أسبوع من يوم الانتخابات، قام أوليتسكي بالتوقيع عليها، وسرعان ما حذت ماردر حذوه. وبالنسبة لأعضاء مجموعة الدردشة، كان توقيعها بمثابة خيبة أمل خاصة، لأنه كان يُنظر إليها على أنها أكثر تعاطفاً مع مخاوفهم. ففي الخريف الماضي، وفي خطبة بمناسبة عيد رأس السنة العبرية (روش هاشانا)، أعلنت ماردر أن قلبها يعتصر ألماً “على الأبرياء الذين يعانون في غزة” و”على آلاف الفلسطينيين الذين لقوا حتفهم في هذه الحرب، والعديد من الذين يتضورون جوعاً ويعانون”. كما أقرت بوجود “اضطرابات داخل خيمتنا”، وقالت إن البقاء كـ “شعب واحد” (آم إيخاد) “يعتمد على قدرتنا على التسامح مع الآراء المتنوعة”.

لكن خيبة الأمل في ماردر لم تدم طويلاً؛ فبعد بضعة أيام من تأييدها للرسالة المفتوحة، سحبت اسمها منها. وعندما سألت أوليتسكي عما إذا كان بإمكاني التحدث مع ماردر، أبدى ممانعته، وأخبرني أنه من المهم أن تتحدث قيادة الكنيس “بصوت واحد” (رفضت ماردر إجراء مقابلة، لكنها أوضحت في رسالة بريد إلكتروني أنها لم تشعر “بالارتياح كزعيمة روحية في إرفاق اسمي بعريضة تؤيد أو تدين مرشحاً ما”).

في المقابل، لم يعرب أوليتسكي عن أي ندم لتوقيعه على الرسالة المفتوحة، مؤكداً التزامه بـ “فضح معاداة السامية والتصدي لها”، والتي لم يفرق بينها وبين معاداة الصهيونية. وبعد لقائنا، أرسل لي رابطاً لخطبة ألقاها وصف فيها سلسلة جرائم الكراهية التي تستهدف اليهود في أماكن مثل منطقة “ستاتن آيلاند”، حيث تعرض رجل يرتدي القلنسوة اليهودية (الكيباه) لاعتداء بمضرب معدني. وقال إن مثل هذه الحوادث جعلته يتساءل عما إذا كان ينبغي عليه تغطية رأسه بقبعة بيسبول أثناء رحلات القطار ليلاً، أو حتى أثناء المشي في حيه السكني.

في كنيس “بيت إيل” في شهر يناير/كانون الثاني، قادت ماردر نقاشاً حول معاداة الصهيونية في السياسة، وكان النقاش أقل إثارة للجدل بكثير من ذلك الذي جرى قبل عامين، خلال عيد نزول التوراة (شفوعوت). ومع تراجع حدة الغضب إزاء هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول وحرب غزة، أصبح تنظيم مثل هذه التجمعات أسهل، حسبما أخبرني العديد من أعضاء “بيت إيل”. وقال أحد أعضاء مجلس الإدارة: “لقد انخفضت حدة التوتر، نحن نعيش لحظة مختلفة. لقد قام الحاخامات بتيسير بعض الجلسات حيث تمكن الناس من إجراء حوارات غير مريحة ولكنها مثمرة”.

وعاد أوليتسكي وماردر مؤخرًا من جولة استماع في إسرائيل والضفة الغربية، نظمتها مجموعة “إنكاونتر” (مواجهة) غير الحزبية. وقد أحيت الرحلة الآمال لدى بعض الأعضاء في مجموعة “واتساب” بأن التعبير عن التعاطف تجاه الفلسطينيين سيصبح أكثر شيوعاً في “بيت إيل”، سواء من على منصة الكنيس (البيماه) أو في المراسلات العامة للكنيس. وبدأ بريد إلكتروني أرسله الحاخامات إلى الأعضاء بعد اندلاع حرب إيران بعبارة: “لقد صلينا ونواصل الصلاة من أجل سلامة أصدقائنا وعائلاتنا في إسرائيل”، لكنه مضى ليوسع النطاق ويشمل “الصلوات من أجل السلام والحرية، السلام للمنطقة بأسرها، لإسرائيل، وللفلسطينيين، ولإيران، ولجميع جيران إسرائيل”.

وعلى الرغم من انفتاح مساحة للحوار، إلا أن انعدام الثقة لم يتبدد تماماً. وجاء تذكير بهذا الأمر في أواخر شهر يناير/كانون الثاني، بعد أن أعلنت إسرائيل أنها استعادت رفات ران غفيلي، آخر محتجز متبقٍ في غزة. وبعد يوم واحد، أرسل أوليتسكي بريداً إلكترونياً لجميع أعضاء الكنيس يشاركهم فيه الأخبار، والتي، بعد ثمانمائة وثلاثة وأربعين يوماً “مليئة بالألم وعدم اليقين ووجع القلب”، مثلت “نهاية فترة الحداد هذه”.

شارك بعض أعضاء “بيت إيل” أوليتسكي شعوره بطي الصفحة والارتياح. لكن آخرين كانوا في حالة ذهنية مختلفة؛ حيث كتب أحد أعضاء مجموعة “واتساب” ردًا لاذعًا لأوليتسكي مجادلًا بأنه عندما يتحدث قادة كنيس بيت إيل “وكأن المجتمع موحد حول إطار أخلاقي واحد (خاصة بعد سنوات شعر فيها الكثيرون بأنهم غير مرئيين أو غير مسموعين أو يفتقرون للدعم)، فإن ذلك يخاطر بأن يصبح شكلًا من أشكال التلاعب النفسي. إنه يوحي بوجود إجماع في حين أنه لا يوجد أي إجماع”.

وكتبت مولي روداو، وهي عضوة أخرى في “بيت إيل”، رسالة مؤثرة إلى أوليتسكي تساءلت فيها: “كيف يمكننا إعلان ‘انتهاء’ حدادنا بينما لا يزال القتل مستمراً؟ ما الذي أوصلنا إلى مكان يمكننا فيه إعلان نهاية معاناة مجموعة بينما تستمر معاناة مجموعة أخرى، وكأن حياتنا وحياتهم توجد في مستويات أخلاقية منفصلة؟”.

وتضمن البريد الإلكتروني الذي أرسله أوليتسكي بعض الأخبار التي بدت سارة لهؤلاء الأعضاء في “بيت إيل”؛ فقد أعلن أنه بما أن المحتجزين قد عادوا إلى ديارهم، فسيتم إزالة لافتة “نقف مع إسرائيل”. وبعد يومين، وفي صباح شديد البرودة، تجمع العشرات من المصلين في بهو الكنيس، متدثرين بالقبعات والأوشحة، وتبعوا أوليتسكي إلى الخارج على طول ممر خرساني زلق بالجليد، وبعد تلاوة عدة صلوات، سار أوليتسكي بصعوبة عبر الثلج وقام بإنزال اللافتة.

وأُعجبت باير، التي حضرت المراسم، بالنبرة المتوازنة للإجراءات، والتي أرجعتها إلى طبيعة المناسبة الكئيبة وإلى الرسائل التي كتبها زملاؤها في مجموعة “واتساب”. وتأثرت بشكل خاص عندما تقدمت ماردر لقراءة “صلاة الأمهات”، وهي قصيدة اشتركت في كتابتها الحاخامة الإسرائيلية تمار إلعاد أبيلباوم، والشيخة الفلسطينية ابتسام محاميد. وقد بدأت القصيدة بعبارة: “لتكن مشيئتك أن تستمع لدعاء الأمهات.. لأنك لم تخلقنا لنقتل بعضنا البعض / ولا لنعيش في خوف أو غضب أو كراهية في عالمك”.

أما فيلدر، الذي كان حاضراً أيضاً، فكانت تنتابه مشاعر متباينة بشكل أكبر؛ فبينما كان يراقب أوليتسكي وهو ينزل اللافتة، شعر بالارتياح، لكنه شعر أيضاً بالإحباط إزاء تغيير قادم في “بيت إيل”؛ فقد قرر قادة الكنيس استبدال اللافتة الخارجية برمز جديد: العلم الإسرائيلي.

المصدر: نيويوركر

علاماتالحرب على غزة ، الصهيونية واليهودية ، اللوبي الصهيوني في أمريكا ، اللوبي اليهودي ، المجتمع اليهودي
مواضيعالحرب على غزة ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

لماذا ظهرت باكستان فجأة وسيطًا في حرب إيران؟

نون إنسايت١ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

كيف هزّت الحرب على إيران تماسك المعسكر الغربي؟

عماد عنان١ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

اللوبي السوري في أمريكا.. كيف تشكّل ومن يقوده داخل واشنطن؟

حسن إبراهيم١ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑