لحظة إعلان الولايات المتحدة وإيران عن وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين، بدا كأن الحرب الكبرى التي حوّلت الخليج إلى مسرح لصواريخ بالستية وأصابت الاقتصاد العالمي بالشلل في طريقها إلى الانتهاء.
وفي “إسرائيل” جاءت المفارقة سريعًا، فقد رحب مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالاتفاق، لكنه أوضح أنَّ “وقف النار لا يشمل لبنان”، فيما واصل جيش الاحتلال استهداف البلاد وأعاد إصدار أوامر الإخلاء لسكان الجنوب اللبناني.
فكيف تلقّت “إسرائيل” حكومة ومعارضة اتفاق وقف النار مع إيران سياسيًا وإعلاميًا؟ ولماذا أصرّت على إبقاء العدوان على لبنان رغم حديث طهران عن أن هذا البلد مشمول بالتفاهمات؟
المواقف السياسية في “إسرائيل”
1- حكومة الاحتلال
أعلن مكتب نتنياهو أنه يدعم قرار واشنطن بإيقاف الضربات على إيران لمدة أسبوعين، لكنه شدّد على أن الاتفاق “لا ينطبق على لبنان”، وأكد أن وقف النار مرهون بفتح مضيق هرمز ووقف إيران وجماعاتها كل الهجمات.
وجاء هذا البيان الرسمي في سياق رغبة الحكومة بإظهار أن الولايات المتحدة وافقت على شروط “إسرائيل”، وأن الأخيرة ستواصل مواجهة ما تدعي أنه “الخطر الحقيقي”، أي حزب الله، الذي يملك ترسانة صاروخية تهدد الشمال.
وأوضح جيش الاحتلال بدوره أن التهدئة لا تغيّر شيئاً في لبنان، فأعاد تحذيره للمدنيين في ضاحية بيروت الجنوبية وطالبهم بالإخلاء لأن “المعركة في لبنان مستمرة، ووقف النار لا يشمل لبنان”.
ويعكس هذا الخطاب استراتيجية حكومة الاحتلال: الحفاظ على تعاون مع واشنطن في مواجهة طهران، لكن التركيز على لبنان باعتباره ساحة تُعوّض فيها السلطة التنفيذية ما لم تنجزه في إيران.
في الوقت نفسه، حاول بعض الوزراء تصوير وقف النار مبكرًا بوصفه تتويجًا لانتصارات عسكرية، فقد اعتبر وزير الخارجية جدعون ساعر منتصف مارس/آذار أن “إسرائيل فازت بالفعل” في الحرب وأن إيران أصبحت “أضعف بصورة دراماتيكية”.
لكنه اعترف أن إيران ما زالت قادرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى، وأن الهدف المعلن المتمثل بالإطاحة بالنظام الإيراني لا يزال بعيداً.

2. أحزاب المعارضة
على الجهة الأخرى، استغلت المعارضة الهدنة لتصعيد هجومها.
- زعيم المعارضة يائير لابيد وصف وقف النار بأنه “كارثة سياسية لا مثيل لها”، مؤكدًا أن “إسرائيل” لم تكن على الطاولة عندما تم اتخاذ القرار وأن نتنياهو “فشل سياسياً واستراتيجياً ولم يحقق أيّ هدف من الأهداف التي وضعها بنفسه”.
- زعيم الحزب الديمقراطي يائير غولان، اعتبر الهدنة “فشلًا استراتيجيًا شديدًا” ووصفها بأنها “واحدة من أشد الإخفاقات التي شهدتها إسرائيل”.
- رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان، حذر من أن الهدنة تمنح النظام الإيراني “فرصة لإعادة ترتيب صفوفه”، مطالباً بأن يتضمن أي اتفاق تخلي طهران عن تخصيب اليورانيوم وإنتاج الصواريخ الباليستية ودعم الجماعات المسلحة.
ويكشف الهجوم الحاد من أحزاب مختلفة أن المعارضة ترى في تعليق الحرب مسارًا يقيّد “إسرائيل” ويترك إيران قادرة على العودة لاحقًا.
واتهم بعض النواب اليمينيين في الكنيست، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ”الجبن” لأنه أوقف الحرب، وحذَّر رؤساء مجالس محلية في الشمال من أن وقف العمليات في لبنان سيكون “فشلاً أخلاقياً وأمنياً”.
وترى المعارضة أن هذا التحول دليل على فشل الاستراتيجية الشاملة، إذا كانت الأهداف المعلنة للحرب هي تعطيل البرنامج النووي الإيراني، وتدمير قدرات الصواريخ الباليستية، وتقييد نفوذ طهران الإقليمي، ما يجعل تحويل الحرب إلى لبنان محاولةً لصرف الأنظار عن الإخفاق الإسرائيلي في إيران.
ويعكس تبادل الاتهامات بين الحكومة والمعارضة أيضًا حسابات انتخابية، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن الحرب لم تمنح نتنياهو دفعة في الشعبية، وبقي تأييد ائتلافه عند نحو 40% مقابل 40% للمعارضة، ما يفسر إصراره على الاستمرار في ضرب لبنان لتعزيز صورة القيادة الحازمة.
حصيلة الحرب.. الفجوة بين الأهداف والنتائج
1. الأهداف المعلنة وما تحقق فعلاً
منذ بدء الهجوم على إيران أواخر فبراير/شباط 2026، رفع نتنياهو سقف الأهداف المعلنة، فقد تحدث عن القضاء على البرنامج النووي الإيراني وتدمير قدرات الصواريخ الباليستية وتقويض النظام في طهران وتجريد حزب الله من سلاحه.
وتكررت هذه الأهداف في خطاب الحكومة والمعارضة معًا، ما رفع سقف التوقعات لدى الجمهور، لكن مسار الحرب كشف لاحقًا فجوة واضحة بين ما أُعلن وما تحقق فعليًا.
ميدانيًا، قصفت “إسرائيل” والولايات المتحدة عشرات مواقع إطلاق الصواريخ والمنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وقتلتا عددًا من القادة الميدانيين.
لكن هذه الإنجازات العسكرية المعلنة اصطدمت بوقائع معاكسة، أبرزها استمرار قدرة إيران على إطلاق الصواريخ، بما يعني أن ترسانتها الصاروخية لم تُشل بالكامل، كما أن برنامجها النووي لم يتوقف.
وفي لبنان، تلقى حزب الله ضربة قاسية، لكنه لم يُجرد من سلاحه، بل إن استمرار الحرب هناك، وعدم إدراج لبنان في الهدنة، يكشفان أن “إسرائيل” لم تبلغ صورة النصر التي وعدت بها.
وقد أقرت مصادر عسكرية إسرائيلية بأن نزع سلاح حزب الله بالكامل “هدف غير واقعي”، ما دفع إلى خفض السقف نحو هدف أكثر محدودية يتمثل في إنشاء شريط عازل بدلًا من تفكيك المنظمة.

2. الخسائر البشرية والاقتصادية
أعلنت حكومة الاحتلال مقتل آلاف المقاتلين الإيرانيين وتدمير مراكز قيادة، لكن المعلومات المستقلة تشير إلى أن الحرب أوقعت أكثر من 5 آلاف قتيل في المنطقة، بينهم أكثر من 1,600 مدني في إيران ومئات المدنيين الآخرين في لبنان.
وتثير هذه الحصيلة أسئلة عن حقيقة “النصر الأخلاقي” الذي تروج له كلا من “تل أبيب” وواشنطن على اعتبار أن معظم الضحايا كانوا من المدنيين.
واقتصاديًا، قدّرت وزارة جيش الاحتلال كلفة كل يوم من الحرب بما بين 1.5 و1.7 مليار شيكل، أي ما يعادل 480 إلى 550 مليون دولار.
بدورها، قدرت وزارة المالية أن 30 يومًا من القتال رفعت الفاتورة إلى نحو 40 مليار شيكل، أي 12.6 مليار دولار، فيما حذر محللون تحدثوا لصحيفة كالكيست العبرية من أن أي عملية برية واسعة في لبنان سترفع الكلفة أكثر.
ولا تقف الخسائر عند هذا الحد، فالإغلاق الجزئي للمناطق الصناعية في الشمال تسبب في خسائر أسبوعية تُقدَّر بنحو 9.4 مليار شيكل، فضلًا عن ارتفاع ميزانية الدفاع بمليارات إضافية.
في المحصلة، خرجت “إسرائيل” من جولة الحرب الحالية بنتيجة ملتبسة، فقد مثّل وقف النار مع إيران اعترافًا ضمنيًا بأن الحرب المفتوحة لم تحقق أهدافها الكبرى، فيما يعكس الإصرار على إبقاء جبهة لبنان مشتعلة رغبة في استعراض القوة ومحاولة لتحصيل مكاسب تكتيكية.
وترى المعارضة في ذلك فشلًا مزدوجًا، فقبول هدنة لا تشمل بيروت يعني، في نظرها، أن الحكومة لم تقطف ثمار المواجهة مع إيران، فيما قد يقود نقل مركز الثقل إلى لبنان إلى غرق “تل أبيب” في مستنقع جديد.