رغم مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حلفاءه الأوروبيين بالمشاركة في الحرب ضد إيران أو على الأقل توفير قواعد وممرات جوية، فإن معظم العواصم الأوروبية أعلنت أنها “ليست حربنا”، رافضة طلب واشنطن ومكتفية بإدانة العنف ودعوات التهدئة.
لم تكن مواقف برلين وباريس ومدريد ولندن استثناءات فردية، بل جزءًا من نمط متكرر، إذ عبَّر قادة كثيرون عن عدم فهمهم لأهداف الحرب وعدم مشاورتهم فيها، بينما وصف ترامب قادة تلك الدول بأنهم “جبناء”.
لكن برودة الموقف الأوروبي لا تفسَّر بتردد عابر أو حسابات شعبوية فحسب، إذ أن إحجامهم عن الانخراط في حرب إيران يعكس شبكة معقدة من الأسباب البنيوية القانونية والعسكرية والاقتصادية والسياسية التي تجعل المشاركة فيها خيارًا مكلفًا وغير ضروري بالنسبة لأوروبا.
هذا التقرير يقسِّم هذه الأسباب إلى أربع 4 تصنيفات تفسيرية تُظهر لماذا كان الامتناع الأوروبي هو النتيجة الأكثر منطقية.
أسباب قانونية ومؤسسة
حدود المادة الخامسة ونطاق الحلف
الناتو حلف دفاع جماعي يلتزم أعضاؤه بموجب المادة الخامسة من معاهدة واشنطن أن يُعامِلوا أي “هجوم مسلح على عضو واحد في أوروبا أو أمريكا الشمالية” على أنه هجوم على الجميع وأن يقدِّم كل عضو “المساعدة اللازمة” بما يتوافق مع مواده الدستورية، وليس بالضرورة نشر قوات.
وتحدد المادة السادسة النطاق الجغرافي لالتزامات الدفاع في مناطق أوروبا وشمال الأطلسي، وهي لا تشمل عمليات هجومية أو حربًا ضد دولة في الشرق الأوسط.
لذلك فإن إطلاق واشنطن حربًا على إيران لا يفعِّل تلقائيًا المادة الخامسة، ولا يلزم الحلفاء بالمشاركة فيها.
وأوضح الأمين العام للناتو مارك روته بعد سقوط صاروخ إيراني على تركيا أن الحلف لم يبحث إطلاق المادة الخامسة، مما يبرز عدم توفر الأساس القانوني للتدخل الجماعي.
سيادة الدول واستعمال القواعد
بالإضافة إلى قيود المعاهدة، تحكم استخدام القواعد والأجواء الأوروبية اتفاقات ثنائية واشتراطات برلمانية.
فقد أغلقت إسبانيا أجواءها أمام الطائرات الأمريكية المتجهة لقصف إيران، وأكدت أنها لن تسمح باستخدام قواعدها المشتركة إلا “للدفاع الجماعي عن حلفاء الناتو” ووفقًا للقانون الدولي.
ورفضت إيطاليا بدورها هبوط طائرات أمريكية في قاعدة سيغونيلا الجوية بجزيرة صقلية دون إذن مسبق، مؤكدة أن أي استخدام يتطلب موافقة خاصة وتقييمًا لكل حالة.
وتنبع هذه القرارات من اعتبارات سيادية ودستورية، فالمادة 11 من معاهدة الناتو تعطي الدول حرية تحديد شكل المساعدة بما يتوافق مع نظمها الدستورية، ما يعني أن البرلمان أو القضاء الوطني قد يقيد مشاركة الحكومة في حرب غير دفاعية.
كذلك، فإن بعض الدول مثل فرنسا رفضت حتى عبور شحنات الأسلحة الأمريكية إلى “إسرائيل” عبر أجوائها، ما يعكس استقلالية القرار الأمني.
فرق بين الدفاع والعمليات الهجومية
أُنشئ الناتو لردع التهديدات المباشرة لتراب الدول الأعضاء، وتبقى أغلب موارده وأنظمته موجهة لصد اعتداء روسي محتمل.
لذا يميِّز الحلفاء بين “حرب دفاع جماعي” يفرضها هجوم مباشر على عضو، وبين “حرب هجومية” تخوضها الولايات المتحدة خارج نطاق الحلف.
وعندما طلبت واشنطن من الدول إرسال سفن لحماية مضيق هرمز و”فتح” الممر الملاحي، أجمع الأوروبيون على أن ذلك يتجاوز تفويض الناتو. فالقانون الدولي يمنح الدول الأوروبية حق عدم الانضمام إلى عمليات هجومية قد تُعتبر غير شرعية.
ووصف الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الحرب بأنها “خطأ كارثي” وانتهاك للقانون الدولي. وبالتالي فالفصل بين الدفاع والهجوم عامل أساسي يقيِّد التعاون مع واشنطن.
أسباب عسكرية وأمنية
أولويات الأمن الأوروبي وقدراته
ترى أوروبا أن مصلحتها الأمنية المباشرة تتعلق بردع روسيا وحماية الجبهة الشرقية أكثر من خوض حرب في منطقة الخليج. وتخشى النخب العسكرية الأوروبية من فتح جبهة بعيدة تستهلك القدرات التي تُخصص لأوكرانيا والدفاع الوطني.
ويذكر تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) أن الحكومات الأوروبية ابتعدت عن الحملة ضد إيران ودعت إلى العودة للدبلوماسية، كما يعتبرون الحرب مثالًا على عدم قابلية توقع إدارة ترامب.
ووفق التقرير نفسه، تكتفي الدول الأوروبية بدعم دفاعي أو لوجستي محدود، مثل السماح باستخدام بعض القواعد لضرب منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، لكنها ترفض المشاركة الهجومية.
استنزاف مخزونات الدفاع
تستنزف الحرب على إيران كمية ضخمة من صواريخ الاعتراض والدفاع الجوي الأمريكية التي كانت أصلا في نقص حاد، وفق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).
وخلال حرب يونيو/حزيران 2025، أطلقت الولايات المتحدة على إيران نحو 150 صاروخ ثاد، أي ربع ما لدى وزارة الحرب “البنتاغون”، ويُقدر أن 20%-50% من مخزون هذه المنظومات قد استُهلك.
وقد أدى استئناف الحرب إلى نزف مخزون صواريخ PAC‑3 وSM‑3، مما دفع الولايات المتحدة لتحويل بطاريات دفاعية من مسارح أخرى.
وبدورها تعتمد أوروبا بشدة على هذه الأنظمة لحماية مدنها وقواتها ولتزويد أوكرانيا، ولذلك فإن نقص المخزون يهدد قدرة أوروبا على الدفاع ضد روسيا ويجعل فتح جبهة أخرى مخاطرة كبيرة.
لذلك دعت مؤسسات أمنية إلى برنامج عاجل لزيادة إنتاج صواريخ أوروبية مثل SAMP/T وNASAMS لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
خطر التصعيد الإقليمي
يفتح الدخول في حرب مفتوحة مع إيران الباب لاحتمال توسع النزاع إلى استهداف القواعد والسفن الأوروبية في الشرق الأوسط أو البحر الأبيض المتوسط.
وحذرت وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في إنفاذ القانون “يوروبول” من أن الصراع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى “انعكاسات فورية” على الأمن الأوروبي، إذ يمكن لجماعات مرتبطة بإيران تنفيذ هجمات أو عمليات سيبرانية داخل التكتل.
كما يخشى الأوروبيون من ردود غير متماثلة مثل استهداف مصالحهم التجارية أو النفطية أو تحريك وكلاء في سوريا والعراق ولبنان، وهو خطر أمني يجعل التحالفات الأوروبية تميل إلى دعم حرية الملاحة وحماية السفن التجارية عبر عمليات متعددة الجنسيات بدل الانخراط في مواجهة مباشرة.
واقترحت فرنسا، بالتنسيق مع دول آسيوية وخليجية، إنشاء تحالف لحماية الملاحة في مضيق هرمز بعيدًا عن قيادة أمريكية.
أسباب اقتصادية وطاقية
صدمة الطاقة والتضخم
تسببت الحرب بإغلاق مضيق هرمز بشكل جزئي ورفع أسعار النفط والغاز بشكل حاد، إذ يمر عبر المضيق حوالي 20% من النفط العالمي.
ويوضح تقرير لـ”رويترز” أن أسعار الغاز الأوروبية ارتفعت بأكثر من 70% منذ بدء الحرب، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في إجراءات أزمة 2022 مثل سقف أسعار الغاز وضرائب الأرباح الفائضة.
وحذر مسؤول الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنسن من أن الأزمة ستستمر حتى لو تحقق وقف إطلاق نار بسبب تدمير البنية التحتية، ودعا الدول إلى تأجيل صيانة المصافي للحفاظ على إمدادات وقود الطائرات والديزل.
ويعتمد الاتحاد الأوروبي على الشرق الأوسط لتوفير نحو 15% من وقوده النفاث، وقد أشار خبراء إلى إمكانية حدوث نقص محلي أو ارتفاع شديد في الأسعار.
تأتي هذه الصدمة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأوروبي من تباطؤ، فقد حذر المحللون في المفوضية الأوروبية من أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يخفض النمو ما بين 0.4 و0.6 نقطة مئوية ويرفع التضخم بنحو نقطة مئوية، مما يهدد بعودة الركود التضخمي.
وفي ألمانيا ارتفع معدل التضخم إلى 2.7% نتيجة ارتفاع ثمن الوقود، فيما يتوقع اقتصاديون أن يدفع ذلك الأسعار نحو الارتفاع في مختلف القطاعات، وهي مخاوف تجعل الحكومات حذرة من الانجرار إلى حرب تزيد تكلفة الطاقة وتُثقل الموازنات بالدعم.
هشاشة التحول الطاقي
على الرغم من توسع الطاقة المتجددة، لا تزال أوروبا تستورد الغاز والنفط بكثافة. ويشير تحليل لرويترز إلى أن أسعار الغاز ارتفعت بأكثر من 60% وأن التراجع في الإمدادات دفع الحكومات إلى تأجيل بعض سياسات المناخ واستمرار الاعتماد على الغاز المسال الأمريكي.
كما أن بعض الدول قد تضطر لتخفيف القيود البيئية أو إعفاءات ضريبية لتخفيف العبء على المستهلكين. وثمة تخوف من نقص الكيروسين والديزل في قطاع الطيران والمواصلات، ما يعرقل التجارة والسياحة ويضيف ضغطًا على سلاسل التوريد.
أمام هذا الوضع، يفضل صانعو القرار الأوروبيون البقاء خارج الحرب لتجنب زيادة الأسعار وإطالة أمد الأزمة، مع التركيز على تنويع مصادر الطاقة وتسريع الانتقال إلى الكهرباء والطاقات المتجددة كما أوصى تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
أسباب سياسية وداخلية وتحالفية
الرأي العام والانقسامات الداخلية
تُبدي المجتمعات الأوروبية معارضة واضحة للحرب:
- استطلاع YouGov في بريطانيا أظهر أن 49% من البريطانيين يعارضون الحرب على إيران مقابل 28% مؤيدين.
- في إسبانيا، عبَّر 68% من المواطنين عن رفضهم للحرب.
- أظهر استطلاع ARD DeutschlandTrend أن 58% من الألمان يعارضون الحرب.
هذه الأرقام، إضافة إلى ذكريات وآثار التدخلات في العراق وليبيا وأفغانستان، تجعل البرلمانات والأحزاب مترددة.
حتى أن بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة التي كانت تدعم ترامب غيرت موقفها وانتقدته، كما قال زعيم حزب البديل لألمانيا إن الرئيس الأمريكي سينتهي “كرئيس حرب”. وبذلك يخشى السياسيون الأوروبيون من خسارة الناخبين إن جروا بلدانهم إلى حرب غير شعبية.
مخاوف التبعية وسياسة القوة
ترفض الحكومات الأوروبية أن تبدو تابعة لقرار أمريكي أو إسرائيلي لا تملك السيطرة عليه. وقالت ماريا خيسوس مونتيرو نائب رئيس الوزراء الإسباني إن بلادها لن تكون “تحت وصاية أحد” وستدافع عن قيمها رغم تهديدات ترامب التجارية.
وبدورها، تحاول ألمانيا وفرنسا وبريطانيا الموازنة بين الحفاظ على التحالف مع واشنطن وبين استقلالية القرار، وتؤكد أن إدارة ترامب لم تشاورها ولم تعرض خطة واضحة للحرب.
كما أن وجود تباين في الرؤى بشأن تغيير النظام الإيراني يزيد من هواجس الأوروبيين حول الأهداف الحقيقية للحرب.
وفي ضوء هذه العوامل، فإن بقاء الحلفاء الغربيين على الحياد بدا بالنسبة لهم الخيار الأكثر عقلانية لحماية مصالحهم واستقرارهم، مع مواصلة دعم عمليات الدفاع الجماعي التي لا تحوِّل الناتو إلى أداة للحروب الهجومية.