تحضر الخلافات بشكل واضح في أوساط المنظمات والفاعلين الذين يشكلون اللوبي السوري في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتراوح بين تباين في استراتيجيات ومقاربات العمل، وتنافس على إبراز الأدوار أو نسب الفضل في بعض القضايا، وأحيانًا تتطور إلى انتقادات واتهامات حادّة في ملفات حساسة.
لا تقتصر الخلافات على قضية واحدة، إنما تظهر ملامحها خلال العمل على كل ملف، منها مثلًا مشروع قانون مناهضة التطبيع مع نظام بشار الأسد لعام 2023، حيث أُثير في الإعلام أن أربع منظمات إغاثية سورية أمريكية حاولت عرقلة إقراره، خوفًا من أن يؤثر سلبًا على العمل الإغاثي. في المقابل، اعتبرها سياسيون مجرد “مخاوف” وتحفظات أكثر من خلافات جوهرية، على اعتبار أن العمل على أي قانون يتطلب تعديلات ونقاشات قبل إقراره.
وخلال العمل على رفع عقوبات “قانون قيصر” بعد سقوط نظام الأسد، وُجهت اتهامات لبعض الشخصيات والمنظمات بمحاولة إطالة عمر العقوبات لأسباب شخصية أو مالية، رغم أن إزالتها تتطلب موافقة الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ. ومع تزايد النقاش حول رفع العقوبات أو تمديدها أو وضع شروط لإلغائها، ظهرت اتهامات لشخصيات بالمبالغة والتضخيم في تصوير عقبات إزالتها، بينما اعتبر آخرون أن هذه العقبات هي واقع يجب التعامل معه بحذر وعقلانية، إلى جانب بعض المحاولات لإظهار الذات أو تعزيز الظهور الشخصي كعامل مؤثر في أي ملف.
لا تخرج هذه الخلافات عن السياق العام لعمل جماعات الضغط في أمريكا، إذ يشكل التباين في المقاربات والتنافس على التأثير والتمثيل جزءًا من ديناميكيات هذا النوع من العمل، منها مثلًا حالة المجتمع الكوبي الأمريكي الذي شهد تباينًا بين تيار تقليدي يدعم الإبقاء على الحظر الاقتصادي الكامل على كوبا كوسيلة للضغط السياسي، وآخر من أجيال أحدث فضّل تخفيف القيود وفتح قنوات السفر والتبادل الاقتصادي، معتبرًا أن الانخراط قد يكون أكثر فاعلية من العزلة.
في هذا التقرير، نستعرض مع رؤساء منظمات ومؤسسات ومطلعين على العمل السياسي في الولايات المتحدة أسباب الخلافات داخل اللوبي السوري وتفسيرها ضمن إطار العمل السياسي، إضافة إلى انعكاسها على نشاط اللوبي وأدائه في التأثير على القرار الأمريكي.
أربعة أسباب.. لا خلافات جذرية
يعد اللوبي السوري تجربة حديثة النشأة تنامت عقب انطلاق الثورة السورية، رغم وجود المجلس السوري الأمريكي منذ عام 2005، ولا يُعتبر اللوبي السوري جسمًا واحدًا، إنما شبكة من مؤسسات وفاعلين تتعدد أدوارهم ضمن مساحة تتقاطع فيها الملفات السياسية والإنسانية والحقوقية، وتواصل جهودها بعد سقوط نظام الأسد ودخول سوريا مرحلة انتقالية.
يرى الطبيب زاهر سحلول، رئيس منظمة “ميد غلوبال” الإنسانية والمطّلع على طبيعة العمل السياسي في واشنطن، أن الخلافات بين الفاعلين السوريين في الولايات المتحدة تعكس في جزء منها تنوع المشهد السوري بكل تعقيداته السياسية والاجتماعية والمناطقية.
وفي حديثه لـ”نون بوست”، يرجع الطبيب الخلافات إلى أربعة أسباب، هي:
أولًا، غياب رؤية موحدة للمرحلة الانتقالية ولمستقبل سوريا، مما يجعل كل فاعل أو منظمة تتبنى خطابًا يستند إلى مرجعية سياسية أو معارضة مختلفة.
ثانيًا، التنافس على الموارد المحدودة، سواء من خلال التمويل أو الوصول إلى صناع القرار، وهذا التنافس يتحول أحيانًا إلى صراع على الشرعية والتمثيل.
ثالثًا، الشخصنة، وهي ظاهرة موجودة عند بعض السوريين (كما هي موجودة لدى غيرهم)، حيث يسعى البعض إلى جذب الأضواء لأنفسهم لتحقيق أهداف شخصية، مع محاولة تحطيم الآخرين وتقليل دورهم، مما يحوّل العمل الجماعي إلى صراعات فردية تضرّ بالقضية.
رابعًا، غياب مؤسسات جامعة تعبّر عن الجالية السورية الأمريكية بشكل حقيقي وشفاف، إذا لا تزال معظم المبادرات فردية أو مرتبطة بشخصيات بعينها، مما يجعل العمل هشًا وقابلًا للانقسام.
ويقول سحلول إن الخلاف بحد ذاته ليس مشكلة إذا تمت إدارته ضمن إطار مؤسسي يحافظ على المصالح العليا للقضية السورية، لكن المشكلة عندما يصبح الخلاف شخصيًا أو إعلاميًا، فتضيع القضية وسط الصراعات.
من جانبه، لا يعتقد ياسر تبارة، رئيس التطوير الاستراتيجي في المنتدى السوري، وجود اختلاف جذري بالرؤى عند معظم الفاعلين السوريين في واشنطن، فالغالبية تسعى لتسريع الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سوريا من خلال تثبيت دعم واشنطن لهذه الملفات.
ويقول تبارة لـ”نون بوست” إن الخلافات معظمها ذات طابع شخصي تنافسي، خاصة وأن طبيعة نتائج عمل المناصرة بشكل عام غير ملموسة مباشرة، مما يصعب تجيير النجاح لشخص معيّن أو مؤسسة واحدة.
“التمويل أصل التنافس”
يُطرح التمويل كأحد أسباب التنافس والخلاف بين المنظمات السورية الأمريكية، إذ يشكّل الأداة التشغيلية الأساسية للّوبي وسبب استمرار تأثيره وفاعليته، خاصة مع اعتماد المؤسسات على مصدر أساسي هو التبرعات.
يقول طبيب سوري أمريكي، رغب بعدم مشاركة اسمه، إن أبرز أسباب الخلافات تكمن في وجود تنافس “غير شريف” ومحاولات بعض الأشخاص للاستحواذ على الأضواء على حساب الجهد الجماعي، والسعي أحيانًا لمكاسب شخصية.
ويضيف لـ”نون بوست” أن “المزاعم” حول ضرورة دفع عشرات آلاف الدولارات لإجراء مقابلات مع أعضاء مجلس الشيوخ أو الرئيس لم تكن دقيقة دائمًا، وفتحت الباب للبعض من أجل الاستغلال، مشيرًا إلى أن اختلاف المقاربات وطريقة العمل أمر طبيعي، وأن معظم الفاعلين يجمعهم حب الوطن والتزامهم بالقضية السورية.
من جانبها، ذكرت ميساء قباني، نائبة رئيس منظمة “غلوبال جستس”، أن التنافس بين المنظمات السورية الأمريكية التي تُشكل اللوبي كان على التبرعات، حيث سعى كل طرف لإظهار نشاطه وتشكيل صورة تأثير أمام المتبرعين، وظهرت حالة مشاركة ونشر الصور مع شخصيات أمريكية وغيرها من “الادعاءات” حسب وصفها.
وقالت إن بعض المنظمات كان لديها مصلحة في عرقلة إلغاء قانون قيصر لأسباب مالية، إذ قد تتأثر الموارد المخصصة لديها لتغطية تكاليف الموظفين والمكاتب في واشنطن، والتي تصل إلى نحو 150 ألف دولار شهريًا، في حال رفع العقوبات (بمعنى فقدان المنظمة ملفًا تعمل عليه).
أما معاذ مصطفى، المدير التنفيذي للمنظمة السورية للطوارئ (SETF)، فيوضح لـ”نون بوست” أن المنظمة تبتعد عن الخلافات بين المنظمات السورية الأمريكية الأخرى وتعمل باستقلالية، مشيرًا إلى أن (SETF) تعد منظمة أمريكية تدعم الثورة والشعب السوري، وليست منظمة سورية أمريكية فحسب، وأن غالبية فريق العمل ومجلس الإدارة من غير السوريين، فهو فلسطيني سوري على سبيل المثال، ومعظم الكادر في الولايات المتحدة باستثناء شخصين سوريين.
وعن سبب الخلافات بين تلك المؤسسات، يرى مصطفى أن كل المنظمات تعتمد على نفس المتبرعين السوريين الأمريكيين للتمويل، لذلك تتنافس غالبية الوقت على نفس الإنجازات وعلى دعم نفس العائلات والجالية لإثبات تفوق منظمة على غيرها، مشيرًا إلى أن دعم المنظمة السورية للطوارئ يأتي من مجموعات مختلفة، ما يبعدها عن المنافسة في هذا الشأن، ويسمح لها بالتركيز على العمل أكثر من الترويج.
“خلافات طبيعية تعكس تنّوع المجتمع”
يرى رئيس “المجلس السوري الأمريكي”، فاروق بلال، أن الخلافات بين المنظمات والناشطين أمر طبيعي في أي مجتمع مدني نشط، خاصة في مجتمعات الشتات التي تضم تجارب وخلفيات ووجهات نظر متنوعة، حيث لا تُعد الجالية السورية الأمريكية استثناءً في هذا السياق، معتبرًا أن هذه الاختلافات تعكس غالبًا تنوع الآراء داخل المجتمع السوري أكثر مما تعكس انقسامًا حقيقيًا حول الأهداف الأساسية.
ويشير بلال في حديثه لـ”نون بوست” إلى أن المنظمات غير الحكومية في الولايات المتحدة تعمل ضمن أطر قانونية تحدد طبيعة دور كل منظمة، فبعضها مسموح له بالانخراط في المناصرة السياسية، بينما تقتصر منظمات أخرى، مثل المنظمات الإنسانية أو الخيرية، على العمل الإغاثي ولا يمكنها المشاركة في بعض الأنشطة السياسية. ولذلك، فإن العمل المتعلق بسوريا في واشنطن يتطلب عادةً تنسيقًا بين عدة منظمات، لكل منها دور مكمل للآخر.
وانطلاقًا من هذه الحاجة إلى التنسيق، يقول إن المجلس السوري الأمريكي عمل مع شركائه في عام 2020 على تأسيس التحالف الأمريكي من أجل سوريا، الذي يجمع عددًا كبيرًا من المنظمات السورية والسورية الأمريكية تحت مظلة واحدة لتعزيز التعاون والعمل المشترك في مجال المناصرة.
ورغم وجود اختلافات أحيانًا في بعض المقاربات السياسية، يوضح بلال أن مستوى التنسيق والتعاون بين المنظمات يبقى قويًا، وقد ظهر ذلك بوضوح في الجهود المشتركة التي نُفذت في واشنطن خلال عام 2025، حيث كانت المبادرات مدعومة ومنظمة من قبل عدة مؤسسات تعمل معًا لتحقيق أهداف مشتركة.
وختم رئيس “المجلس السوري الأمريكي” حديثه بأن هذه النقاشات تعكس حيوية المجتمع السوري في المهجر، ولا تضعف جهود المناصرة، إنما تعززها.
من جانبه، يؤكد المهندس محمد الزعبي، عضو مجلس إدارة منظمة “مواطنون لأجل أمريكا آمنة”، أن الصورة داخل المؤسسات التي تشكّل “اللوبي السوري” ليست مثالية، وأن هناك حالة من التنافس تضعف دورها، معربًا عن أمله في توحيد الجهود مستقبلًا، خاصة بعد سقوط نظام الأسد وفتح السفارة السورية، بما يتيح التقاء الجهود ضمن مؤسسة أو مؤسستين للعمل بطابع أكثر احترافية.
ويقول الزعبي لـ”نون بوست” إن اللوبي السوري في أمريكا لا يزال في بدايته، ويحتاج إلى مزيد من العمل والجهد والموارد ليصل إلى مستوى مؤثر وفاعل، مشيرًا إلى أن الدور الأساسي للمؤسسات السياسية السورية حتى الآن يتمثل في إبقاء صوت الثورة السورية والشعب السوري حاضرًا في الولايات المتحدة وأمام صانع القرار الأمريكي، محققة نجاحات لافتة مقارنة مع جاليات أخرى، كون هذه المؤسسات لم تكن مدعومة من دول، إنما اعتمدت على دعم أبناء الجالية في أمريكا ومن يناصرهم من الأصدقاء الأمريكيين.
يرى فاعلون وسياسيون ضمن اللوبي السوري أن هذه الخلافات تعكس واقع العمل في الولايات المتحدة، حيث تتداخل التباينات في المقاربات وأساليب العمل مع حب الظهور والتنافس على الموارد والأدوار، ما يؤثر بدرجات متفاوتة على تنسيق الجهود.
ورغم وجود هدف عام مشترك بوصلته الشعب السوري، وعدم وصول الخلافات إلى مستوى الانقسامات الحادّة، فإن الخلاف وتفاوت مستويات التنسيق يظل عاملًا مؤثرًا في مدى الفاعلية والقدرة على التأثير داخل الولايات المتحدة.