وسط دخان الحرب المندلعة بين إيران وكلا من الولايات المتحدة و”إسرائيل”، برزت باكستان فجأة كطرف يطرح نفسه وسيطًا بين المتحاربين خاصة مع وصول نيران هذه المواجهة إلى دول الخليج.
ولم تكن عُمان أو قطر أو دولة أوروبية هذه المرة في مقعد الوساطة، بل دولة جنوب آسيوية تملك حدودًا طويلة مع إيران وعلاقات أمنية مع الرياض وواشنطن، ولا تستضيف قواعد أمريكية.
ولذلك، يثير ظهور إسلام أباد في هذه اللحظة سؤالًا معقدًا: هل نحن أمام دور دبلوماسي عابر فرضته الحرب وانسداد القنوات التقليدية، أم محاولة باكستانية لإعادة تعريف موقعها بين طهران وواشنطن والخليج والبحر؟
لماذا باكستان الآن؟
لم يكن ظهور باكستان وسيطًا نتيجة صدفة بل حصيلة مجموعة من الظروف الخاصة.
أولًا، تشترك باكستان مع إيران في حدود برية طولها حوالي 900 كم ويعيش فيها أبناء قبائل بلوشية يتنقلون بين الجانبين.
ولذلك يهدد انهيار النظام الإيراني بتحويل هذه الحدود إلى مساحة غير محكومة، وهو ما حذرت منه إسلام أباد في يونيو/حزيران 2025 عندما اندلعت مواجهة الـ12 يوما بين طهران و”تل أبيب”.
فقد أبلغ قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الفوضى في إيران ستفتح المجال لما أسماه “الجماعات الانفصالية من البلوش” على الحدود لشن هجمات داخل باكستان، وهو ما جعلها ترى في التهدئة ضرورة قصوى.

ثانيًا، تتمتع باكستان بعلاقات متوازنة مع كل من أمريكا وإيران، فهي البلد الوحيد الذي يستضيف منذ 1979 قسمًا لرعاية المصالح الإيرانية في سفارتها بواشنطن، وبالتالي احتفظت بقناة قانونية لنقل الرسائل عندما انقطعت العلاقات الرسمية.
وعاد هذا الدور القديم بقوة بعد الحرب الجارية، فقد ذكرت رويترز أن المسؤولين الباكستانيين نقلوا بين الولايات المتحدة وإيران ما لا يقل عن ست رسائل خلال الأسابيع الأولى للصراع.
كما عززت حكومة شهباز شريف والجيش علاقاتها مع إدارة ترامب عبر لقاءات بالبيت الأبيض، مما وفّر لها نافذة مباشرة على دوائر القرار الأمريكي.
ثالثًا، باكستان ليست طرفًا في المواجهة العسكرية الحالي، فهي ترتبط باتفاق دفاع مع السعودية لكنها لا تستضيف قواعد أمريكية، بينما طالبتها واشنطن والرياض بتقديم تسهيلات لوجستية في الماضي لكنها رفضت إدخال قوات أجنبية إلى أراضيها.
ومن منظور طهران، هذا الحياد النسبي يمنح إسلام أباد مسافة أكبر من قطر أو عمان، اللتين تستضيفان قواعد أمريكية. كما أن باكستان لا تعترف بـ”إسرائيل” ما يسهل تواصلها مع طهران، وتمتلك أيضًا ثاني أكبر عدد من الشيعة بعد إيران، ما يجعلها أكثر حساسية تجاه تداعيات الحرب.
رابعًا، داخليًا يعاني الاقتصاد الباكستاني من هشاشة في مجال الطاقة، فمعظم إمدادات الوقود تمر عبر مضيق هرمز.
وعندما أغلقت إيران المضيق في بداية الحرب ارتفعت الأسعار وخرجت احتجاجات في المدن الباكستانية، ما دفع الحكومة إلى إغلاق المدارس لمدة أسبوعين وتقليص استهلاك الوقود في مؤسسات الدولة لمواجهة ارتفاع الأسعار وجعل إعادة فتح المضيق هدفًا ملحًا لإسلام أباد.
ماذا تريد إسلام أباد من الوساطة؟
يرفع المسؤولون الباكستانيون شعار “وقف الحرب” و”الحوار والدبلوماسية”، لكن النظر إلى مصالحهم الفعلية يكشف عدة دوافع مركبة:
1- منع امتداد الحرب إلى الداخل: التحذير من تحول الحدود مع إيران إلى منطقة خارجة عن السيطرة يبين أن الدافع الأمني حاضر بقوة.
إذ تخوض إسلام أباد بالفعل حربًا مع حركة طالبان الباكستانية وتشن غارات داخل أفغانستان، ولا تريد فتح جبهة جديدة مع جماعات بلوشية قد تتغذى على فوضى إيران.
2- حماية إمدادات الطاقة والتجارة: بعد إغلاق هرمز، طلبت إسلام أباد من السعودية تحويل جزء من إمدادات النفط عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر لأن معظم وارداتها كانت تمر بالمضيق، كما فرضت الحكومة إجراءات تقشف لإدارة أزمة الوقود.

لذلك، فإن الهدف العاجل للمسار الدبلوماسي الباكستاني يتمثل بإعادة فتح الممر البحري أو إيجاد ترتيبات بديلة تضمن تدفق النفط والسلع، وهو ما ظهر في المقترحات التي طرحتها باكستان مع تركيا ومصر والسعودية بشأن إنشاء تحالف لإدارة المضيق أو فرض رسوم مماثلة لقناة السويس.
3- تعزيز المكانة لدى واشنطن والخليج: يرى محللون أن إسلام أباد تسعى إلى استثمار الوساطة لتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة.
وأشار تقرير لمركز الدراسات الجديد للأمن الأمريكي (CNAS) إلى أن نجاح الوساطة سيُكسب باكستان “دفعة كبيرة” في علاقاتها مع إدارة ترامب بعد سنوات من الفتور.
كما يحاول الجيش الباكستاني إظهار نفسه شريكًا موثوقًا للسعودية وتركيا ومصر في منع اتساع الصراع. وقد يساعد هذا الدور باكستان في الحصول على دعم اقتصادي وسياسي من شركائها الخليجيين.
4- تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ لوجستي: هناك فرضية تقول إن إسلام أباد تريد استغلال اضطراب طرق الشحن لتقديم موانئها على بحر العرب بوصفها ممرًا بديلاً.
وبالفعل كشفت تقارير أن الجيش الباكستاني عرض على واشنطن في أكتوبر/تشرين الأول 2025 خطة لبناء ميناء جديد في مدينة بَسْنِي ببلوشستان يسمح للمستثمرين الأمريكيين بالوصول إلى المعادن الباكستانية.
وهي خطة تستثني إقامة قواعد عسكرية أمريكية وتهدف لربط الميناء بخطوط سكك حديدية نحو غرب باكستان.
ما أوراق القوة وحدود الوساطة؟
تعتمد قدرة باكستان للعب دور الوساطة على أوراق عدة، لكنها تواجه أيضًا حدودًا واضحة.
أوراق القوة
1- قنوات اتصال متنوعة: تستند إسلام أباد إلى شبكة اتصالات مفتوحة مع واشنطن وطهران.
فامتلاكها لعلاقات شخصية مع مسؤولين في البيت الأبيض – مثل المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجارد كوشنر صهر ترامب – واحتضانها للقسم الإيراني لرعاية المصالح في واشنطن يوفر لها قنوات مباشرة وتيح لها نقل الرسائل بين الأطراف بسرعة، وهو ما أقر به مسؤولون أمريكيون وإيرانيون.
2- ثقة نسبية مع الأطراف: لا تستضيف باكستان قواعد أمريكية وتلتزم خطًا حذرًا في علاقتها مع إيران، وقد سمحت طهران لعشرين سفينة ترفع العلم الباكستاني بعبور المضيق في نهاية مارس/آذار، في مؤشر على حسن النية.
في المقابل، ترتبط باكستان باتفاق دفاع مع السعودية وتملك علاقات وثيقة مع تركيا ومصر، ما يتيح لها جمع أطراف عربية وإسلامية حول طاولة واحدة.

ومع ذلك، هذه الثقة محدودة، فإيران تطالب بضمانات ضد الهجمات وبتعويضات وتصر على التحكم في المضيق، ما يعني أن أي تسوية يجب أن تمر عبر حسابات معقدة تتجاوز قدرة باكستان وحدها.
3- دعم صيني وتحالفات إقليمية: دعمت الصين المبادرة الباكستانية، إذ أصدرت مع إسلام أباد خطة من خمس نقاط تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار واحترام حرية الملاحة في مضيق هرمز.
هذا الدعم يعزز مكانة باكستان لكنه يربط الوساطة بمصالح بكين، التي تستثمر بكثافة في ميناء جوادر وممر الصين–باكستان. ولذلك أي تصعيد في إيران قد يهدد الاستثمارات الصينية، ما قد يدفع بكين إلى تحريك خيوطها في الكواليس.
أبرز التحديات
1- القدرة المحدودة على الضغط: لا تملك باكستان وسائل عسكرية أو اقتصادية تمكنها من فرض اتفاق على المتحاربين، فهي تعتمد اقتصاديًا على المساعدات الخليجية والصينية، وقوتها البحرية متواضعة. كما أن وجود جماعات مسلحة على حدودها يجعلها عرضة للاهتزاز إذا طال أمد الحرب.
وحتى المقترحات الخاصة بإدارة المضيق تحتاج موافقة القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وإيران والسعودية، لذا فإن دور إسلام أباد قد يبقى قناة خلفية لحين تبلور تسوية بين اللاعبين الكبار.
2- إطار زمني غير مضمون: هناك احتمال أن يكون الدور الباكستاني مؤقتًا نتج عن انسداد القنوات التقليدية فقط.
فقد استضافت باكستان اجتماعات ضمت تركيا ومصر والسعودية لبلورة مقترحات بشأن هرمز، لكنها لم تحصل على تأكيد رسمي من واشنطن أو طهران لحضور محادثات مباشرة.
في المقابل، تسعى دول أخرى كالعراق وعُمان للعودة إلى المسار الدبلوماسي إذا أتيح لها ذلك. وبالتالي قد يتلاشى الدور الباكستاني بمجرد إعادة فتح قنوات الوساطة المعتادة أو إذا تشددت مواقف إيران والولايات المتحدة.