منذ اللقاء الذي جمع فرانكلين روزفلت بالملك عبد العزيز على متن كوينسي في فبراير/شباط 1945، في البحيرات المُرّة في مصر، استقر موقع المملكة العربية السعودية في النظام الإقليمي ضمن معادلة واضحة: “النفط في مقابل الحماية”. وعلى امتداد عقود، ظلت هذه القاعدة، رغم ما اعترى العلاقة من توتر وابتزاز متبادل، هي التي حكمت علاقة الرياض بواشنطن.
لذلك مالت المملكة، بحكم موقعها ومصالحها، إلى تفضيل الاستقرار على التحول، وإلى الدفاع عن التوازن القائم أكثر من سعيها إلى إعادة صياغته، غير أن هذا العالم نفسه، الذي وفر لها مظلته الكبرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يبدو اليوم في طور التآكل السريع، ليس فقط بفعل صعود قوى دولية جديدة مثل الصين، بل أيضًا لأن الولايات المتحدة نفسها لم تعد ضامنًا يمكن الاطمئنان إلى ثباته، ولأن الاحتلال الإسرائيلي، في اندفاعه العسكري الإبادي من غزة إلى إيران، يدفع المنطقة كلها نحو منطق القوة العارية لا منطق التسويات.
وفي لحظة كهذه، حين تصبح الحماية موضع شك، تجد دولة مثل السعودية – وهي من أكبر مستوردي السلاح في العالم – نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في معنى الأمن نفسه، والتساؤل، متأخرًا: هل يُشترى الأمن؟ وهل يبقى أمن المملكة خدمة تُستورد من الخارج، أم يصبح بنية تُصنع تدريجيًا عبر تنويع الموردين، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وتوزيع الاعتماد السياسي والعسكري على عدة عواصم؟
ربما هذا هو السياق الذي يفسّر اندفاع الرياض، خلال العامين الأخيرين، إلى توسيع شبكتها الدفاعية، من واشنطن إلى سيول وأنقرة وإسلام آباد، فيما تكشف الحرب الإسرائيلية الأميركية الجارية على إيران، وتعطّل الملاحة والطاقة في الخليج، مقدار هشاشة الصيغة القديمة التي حكمت الإقليم طويلًا.
الولايات المتحدة: العمود الفقري للهشاشة الأمنية
لعل السؤال المطروح في الأعلى، يكتسب وزنه من حقيقة أن السعودية ظلت، في السنوات الأخيرة، بين كبار مستوردي السلاح عالميًا؛ فقد كانت ثاني أكبر مستورد للأسلحة في العالم في 2019 – 2023 وفق “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام”، ثم أصبحت رابع أكبر مستورد في 2020 – 2024، وواحدة من أكبر عشرة مستوردين أيضًا في 2021 – 2025.
وفي الوقت نفسه، أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية أن نسبة توطين الإنفاق العسكري بلغت 24.89% بنهاية 2024، بينما شهد معرض الدفاع العالمي 2026 إعلان 60 صفقة دفاعية بقيمة تقارب 33 مليار ريال.
هنا ربما تظهر النقطة المركزية، وهي أن السعودية لا تنسحب من الشراكة الأميركية، لكنها، بمعنى أدق، تحاول تقليص مخاطر الارتهان لها وحدها. ففي 13 مايو/أيار 2025 أعلنت واشنطن، في ورقة حقائق صادرة عن البيت الأبيض، حزمة تعاون دفاعي مع السعودية، وُصفت بأنها تشمل صفقات مع أكثر من اثنتي عشرة شركة أميركية، وتبلغ قيمتها نحو 142 مليار دولار، فيما ذكرت وكالة الأنباء السعودية، في اليوم نفسه، توقيع خطاب نوايا لتطوير التعاون في مجالات الذخائر، والتدريب، والخدمات المساندة، والصيانة، وتحديث الأنظمة، وقطع الغيار، والتعليم العسكري، والخدمات الطبية للقوات المسلحة السعودية.
ثم تطوّر المسار نفسه، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إلى اتفاق دفاع استراتيجي وقّعه ولي العهد والرئيس الأميركي، بحسب النصّين السعودي والأميركي الرسميين.
لكن أهمية المسار الأميركي لا تكمن فقط في ضخامته، بل في حدود الثقة التي باتت تحكمه، فوكالة رويترز نقلت، في 8 مايو/أيار 2025، أن إدارة ترامب فصلت محادثات التعاون النووي المدني مع السعودية عن شرط التطبيع مع إسرائيل، بعد أن كانت إدارة بايدن تربط بين ملفات التطبيع والضمانات الأمنية والتعاون النووي.
لكن، مع احتدام الحرب على إيران واتساع تداعياتها، برزت قراءات تفترض أنها قد تنعكس على العلاقة الأمنية بين واشنطن والرياض، إلا أن الأرجح أن المسألة لا تتصل بتراجع الموقع الأميركي نفسه، بقدر ما تتصل بأن السعودية تنظر إليه اليوم بقدر أكبر من الحذر والبراغماتية.
فبحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies – CSIS)، يظل الأمن السعودي مرتكزًا بعمق على الشراكة مع الولايات المتحدة، سواء من حيث بنية التسليح أو التدريب أو التمارين أو الوجود العسكري الأميركي الداعم، كما استبعد إقامة علاقة دفاعية جادة مع الصين، إذ ستُعتبر من واشنطن متعارضة مع العلاقة الدفاعية الأقوى التي تربط السعودية بالولايات المتحدة. لذا، فبدلًا من التخلي عن العلاقة الممتدة لعقود مع الولايات المتحدة، من المرجح أن تسعى السعودية إلى مزيد من الوضوح.
تركيا: شريك تصنيع ونقل معرفة أكثر منه مجرد مورد
هنا يأتي المسار التركي، ربما، كتعبير عن هذا التحول من “الاستيراد” إلى “الاستيراد المشروط بالتوطين”. صحيح أن الصفقة الكبرى للمسيّرات التركية تعود إلى يوليو/تموز 2023، أي قبل اشتعال الإقليم، لكن أهميتها استمرت خلال العامين التاليين لأنها كانت، بحسب رويترز وتصريحات شركة Baykar، متضمّنة نقل تكنولوجيا وإنتاجًا مشتركًا، لا مجرد تسليم منصات جاهزة.
وفي 12 مارس/آذار 2025، استقبل وزير الدفاع السعودي نظيره التركي في جدة، وفقًا لوكالة الأنباء السعودية، ثم أُعلن في 24 يوليو/تموز 2025 توقيع اتفاقات مع شركات تركية مثل Nurol Makina وFNSS وAselsan، ركزت صراحة على نقل التقنية والتصنيع المحلي للأنظمة البرية والمركبات العسكرية.
وفي 5 فبراير/شباط 2026، نقلت وكالة الأناضول عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوله إن هناك توجهًا لتعميق التعاون الدفاعي مع السعودية، مع حديثه عن استثمار مشترك محتمل في مشروع المقاتلة التركية KAAN.
الدلالة هنا، أن تركيا تؤدي وظيفة لا تؤديها الولايات المتحدة بالقدر نفسه، ألا وهي سرعة أعلى في التوريد، واستعداد أوسع لنقل المعرفة الصناعية، وكلفة أقل نسبيًا في بعض الفئات، خصوصًا المسيّرات والأنظمة البرية والإلكترونيات. لذلك لا تبدو أنقرة بديلًا لواشنطن في الحساب السعودي، بل مكمّلًا وظيفيًا يوسّع هامش الحركة، وتربط مشتريات الدفاع بهدف داخلي أكبر هو بناء قاعدة تصنيع محلية.
كوريا الجنوبية: تنويع حساس في الدفاع الجوي والصاروخي
أما المسار الكوري الجنوبي فيوضح الأمر نفسه، لكن في مجال أكثر حساسية، هو الدفاع الجوي والصاروخي. ففي 5 فبراير/شباط 2024، وبحسب وكالة رويترز نقلًا عن هيئة برامج المشتريات الدفاعية الكورية DAPA، تم توقيع مذكرة تفاهم لتوسيع التعاون الدفاعي بين سيول والرياض، تشمل إنشاء لجنة مشتركة ومجموعة عمل للبحث والتطوير والإنتاج.
وبعدها بيوم، أعلنت وزارة الدفاع الكورية، كما نقلت رويترز، فوز شركة LIG Nex1 بعقد قيمته 3.2 مليار دولار لتصدير 10 بطاريات من منظومة Cheongung M-SAM II إلى السعودية، وهي منظومة متوسطة المدى قادرة على التعامل مع الصواريخ الباليستية والطائرات.
لكن ما كشفته الحرب الحالية، والأخبار عن نقل واشنطن بعض منظومات باتريوت من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، هو أن الاعتماد على المظلّة الأميركية يظل مرتبطًا بإيقاع أولوياتها الخاصة، لذلك ربما يمكن فهم الاتجاه السعودي نحو سيول بوصفه جزءًا من مسعىً سابقًا لتخفيف الاعتماد الأحادي.
بريطانيا: طبقة دعم غربية ثانية لا مشروع بديل
أما بريطانيا، فهي تؤدي دورًا مختلفًا، كشريك غربي قديم، ربما أكثر موثوقية للاستمرارية والربط العملياتي من الولايات المتحدة، لكن في إطار أقل من أن تكون بوابة تحول استراتيجي منفصل.
ففي 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أن الوزير جون هيلي زار الرياض للقاء وزير الدفاع السعودي ووزير الحرس الوطني، في إطار دفع التعاون الدفاعي مع السعودية وتركيا معًا.
ومع تصاعد الحرب الإسرائيلية على إيران وتبعاتها على الخليج والمنطقة، ذكرت الحكومة البريطانية، في 31 مارس/آذار 2026، أن لندن قررت إرسال منظومة Sky Sabre إلى السعودية، إلى جانب قوات إضافية ومعدات دفاع جوي أخرى، لحماية حلفائها في المنطقة من الردود الإيرانية على العدوان الإمبريالي.
ويمكن أن ننظر إلى وظيفة لندن هنا ليس كمنافسة لواشنطن، بل كتخفيف لمخاطر سلوك ترامب وعدم اكتراثه بتبعات الحرب على حلفائه العرب في المنطقة، فحين تنشر بريطانيا منظومة دفاع جوي متقدمة في السعودية، فهي لا تبني نظامًا أمنيًا بديلًا، لكنها تدخل كطبقة دعم إضافية داخل البنية الغربية نفسها، وهذا ينسجم مع السلوك السعودي حتى الآن، لا فك ارتباط مع الغرب، بل توزيع للاعتماد داخله وخارجه معًا.
فرنسا: شراكة استراتيجية وتشغيلية أكثر منها موجة صفقات
في الحالة الفرنسية، يبدو المسار خلال العامين الأخيرين أقرب إلى تعميق الشراكة السياسية – العسكرية منه إلى سلسلة صفقات تسليح كبرى معلنة، ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، وقع الطرفان خريطة طريق للشراكة الاستراتيجية ومذكرة تفاهم لإنشاء مجلس شراكة استراتيجية، ونص البيان المشترك الصادر عن الإليزيه على توسيع التعاون في الدفاع والأمن والتدريب والقدرات العسكرية.
ثم تُرجم ذلك عمليًا عندما أعلنت وزارة القوات المسلحة الفرنسية، في 14 فبراير/شباط 2025، مشاركة أكثر من 50 عسكريًا فرنسيًا في السعودية ضمن تمرين SPEARS OF VICTORY 2025 داخل Saudi Air Warfare Center، مع ثلاث مقاتلات رافال وفرق دعم وصيانة وتسليح واتصالات.
أما على مستوى الصفقات، فأوضح ما أمكن توثيقه علنًا هو إعلان وزارة الدفاع السعودية، في 10 يوليو/تموز 2024، توقيع عقد مع Airbus Defence and Space لشراء أربع طائرات A330 MRTT إضافية للقوات الجوية السعودية، وهو ما أكدته Airbus رسميًا، لكن هذه الصفقة تُنسب بدقة إلى المسار الأوروبي أكثر من كونها صفقة فرنسية خالصة، لأن Airbus شركة أوروبية متعددة الجنسيات.
وبما ترى السعودية المسار الفرنسي مهمًا، لا لأنه يقتصر على عقود تسليح مباشرة، بل يمتد كنوع من الإدارة السياسية للأمن الإقليمي، ففي 2025، تكثّف التنسيق السعودي – الفرنسي بشأن لبنان، كما رعت باريس والرياض معًا المسار الأممي المتعلق بحل الدولتين. هذا يعني أن فرنسا، بالنسبة للرياض، شريك دفاعي سياسي، يساعد في التدريب والتحديث البحري والجوي، وفي الوقت نفسه يوفّر منصة أوروبية مشتركة للتعامل مع ملفات لبنان وفلسطين وأمن شرق المتوسط والبحر الأحمر.
باكستان: من العلاقة التاريخية إلى ردع سياسي أعلى
أما باكستان، فهي الحلقة الأكثر إثارةً للضجّة، ففي 17 سبتمبر/أيلول 2025، وقّع الجانبان اتفاقًا دفاعيًا متبادلًا استراتيجيًا، ونص البيان السعودي الرسمي على أن أي اعتداء على أيٍّ من البلدين يُعدّ اعتداءً على كليهما.
قرأه العديد من المحللين بوصفه نقلة كبيرة في معادلة الأمن الإقليمي، لأنه يُدخل باكستان، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي، إلى الصورة الردعية الخليجية بصورة أوضح من السابق.
رغم ذلك، لا ينبغي المبالغة هنا والقول إن السعودية حصلت على ضمان نووي مباشر، فهذا غير معلن، وباكستان قالت إن قدراتها النووية ليست مطروحة رسميًا في الاتفاق.
لكن بعض المحللين يرون أن الرياض ربما أرادت بهذا الاتفاق إظهار أن ردعها لا يقوم فقط على واشنطن، بل يمكن أن يستند أيضًا إلى شراكة عسكرية عميقة مع الدولة الإسلامية النووية الوحيدة.
مثلما عبّر باحث في تشاتام هاوس عن ذلك بالقول إن الاتفاق يفتح سابقة باتجاه “الردع الممتد”، فيما رأت رويترز أن الاتفاق أدخل القدرات النووية الباكستانية، ولو على نحو غير معلن، إلى صورة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.
ولعل ذلك إشارة موجهة في آن واحد إلى إيران، وإلى الولايات المتحدة، وإلى إسرائيل، وربما حتى إلى الهند التي عبّرت عن حساسية تجاه الاتفاق.
تحركات أوكرانيا
أما أوكرانيا، ففي 27 مارس/آذار 2026 أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي توقيع اتفاق تعاون دفاعي مع السعودية يفتح الباب أمام عقود مستقبلية وتعاون تكنولوجي واستثمارات، مع تركيز خاص على الدفاع الجوي.
وبحسب رويترز، أرسلت أوكرانيا في مارس أكثر من 220 خبيرًا عسكريًا إلى دول في الشرق الأوسط، وشارك بعضهم في السعودية في ورش وإحاطات لهيئة الأركان حول حماية البنية التحتية للطاقة واعتراض الهجمات الجوية غير المتماثلة.
ومن هذه الزاوية، لا تدخل أوكرانيا إلى الحساب السعودي بوصفها موردًا تقليديًا للسلاح، بل بوصفها مصدرًا لخبرة قتالية راكمتها تحت ضغط الحرب، وهذا ما التقطته قراءات صادرة عن مراكز أبحاث أميركية مثل “Jamestown Foundation” و”FDD“، إذ رأت في هذا الانفتاح الخليجي على كييف تعبيرًا عن طلب متزايد على المعرفة العسكرية المجرّبة ميدانيًا، وعلى حلول أقل كلفة وأكثر فعالية في مواجهة تهديدات المسيّرات.
في المحصلة، لا يزال من المبكر إصدار أحكام نهائية على التحالفات والتوجهات المستقبلية لدول في المنطقة، ومن ضمنها المملكة، فهذه الحرب، بعقلية ترامب، كانت مصمَّمة لتكون خاطفة وحاسمة، لكنها ما إن تجاوزت أسبوعها الأول حتى بدأت تربك حسابات جميع الأطراف في المنطقة والعالم، وطول أمدها لم يبدّل فقط إيقاع الميدان، بل كشف أيضًا مقدار الهشاشة الكامنة في الترتيبات التي بدا، حتى وقت قريب، أنها راسخة.
ومع هذا التبدّل، يصعب النظر إلى التحركات السعودية بوصفها انتقالًا من معسكر إلى آخر، أو قطيعة مع المظلّة الأميركية، فربما القراءة الأقرب أنها محاولة لبناء ترتيب أمني أكثر تدرّجًا وتعقيدًا، من خلال الإبقاء على الشراكة الأميركية، مع توسيع هامش التعاون مع قوى أخرى، ودفع مسار التوطين الدفاعي إلى موقع أكثر مركزية، إذ لا تبدو المسألة متصلة بالاستقلال الكامل، بقدر ما تتصل بالسعي إلى تقليل الهشاشة، وتوسيع خيارات الحركة، في بيئة إقليمية لم تعد الضمانات القديمة فيها كافية كما كانت.