أطلقت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع أبريل/نيسان 2026 موجة ارتباك غير مسبوقة داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو” بعد أن قال إنه “يبحث تمامًا” في خروج الولايات المتحدة من هذا التكتل بسبب رفضه إرسال سفن لفتح مضيق هرمز.
وتحدث ترامب عن “اشمئزازه” من الحلف ووصفه بـ”النمر الورقي”، وذلك بعد امتناع دوله والاتحاد الأوروبي عن الانخراط في الحرب ضد إيران ورفض السماح بهبوط وصعود المقاتلات الأمريكية من عدة دول أوروبية.
فهل نحن أمام غضب عابر سببه رفض الأوروبيين المشاركة في حرب خارج نطاق معاهدة الناتو، أم أمام لحظة تكشف هشاشة أعمق في العلاقة عبر الأطلسي؟ وماذا يجري لو انسحبت واشنطن من الناتو؟
ما حلف الناتو؟
نشأ حلف شمال الأطلسي عام 1949 كتحالف دفاعي بين أمريكا وكندا وأوروبا لردع السوفييت، وتوسع عبر السنوات ليضم اليوم 32 دولة.
تظهر الخريطة التفاعلية التالية الدول الأعضاء في الحلف، وتساعد على تصور الامتداد الجغرافي للناتو داخل أوروبا وأمريكا الشمالية.
ويقوم الحلف على مبدأ أن هجومًا على عضو واحد يُعد هجومًا على الجميع، لكن المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، وهي جوهر الناتو، لا تفرض استخدام القوة تلقائيًا، بل تلزم كل عضو بأن يتخذ “الإجراء الذي يراه ضروريًا” لمساعدة الدولة المعتدى عليها.
لم يُفعَّل هذا البند سوى مرة واحدة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وهو ينطبق جغرافيًا على منطقة شمال الأطلسي والأقاليم التابعة، ولا يغطّي عمليات هجومية خارجها.
وهذا التحديد يفسر لماذا لم يكن الحلف ملزمًا بدعم الحرب على إيران ولا بعمليات في مضيق هرمز، إذ يُعدُّ الناتو تحالفًا دفاعيًا في الفضاء الأوروبي الأطلسي، فهو ليس آلية تلقائية لأي حرب أمريكية.
ينص الميثاق على أن الدولة المعتدى عليها هي من تطلب تفعيل المادة الخامسة، وأن الرد يكون داخل المنطقة المحددة.
لذا لم تتجاوب الحكومات الأوروبية مع الدعوة الأمريكية لتأمين الممرات البحرية في الخليج لأن الحرب ليست دفاعية، ولأن واشنطن لم تفعّل المادة الخامسة ولا حتى طلبت دعمًا رسميًا من الناتو.
لماذا تبقى واشنطن العمود الفقري للناتو؟
لا يعود الثقل الأمريكي داخل الناتو إلى عامل واحد، بل إلى منظومة متكاملة تجعل واشنطن المرجع العسكري والسياسي الأهم في الحلف. ويمكن تلخيص هذا الثقل في خمس ركائز رئيسية:
1- الإنفاق والقدرات العسكرية
تحتل الولايات المتحدة موقع العمود الفقري لأنها تنفق ما يقرب من 60% من إجمالي الإنفاق الدفاعي للناتو.
وتشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام “SIPRI” إلى أن إنفاق أعضاء الناتو بلغ نحو 1.5 تريليون دولار في 2024، منها حوالي 997 مليار دولار من الولايات المتحدة مقابل 454 مليار دولار لأوروبا.
ينعكس هذا الفارق مباشرة على حجم القوات والأسلحة، إذ تدير واشنطن أكثر من نصف طائرات المقاتلة والهجوم الأرضي في الحلف، وتخصص للبحرية والقوات الاستراتيجية ميزانيات لا تقارن بما لدى الأوروبيين.
2- القيادة السياسية والعسكرية
منذ تأسيس الناتو، يتولى جنرال أمريكي منصب القائد الأعلى للقوات المتحالفة في أوروبا “SACEUR”، وهو موقع يختصر مركزية واشنطن في التخطيط والقيادة.
فالولايات المتحدة تمثل المرجع النهائي في إدارة الأزمات، ولها القول الفصل في التعزيزات واستراتيجية الردع، كما يحظى الأمريكيون بأغلبية في القيادة العسكرية المشتركة، ويقودون معظم المهام الحساسة مثل الحرب الإلكترونية والدفاع الصاروخي الباليستي.
3- الردع النووي
يعتمد الأمن الأوروبي في جوهره على المظلة النووية الأمريكية، إذ تحتفظ واشنطن بأسلحة نووية في قواعد بألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وتركيا، وتملك آلاف الرؤوس النووية، بينما تملك فرنسا نحو 290 رأسًا نوويًا، وتعتمد بريطانيا في صواريخ “ترايدنت” على تكنولوجيا أمريكية.
وهذا يعني أن الردع النووي داخل الحلف ليس مجرد قدرة غربية عامة، بل بنية تقودها واشنطن وتمنحها المصداقية الاستراتيجية.
4- الاستخبارات والإنذار والمراقبة
توفر الولايات المتحدة معظم قدرات الرصد والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع “ISR” داخل الحلف.
وتذكر دراسة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية “IISS” أن أوروبا تملك ثلاث طائرات كبيرة لجمع الإشارات “SIGINT” فقط، مقارنة بـ17 لدى سلاح الجو الأمريكي، وأن واشنطن هي المزود الوحيد لمنصات “درون” خفية وقدرات حرب إلكترونية متقدمة.
كما يشير تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS” إلى أن أوروبا تملك بضع عشرات من الطائرات المخصصة للاستطلاع مقابل نحو 150 للولايات المتحدة، وتفتقر إلى الصواريخ المضادة للرادارات اللازمة لقمع الدفاعات الجوية المعادية.
5- النقل الاستراتيجي والتمركز اللوجستي
تعتمد الجيوش الأوروبية على طائرات النقل الثقيلة الأمريكية لتوزيع القوات، وعلى طائرات التزويد بالوقود في الجو، إذ تمتلك واشنطن الجزء الأكبر من أسطول التزويد التابع للناتو.
كما تنتشر قوات أمريكية قوامها عشرات الآلاف في ألمانيا وإيطاليا وبولندا وتركيا، وتشكل البنية التحتية لهذه القواعد العمود الفقري لأي انتشار سريع أو إعادة تموضع على الجناح الشرقي أو الجنوبي.
وإلى جانب الولايات المتحدة، تبرز بريطانيا وفرنسا باعتبارهما الأكثر قدرة بفضل ترسانتيهما النوويتين وصناعة دفاع متطورة، فيما تسهم ألمانيا بميزانية ضخمة وقوة بشرية كبيرة رغم محدودية خبرتها القتالية، وتعد بولندا حجر الزاوية في الجناح الشرقي عبر استضافة قوات وأسلحة أمريكية.
كما تلعب إيطاليا وإسبانيا وكندا أدوارًا لوجستية وتدريبية مهمة، بينما تمنح تركيا الحلف موقعًا جغرافيًا حساسًا يفتح ممرًا نحو البحر الأسود والشرق الأوسط. لكن هذه الدول، على تفاوت أدوارها، تعمل داخل بنية ما تزال أمريكية في تمويلها وقيادتها وقدراتها العليا.
إذا اهتز العمود الأمريكي.. أين يضعف الحلف؟
إذا انسحبت واشنطن من الناتو أو خفّضت التزامها بصورة كبيرة، فلن تكون المشكلة في غياب عضو كبير فقط، بل في اهتزاز البنية التي تجعل الحلف قادرًا على الردع والتحرك السريع. وعندها سيظهر الضعف في أربع دوائر رئيسية:
1- الردع والجناح الشرقي
أول ما سيتأثر هو الردع في مواجهة روسيا، ولا سيما في بولندا ورومانيا ودول البلطيق. فالجناح الشرقي يعتمد على القوات والقواعد والضمانات الأمريكية أكثر من اعتماده على أي قوة أوروبية أخرى.
ومن دون المظلة الأمريكية، سيتقلص الردع النووي إلى الترسانة الفرنسية المحدودة وإلى الردع البريطاني المرتبط تقنيًا بالولايات المتحدة.
ولهذا يؤكد تقرير “CSIS” أن القوات الفرنسية والبريطانية لا تشكل “حلًا قابلًا للحياة” إذا انسحبت الولايات المتحدة، كما أن توسيع الترسانة الفرنسية بمئة رأس نووي إضافي يحتاج عقدًا كاملًا، ما يعني أن أي بديل أوروبي سيظل بطيئًا ومكلفًا ومحل خلاف سياسي.
2- القيادة والسيطرة وإدارة العمليات
الفراغ هنا لا يكون سياسيًا فقط بل عملياتيًا أيضًا، فالقادة الأمريكيون لا يشغلون مناصب عليا رمزية، بل يقودون نظام القيادة والسيطرة “C4ISR” ويؤمنون إدارة العمليات والتعزيزات والتنسيق في الأزمات.
لذلك فإن أي تراجع أمريكي سيخلق فجوة فورية في التخطيط والتنفيذ وإدارة الأزمات، خصوصًا في الحروب السريعة أو في سيناريوهات الردع التصاعدي على حدود روسيا.
3- النقل والتموين والاستخبارات
يرجح أن تواجه أوروبا فجوة عملية في أكثر الأدوات حساسية: تحريك القوات، وتزويدها بالوقود، وتأمين الإنذار المبكر، والحصول على صورة استخباراتية متكاملة لساحة المعركة.
فالاعتماد على الولايات المتحدة لا يقتصر على السلاح الثقيل، بل يشمل أيضًا الأقمار الاصطناعية، والطائرات العملاقة، والطائرات الموجهة، ومنصات الحرب الإلكترونية، وأدوات قمع الدفاعات الجوية.
وهذا يعني أن المشكلة في أي انسحاب أمريكي لن تكون فقط نقصًا في عدد الجنود أو الطائرات، بل نقصًا في “العصب” الذي يجعل القوة الأوروبية قابلة للاستخدام السريع والفعال.
4- الفجوة الصناعية والسياسية الأوروبية
صحيح أن أوروبا بدأت منذ سنوات البحث عن “ركيزة أوروبية” داخل الناتو، وتشير تقارير عن مؤتمر ميونخ الأمني إلى اتفاق بريطانيا وفرنسا وألمانيا على تعزيز هذه الركيزة، كما تحدث المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن بدء محادثات مع إيمانويل ماكرون حول “ردع نووي أوروبي”.
لكن هذه الطموحات تصطدم بعقبات واضحة: مشاريع صناعة السلاح الأوروبية تعاني من خلافات وتأخير، وكثير من الدول يعتمد على شراء معدات أمريكية جاهزة مثل مقاتلات “F-35” وصواريخ “باتريوت” والذخائر، كما يعتمد على التكنولوجيا الأمريكية في الصواريخ البحرية والجوية.
ولذلك يحذر خبراء “CSIS” و”IISS” من أن سد فجوة النقل والاستطلاع قد يستغرق عقدًا أو أكثر، وأن الإنتاج الأوروبي من الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي ما يزال غير كافٍ لتحمل عبء الردع وحده.
ومن هنا، فإن أي تراجع أمريكي واسع قد يدفع الحلف في اتجاهين متعاكسين.
الأول، أن تتسارع جهود أوروبا لبناء قدراتها على نحو يخلق “ناتو أوروبيًا” أقوى داخل التحالف.
والثاني، أن يبقى الحلف قائمًا شكليًا لكنه أضعف سياسيًا وردعيًا، مع بقاء البنية العسكرية الأمريكية حاضرة بصورة مشروطة أو مترددة، فيما يحاول الأوروبيون تنويع شراكاتهم والبحث عن صيغ اعتماد متبادل مع قوى قريبة مثل كندا واليابان.
وفي الحالتين، لا يكشف تهديد ترامب مجرد خلاف سياسي عابر، بل يكشف أن تماسك الناتو قائم، في النهاية، على الثقة في استمرار الدور الأمريكي بقدر ما هو قائم على النصوص والمعاهدات.