نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
حسابات الحليف والعدو: إيران بين حماية “حزب الله” وتجنّب مواجهة أمريكا
نون بوست
“تايفون بلوك-4”.. كيف تعيد تركيا رسم ميزان الردع في الإقليم؟
نون بوست
جبال وصحاري وساحل ممتد.. جغرافيا إيران هي سلاحها الأقوى
أعلن مكتب نتنياهو أنه يدعم قرار واشنطن إيقاف الضربات على إيران لمدة أسبوعين
حرب لم تحقق أهدافها.. ما موقف “إسرائيل” من التهدئة مع إيران؟
يقف دي جي فانس نائب الرئيس وكابينة ترامب الحالية خلفه بقوة
“التعديل 25”.. هل يمكن فعلًا عزل الرئيس الأمريكي؟
نون بوست
كيف جرّ ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران؟
نون بوست
اتفاق مؤقت وأسئلة مفتوحة.. ما الذي يهدد الهدنة بين إيران وواشنطن؟
نون بوست
إعادة إيران إلى “العصر الحجري”.. تهديد ترامب يطلق العنان لعصر جديد من الوحشية 
نون بوست
وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران: مسار مؤقت لحرب لم تُحسم
نون بوست
ما بعد المظلّة الأميركية: لماذا تتحرك الرياض دفاعيًا في كل الاتجاهات؟
صورة التقطها قمر صناعي لمنطقة صناعية مغطاة بالدخان في دبي، 1 مارس عبر شركة بلانيت لابز بي بي سي
مليارات تحت القصف.. كيف يدفع عمالقة التكنولوجيا ثمن الحرب؟
نون بوست
“مشيئة الله” في البنتاغون.. الإنجيليون و”نبوءة” الحرب على إيران
نون بوست نون بوست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
حسابات الحليف والعدو: إيران بين حماية “حزب الله” وتجنّب مواجهة أمريكا
نون بوست
“تايفون بلوك-4”.. كيف تعيد تركيا رسم ميزان الردع في الإقليم؟
نون بوست
جبال وصحاري وساحل ممتد.. جغرافيا إيران هي سلاحها الأقوى
أعلن مكتب نتنياهو أنه يدعم قرار واشنطن إيقاف الضربات على إيران لمدة أسبوعين
حرب لم تحقق أهدافها.. ما موقف “إسرائيل” من التهدئة مع إيران؟
يقف دي جي فانس نائب الرئيس وكابينة ترامب الحالية خلفه بقوة
“التعديل 25”.. هل يمكن فعلًا عزل الرئيس الأمريكي؟
نون بوست
كيف جرّ ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران؟
نون بوست
اتفاق مؤقت وأسئلة مفتوحة.. ما الذي يهدد الهدنة بين إيران وواشنطن؟
نون بوست
إعادة إيران إلى “العصر الحجري”.. تهديد ترامب يطلق العنان لعصر جديد من الوحشية 
نون بوست
وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران: مسار مؤقت لحرب لم تُحسم
نون بوست
ما بعد المظلّة الأميركية: لماذا تتحرك الرياض دفاعيًا في كل الاتجاهات؟
صورة التقطها قمر صناعي لمنطقة صناعية مغطاة بالدخان في دبي، 1 مارس عبر شركة بلانيت لابز بي بي سي
مليارات تحت القصف.. كيف يدفع عمالقة التكنولوجيا ثمن الحرب؟
نون بوست
“مشيئة الله” في البنتاغون.. الإنجيليون و”نبوءة” الحرب على إيران
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

أزمة التعليم العميقة في سوريا وسياسات المرحلة الانتقالية

عبد الرحمن الحاج
عبد الرحمن الحاج نشر في ٩ أبريل ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

حساب وزارة التربية والتعليم السورية على فيسبوك

تستحوذ مشاهد دمار المدارس وتهالك البنية التحتية، ووجود تلاميذ في الخيام وانتشار عمالة الأطفال في سن التعليم لإعالة أهاليهم على التفكير عند النظر في التعليم في سوريا، لكن هذه المشاهد القاسية ليست سوى أثر فظيع للحرب، مشكلة التعليم في سورية أكثر تركيبًا وأعمق بكثير.

فهذه المشاهد المؤسفة ليست سوى قشرة، إذ يعاني التعليم أزمة بنيوية (هيكلية) عميقة في جهاز التعليم والعملية التعليميّة ذاتها، وأزمة هوية تحد من التعليم انطلاقاً من المهام الموكلة له، وأزمة مؤسسية في إدارة التعليم، والمقاربات التي تحكمه في هذه المرحلة الحساسة والتأسيسية في البلاد.

التعليم ما دون الجامعي

حُدّدت وظيفة التعليم ما دون الجامعي في سوريا البعثية بوصفه جهازًا أيديولوجيًا للدولة، أداة للسلطة لا للتنمية، يجمع بين التعميم الاجتماعي المنضبط وإعادة إنتاج الشرعية السياسية، مع تقييد إمكانات التحول النقدي للفرد، إذ عُرّف هدف التعليم في عهد الأسد بأنه “بناء شخصية المواطن الاشتراكي” حسب الوثائق الرسمية في وزارة التربية، في حين وَضَعَ دستور 1973 الإطار الأعلى للتعليم بالقومية العربية، وبطبيعة الحال بنظام الدولة الذي أسس على قاعدة الحزب الواحد (حزب البعث العربي الاشتراكي كحزب قائد للدولة والمجتمع، وفق المادة الثامنة للدستور).

تجلت هذه السياسات في الواقع بأشكال مختلفة لتثبيت السلطة، ففي المناهج كان تمجيد النظام وتثبيت عبادة الفرد القائد أساس التربية الوطنية، أي صناعة الولاء، ونزع من المناهج كل ما يتعلق بالتاريخ الذي يمكن أن يؤثر على صورة رأس النظام، كُتب التاريخ بطريقة “وزارة الحقيقة” في رواية “الأخ الأكبر” (1984 لـ جورج أورويل).

يعدل التاريخ حسب الموقف السياسي والتحولات، فقد حذف من سوريا تاريخ العراق، وحذف منها تاريخ الجولان، ولا توجد أي معلومات مؤثرة أو ذات قيمة في المناهج الدراسية عن تاريخ سوريا المعاصر، يجهل السوريون تاريخهم أكثر من مواطني أي دولة أخرى، إذ كان جزءًا من جهاز الضبط الناعم لإعادة إنتاج الشرعية المفقودة لنظام جاء بانقلاب عسكري وتحول إلى حكم عائلي، يبتدئ تاريخ سوريا وينتهي عنده!

وعلى الرغم من أن التعليم كان مجانيًا للجميع، وهو أمر كان منذ تأسيس الدولة، إلا أن التعليم استخدم لدمج الريف وكسب ولائه في مواجهة المراكز الحضرية، فقد كان البعثيون ونظام الأسد يعتمدون على الصدع الريفي المديني لتكوين حامل اجتماعي، وجرى توسيع المدارس في الأرياف إذًا ليس لغرض منح الريفيين الفرصة لأخذ حقوقهم في التعليم، وليس لأجل تقليص الفجوة الحضرية بين المراكز المدينية والريف وإنما لهدف سياسي هو كسب الولاء وتوسيع قاعدة الدعم الاجتماعية لحكمه، لهذا السبب كان الحرص على الكم، وإهمال الجودة. في نهاية التسعينات، كان يمكنك مصادفة متخرجين من مرحلة التعليم الأساسي لا يعرفون القراءة والكتابة!

البنية الفكرية الفعلية التي حكمت التعليم في سوريا حتى 2011 تأسست على أن التعليم أداة سياسية، للضبط والولاء، وليس كحق انساني ودستوري، ولا كأساس للتنمية، وإنما للاستقرار، فالهدف إنتاج مواطن قابل للإدارة وليس للمبادرة، فعليًا كان هذا مناخ مناسب لتفشي دور الأجهزة الأمنية في التعليم، التي لعبت دورًا متزايدًا في المؤسسات التعليمية الحكومية (والخاصة)، وتقديم الضبط تناسب مع الحفاظ على نمط تقليدي في التعليم يعتمد التلقين والحفظ، ولا يعتبر الإبداع مهمًا إلا من ناحية شكلية.

ونزعة “المبادرة” في هذا السياق تمثل خطورة، لا يجب أن يبادر المتعلمون من تلقاء أنفسهم مما ليس مطلوبًا منهم تنفيذه، لأن تعلم المبادرة في الصف يمكن أن ينتقل للشارع، حتى شكل المدارس السورية صار مع الوقت يشبه السجن، وظاهرة الهروب من المدرسة عبر الجدران في أوقات الدوام شائعة للغاية، أقرب إلى هروب من “سجن للتعليم” الإجباري.

أنشئت منظمات على غرار الأنظمة الشيوعية في الأساس بهدف زرع الولاء وتكوين الشخصية، مثل “منظمة طلائع البعث”، و”منظمة الشبيبة”، لكنها استخدمت فعليًا كأجهزة أمنية رديفة للرقابة على المجتمع، وفي نهاية التعليم الثانوي يمنح الشبيبة والحزبيون (الأعضاء العاملون) امتيازات تعطيهم الأولوية في حيازة المقاعد الدراسية في المرحلة الجامعية.

نظام تعليمي ينتج الدكتاتورية

النظام التعليمي السوري تقليدي تمامًا مركزه المعلم، يعتمد التلقين من طرف واحد (المعلم)، والحفظ من طرف المتلقي (الطالب)، والامتحانات ليس أكثر من تأكيد على حفظ الطالب لما هو مطلوب منه سرده، ومع الأخذ بالاعتبار أن “الكم” في المعلومات التي يُحشى بها عقل الطالب قد تتحول إلى “كيف” مع الوقت، إلا أن نظام التلقين يقتل روح السؤال، فالسؤال لا يمكن أن يكون نقدًا أو وجهة نظر مختلفة، وإنما حصر لفهم ما قاله المعلم، لا إمكانية للنقد، ليس فقط لأن هذا النمط التعليمي لا يسمح بذلك بسبب الآلية المعتمدة في طرفي العملية التعليمية، بل لأن الوقت المتاح للحصص الدراسية أيضًا لا يمكن أن يستوعب النقد ووجهات النظر من طرف المتلقي.

في عهد المخلوع بشار الأسد حاول إدخال تحسينات شكلية على التعليم، بهدف إظهار أنه شخصية إصلاحية من جهة لخلق شرعية مفقودة ترمم “الوراثة” التي أتت به للحكم، بين هذه التحسينات تغيير خفض سن تعليم اللغة الإنكليزية إلى الأول الابتدائي، وتحسين طباعة الكتب، ومحاولة توسيع الأنشطة الإبداعية الفنية في الصفوف المدرسية (لم تكن محاولة جادة، كانت محدودة وغير مستمرة)، وفي الجملة لم تتغير فلسفة التعليم حتى إسقاط النظام.

نون بوست
وزارة التربية والتعليم السورية على فيسبوك

المعلمون أيضًا لا يخضعون لتدريب، يعتمد كل منهم على قدرته الخاصة في جعل الطلاب يفهمون ويحفظون ما يقوله، هذا هو الحد الأقصى، معظم المعلمين لم يحصلوا على شهادة في التعليم، خصوصًا في المرحلتين الإعدادية والثانوية.

في سوريا شهادة “دبلوم التأهيل التربوي” هي المؤهل اللازم للتعليم، مع ذلك فإنّ معظم المدرسين (يستخدم عادة تعبير “مدرس” للتعليم في الإعدادي والثانوي) لم يحصلوا عليه، والمشكلة الثانية كانت في توزيع المعلمين، المعلمون الأقل كفاءة يتم إرسالهم للأرياف، وغالبًا ما يستعين أصحاب الكفاءة بالعلاقات مع جهات في السلطة لتعديل قرارات تكليفهم وإبقائهم في مراكز يرغبون فيها أو يعيشون فيها.

وفي السنوات الأخيرة، سنوات الحرب، عُين عشرات الآلاف من المعلمين بصفة عقود مؤقتة، بسبب النزيف في المعلمين (قتلوا أو هجِّروا أو اعتقلوا)، ومعظم هؤلاء لا يحملون إجازة جامعية، وقد منحت لهم الوظائف كنوع من “العطاء” والمكافأة على الولاء والخدمات المقدمة منهم للنظام (خدمات معلوماتية استخباراتية، أو خدمات من ذويهم، أو قرابة لمسؤولين.. إلخ)، ما جعل جودة التعليم في أسوأ حالاتها، مع تراكم وترهل في كوادر المؤسسة التعليم لا تناسب احتياجها، وضعف في عدد الكوادر المؤهلة، تواجه وزارة التعليم اليوم في الحكومة الانتقالية معضلة في تسريح هؤلاء، فهم عبء على الوزارة، ولكن تسريحهم مرة واحدة قد يسبب أزمة اجتماعية وسياسية في مرحلة تبحث فيها الدولة عن استقرارها.

أما الإدارة التربوية، فقصة أخرى، مديرو المدارس لا يملكون أي خبرات في الإدارة التعليمية، لم يكن يوجد في سوريا اختصاص إدارة التعليم، ولا توجد برامج في درجة الإجازة للإدارة التعليمية أو التخطيط التربوي أو الإدارة التربوية، لا شيء من ذلك، إنما يعتمد مديرو التعليم على خبرتهم ومهارتهم الشخصية، وغالبًا ما يمارسون دور رجل أمن أكثر منه دور إداري واستراتيجي.

عودة إلى المدارس المهدمة، عند التحرير كان نحو 7900 مدرسة مهدمة كليًا أو جزئيًا خارجة عن العمل ما يعادل 40% من إجمالي المدارس في سوريا، تم إصلاح نحو 1300 مدرسة منها بمساعدة منظمات خاصة، ومن جهة أخرى عدد الأطفال في سن التعليم يتجاوز 2.5 مليون، وهو عدد لم تستطع الحكومة الانتقالية خفضه، بسبب العديد من الموانع؛ بينها البيئة الاقتصادية الصعبة وفقدان المعيل في الحرب، ولم تضع الحكومة برامج لإعادتهم، ولا استعانت بالمجتمعات المحلية، بل تركت المسألة للمعالجة الفردية، في مقابل العمل على إصلاح البنية التحتية المدمرة.

تعليم جامعي لا يتصل لا بالتنمية ولا بالسوق!

سياسة التعليم الجامعي التي اتبعها حافظ الأسد كانت سيئة للغاية، فقد أدت إلى كم كبير من الخريجين على حساب الجودة، بل إنه جعل دخول غير المؤهلين للكليات امتيازًا سياسيًا للحزبيين (وفي شكل خاص للذين خضعوا لدورات متقدمة مثل المظليين) وأداة لكسب الولاء، في النتيجة كان لدينا كم هائل من الخريجين (أكثر من مليون خريج جامعي بين عام 1970 و2011) لا يستطيع سوق العمل أن يستوعبهم، وكانت المؤسسات الحكومية تقوم بالاستيعاب بدل سوق العمل، ولأن الاستيعاب يهدف لإيجاد فرصة عمل للعيش فقط، فإن عدد كبير منهم وجدوا أنفسهم في وظائف لا تتعلق في الغالب مع اختصاصاتهم، هذا حمل الدولة أعباء في الإنفاق ليست قادرة على تمويلها، وبطالة مقنعة واسعة النطاق، هذا من جهة، ومن جهة ثانية عزز الهجرة الريفية إلى المدينة وشكل أحزمة فقر كبيرة حول مراكز المدن.

تحسن الاقتصاد الطفيف في الفترة بين 1990-2010 أدى لاستيعاب خريجين جامعيين، لكن مستوى التحسن وحركة الاقتصاد وتطور سوق العمل لا يتناسب مع الكم الهائل من الخريجين، لهذا أصبحت الهجرة من السورية أمنية معظم الخريجين الجامعيين، بحثًا عن فرص معيشية مناسبة، في دراسة أجريت عام 2016 في كلية الاجتماع بجامعة حلب شملت عينة من نحو 200 خريج جامعي أو على وشك التخرج، بينت أن أكثر من 95% من الطلاب يرغبون بالهجرة.

ثمة رومانسية شائعة في المأساة السورية، مفادها أن السوريين متعلمون وهم يطوّرون مهاراتهم بصورة دائمة، والواقع أنه على الرغم من أن مناهج التعليم للآباء المؤسسين للجامعتين حلب ودمشق كانت مثالًا لنجاح التعليم وجودته في سوريا في الخمسينات، وأسس لسمعة للتعليم خارج هذه البلاد، لكن السياسات التعليمية التي اتبعها نظام الأسد أضعفت التعليم، وحولت التعليم من نظام جامعي نخبوّي صغير إلى نظام جماهيري يهدف إلى تكديس العدد التراكمي للخريجين في بلد التنمية الاقتصادية وسوق العمل يمشيان فيه ببطء شديد.

يحتاج ربط التعليم بالتنمية إلى مقاربة تعتمد التعليم المهني أساسًا، في النهاية فإنّ معظم الناس يتابعون تعليمهم لأنهم يريدون فرص عمل، وظاهرة العزوف عن التعليم الجامعي والدخول في سوق العمل التجاري أو العمالي منتشرة خصوصًا في العقدين الأخيرين، ورغم أن وزير التعليم في الحكومة الانتقالية أظهر اهتمامًا بالتعليم المهني إلا أنه لا توجد مؤشرات على التوجه الفعلي نحو هذا التعليم كبديل عن أفواج الخريجين العاطلين عن العمل.

تعليمٌ عالٍ مزدوج النظام

لا يوجد نظام تعليمي واحد، فالنظام التعليمي التقليدي الذي ظل هو النظام الأساسي في الجامعات الحكومية تعايش مع نظام الساعات في الجامعات الخاصة وبعض الكليات الحكومية (لا يتضح مرجعية النظام ما إذا كانت بالأوروبي ECTS  أم الأمريكي American Credit)، ينقل مركز العملية التعليمية إلى الطالب، إلا أن المفارقة أن تطبيق نظام الساعات كان فعليًا نسخة عن النظام التقليدي المعتمد على التلقين/الحفظ ومركزية الأستاذ أو المعلم في العملية التعليمية، لم يختلف الأمر سوى في طريقة الاحتساب للدرجات، والأرقام الموجودة في نهاية الشهادة، أما من الناحية العملية فقد ظل النظام تقليديًا عمومًا.

بطبيعة الحال، لا ينتج مثل هذا النظام طلابًا بمؤهلات توازي زملائهم في الجامعات الغربية ولا حتى جيرانهم في تركيا التي لا تزال في طور الانتقال إلى نظام تعليم الساعات الأوربي، وحتى يستطيع الطالب الحصول على المعرفة والكفاءة عليه أن يعتمد على نفسه، وغالب النجاحات والتفوق الدراسي لم يكن بسبب التعليم، وإنما بسبب السعي الفردي للتعلم.

لن نتحدث عن البنية التحتية للجامعات، وقِدَم المخابر وشبه انعدام مراكز البحث العلمي الأكاديمي، فالصورة البصرية لسوريا بعد الحرب تشرح الوضع بنفسها، ثمة حاجة ماسة لتطوير البنية التحتية أو بشكل أدق لإعادة بنائها، وبناء المختبرات، لأنه لا يمكن للتعليم التخصصي الجامعي أن ينجح بدونها حتى لو توفرت له أسباب النجاح الأخرى، البيئة التعليمية والتكنولوجيا شرط ضروري.

جغرافيا التعليم الظالمة

لا نعرف على وجه الدقة لماذا اقتصرت الجامعات السورية على الجامعتين الحكومتين العريقتين في حلب ودمشق لعقدين من الزمان، فيما افتتحت جامعتان في كل من اللاذقية (جامعة تشرين 1971)، وحمص (جامعة البعث 1979)، صحيح أن اسم الجامعتين يحمل دلالة سياسية، فالأولى تحمل اسم تاريخ انقلاب حافظ الأسد التي سماها “الحركة التصحيحية”، والثانية تحمل اسم “حزب البعث”، وحمص الأقرب للساحل، وكذلك اللاذقية في قلب الساحل، باختصار من الواضح أنه أراد رفد الدولة بكوادر من العصبة العلوية التي استند إليها لتثبيت حكمه.

إذ كانت سنوات التأسيس تلك هي السنوات التي انتقل فيها الأسد من علونة الجيش إلى علونة السلطة والمؤسسات المدنية، أي كوادر لضمان السيطرة على الأجهزة الحكومية، في مقابل إهمال تام للجزيرة والمحافظات الثلاثة: الرقة، دير الزور، الحسكة. كان على أهالي دير الزور الانتظار حتى عام 2006 لتأسيس جامعة الفرات بكليات موزعة بين الرقة (3 كليات) والحسكة (4 كليات) والدير (9 كليات).

أما الجامعات الخاصة، فلم تنشأ أي جامعة في تلك المحافظات، في حين تركزت في حلب ودمشق وحمص واللاذقية، أي المدن الأربعة ذاتها.

طوال عقود كان على الطالب الراغب بالتعليم العالي الانتقال إلى واحدة من المدن الأربعة غرب سوريا، حيث توجد الكليات، وحتى بعد إنشاء الجامعة في الدير، فإن المقاعد المحدودة ستجعل الطالب يلجأ إلى الجامعات الخاصة أو الحكومية في الجهة الثانية من سوريا، في الغرب.

سياسات حكومية

من الواضح أن الأولوية أعطيت في الحكومة الانتقالية الأولى لترميم وتأهيل المدارس بهدف استيعاب الطلاب خارج الدراسة وإعادة المنقطعين، بمعنى آخر أنها ركزت على التعافي في البنية التحتية، وضمان استقرار سير العملية التعليمية بانضباط في الحد الأدنى اللازم لنجاحها، واعتمدت في هذا بشكل شبه كامل على المنظمات السورية غير الحكومية والأممية، وأولت المعلمين اهتمامًا لتحسين وضعهم المعيشي عبر رفع رفع متدرج لرواتبهم، ومضاعفته في مدة وجيزة.

يعود ذلك إلى ترتيب الأولويات الحكومية، التي تولي المهم العاجل ترتيبًا متقدمًا، وهذا أمر لا يمكن الجدال فيه، غير أن ما كان يجب أن يلحظ هو الجمع بين خطى التعافي وبين التحديث، حتى لا تشكل الترتيبات والبنية التحتية والمؤسسات التعليمية عوائق للتطوير الضروري واللازم لتحديث التعليم، وبطبيعة الحال خلال عام كامل كانت البلاد في وضع غير مستقر، أو تستقر بالتدريج، مع شح الموارد المالية، وكان يمكن لوزارة التعليم أن تقوم بمشاريع تجريبية غير مكلفة لوضع الخطوات الأولى لتطوير التعليم عوضًا عن تركها بالكلية.

هناك الآن أكثر من 70% من الموظفين المفصولين بسبب تأييدهم للثورة أو نزوحهم ولجوئهم خارج البلاد، ومعظمهم من الكفاءات التي يحتاجونها، لم يعد هؤلاء إلى وظائف بذرائع بيروقراطية، في حين بقيت الكتلة المترهلة من آلاف الموظفين المؤقتين وغير المؤهلين مستمرين في العمل يشغلون فعليًا مواقع المؤهلين المفصولين.

بعد سنوات من التهميش والخوف… أساتذة الجامعات في #سوريا على مفترق طرق سياسي.
هل يشاركون في رسم المستقبل؟ أم يواصلون الابتعاد؟

من خلال هذا المقال، يقدّم سامر نسيب سيف الدين قراءة تحليلية لمواقف الأساتذة قبل وبعد الثورة، ويطرح رؤية حول فرصهم في مرحلة التحول الراهنة.👇… pic.twitter.com/LM2by8Om1w

— نون سوريا (@NoonPostSY) July 28, 2025

بخصوص التعليم العالي، ما من شك أن وزارة التعليم العالي في الحكومة الانتقالية اهتمت بالممكن من السريع والعاجل، تحديدًا بالإجراءات البيروقراطية، رغم أن البنية التحتية للجامعات وخصوصًا الحكومية قديمة ومتهالكة وخصوصًا المخابر التي تحتاج عملًا كبيرًا، إلا أن شح الموارد المالية أيضًا يقلل من التركيز عليها، وعلى المشاكل البنيوية في التعليم العالي والنظام التعليمي، سعت الوزارة إلى تطوير الاستجابات للمشاكل المتعلقة بالوثائق التعليمية والتعديل، فعدد الخريجين السوريين العائدين من تركيا وأوروبا ودول عربية أخرى كبير بالآلاف، وهؤلاء حتى يتم دمجهم في الكوادر الوطنية وسوق العمل لا بد من تسريع الإجراءات، وفي الوقت نفسه افتتحت كليات جديدة، ما وسع الخيارات أمام الطلاب، وتعمل الوزارة على استيعاب الأكاديميين وبدء ترميم الكادر التدريسي.

التعليم في سوريا يعاني أزمة عميقة، بعضها قد تشترك فيه دول عربية أخرى، ولكن الكثير منها خاص بحقبة الأسد المظلمة، وطريق الخروج منه ليس يسيرًا مع ضعف الموارد، وعدم وجود خطط شاملة، ولا تصور مكتمل للمرحلة الانتقالية، التي تشكل فرصة نادرة للتأسيس.

الوسوم: أساليب التعليم الجديدة ، إصلاح التعليم ، الأنظمة التعليمية الحديثة ، التسرب من التعليم ، التعليم في سوريا
الوسوم: التعليم في سوريا ، الشأن السوري ، سوريا حرة
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
عبد الرحمن الحاج
بواسطة عبد الرحمن الحاج
متابعة:
أستاذ جامعي، وباحث متخصص في الحركات الدينية، مؤسس ومدير سابق لمشروع الذاكرة السورية
المقال السابق نون بوست “تايفون بلوك-4”.. كيف تعيد تركيا رسم ميزان الردع في الإقليم؟
المقال التالي نون بوست حسابات الحليف والعدو: إيران بين حماية “حزب الله” وتجنّب مواجهة أمريكا

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

سوريا حرة

سوريا حرة

حقق الشعب السوري يوم الأحد 8 كانون أول/ ديسمبر 2024، انتصارًا تاريخيًا على النظام الاستبدادي، حين هرب بشار الأسد إلى روسيا على وقع تقدم المعارضة، لتطوي سوريا بذلك أربعة عقود من حكم الدولة المتوحشة.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • بين الذاكرة والسياق: كيف نفسر الغضب السوري من قانون إعدام الأسرى؟
  • معركة صامتة.. مرضى السرطان في سوريا وأزمة العلاج المتفاقمة
  • الإعلام السوري أمام اختبار جديد: تنظيم أم إعادة إنتاج الرقابة؟
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

بين الذاكرة والسياق: كيف نفسر الغضب السوري من قانون إعدام الأسرى؟

بين الذاكرة والسياق: كيف نفسر الغضب السوري من قانون إعدام الأسرى؟

رغد الشماط رغد الشماط ٧ أبريل ,٢٠٢٦
معركة صامتة.. مرضى السرطان في سوريا وأزمة العلاج المتفاقمة

معركة صامتة.. مرضى السرطان في سوريا وأزمة العلاج المتفاقمة

زينب مصري زينب مصري ٧ أبريل ,٢٠٢٦
الإعلام السوري أمام اختبار جديد: تنظيم أم إعادة إنتاج الرقابة؟

الإعلام السوري أمام اختبار جديد: تنظيم أم إعادة إنتاج الرقابة؟

محمد كاخي محمد كاخي ٥ أبريل ,٢٠٢٦
dark

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version