بالتزامن مع سريان قرار وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران فجر الأربعاء 8 أبريل/نيسان، بدا وكأن العالم يلتقط أنفاسه أخيرًا بعد موجة تصعيد حبست الأنفاس ورفعت منسوب القلق الإقليمي والدولي، غير أن هذا المناخ لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما بعثرت “إسرائيل” تلك الأجواء، عبر تصعيد واسع ودموي في الجنوب اللبناني، شنّت خلاله واحدة من أعنف عملياتها العسكرية في مسار الصراع مع “حزب الله”، ما أسفر خلال ساعات قليلة عن مقتل أكثر من 250 لبناني وما يزيد على 1160 مصاب، وفق إحصاء رسمي للمديرية العامة للدفاع المدني اللبنانية.
وجاء هذا التصعيد في لحظة شديدة الحساسية، تزامنًا مع تأكيد طهران، ومن خلفها باكستان، أن الجبهة اللبنانية تدخل ضمن نطاق اتفاق التهدئة، وهو ما دفع الجانب الإيراني إلى التشديد على ضرورة الالتزام بالاتفاق بهذه الصيغة وعدم تجزئته سياسيًا أو ميدانيًا، لكن سرعان ما اصطدم هذا الطرح بالموقف الأمريكي، بعدما نفى الرئيس دونالد ترامب شمول لبنان ضمن الاتفاق، في وقت تصاعدت فيه أيضًا التكهنات بشأن منحه ضوءًا أخضر لحكومة بنيامين نتنياهو لتنفيذ هذه العملية العنيفة.
وهنا تجد إيران نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي من جهة لا تستطيع التخلي عن إسناد “حزب الله”، الذي انخرط في الحرب أصلًا بوصفه جزءًا من شبكة الدعم الاستراتيجي لطهران في مواجهتها مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، ومن جهة أخرى تدرك أن الذهاب بعيدًا في هذا الإسناد قد ينسف الاتفاق الهش مع واشنطن، ويقوض المسار التفاوضي الناشئ، ويدفع المنطقة مجددًا إلى نقطة الصفر.
وبين هذين الحدين، يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن لطهران أن تدير هذا التوازن الدقيق بين حماية حليفها اللبناني والحفاظ على خيط التفاهم المفتوح مع الأمريكيين؟
أعلنت المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني حصيلة هجمات الاحتلال على لبنان أمس الأربعاء، والتي بلغت 254 قتيلًا و1165 جريحًا، ما يرفع العدد الإجمالي إلى 1784 قتيلًا و5977 مصابًا منذ 2 آذار 2026 pic.twitter.com/bCUAuBiseT
— نون بوست (@NoonPost) April 9, 2026
خلاف مبكر وقراءات متباينة
بعد ساعات قليلة فقط من دخول الهدنة حيز التنفيذ، بدأت تتكشف بوضوح هوة الخلاف بين الأطراف بشأن تفسير عدد من البنود التي جرى تسريبها حول تفاصيل الاتفاق، وفي مقدمتها مسألة ما إذا كان لبنان مشمولًا بقرار التهدئة أم لا، فبينما حرص الوسيط الباكستاني على تأكيد إدراج الساحة اللبنانية ضمن الاتفاق، جاء الموقفان الإسرائيلي والأمريكي على النقيض تمامًا.
ففي بيان صادر عن مكتب رئيس وزراء الاحتلال، جرى التأكيد على أن الاتفاق لا يشمل لبنان، وأن استهداف “حزب الله” سيستمر بلا توقف، وهو ما دفع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الرد عبر منصة “إكس” قائلًا إن على الولايات المتحدة أن تختار بين وقف إطلاق النار أو مواصلة الحرب عبر “إسرائيل”، إذ لا يمكنها الجمع بين الأمرين معًا، متمسكًا بأن شروط التهدئة واضحة وتشمل لبنان.
لكن واشنطن قدمت رواية مغايرة تمامًا، إذ شددت على أن وقف إطلاق النار يتعلق بالحرب مع إيران وحدها ولا يمتد إلى الساحة اللبنانية، فيما مضى نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أبعد من ذلك حين قال إن الإيرانيين تصوروا أن الاتفاق يشمل لبنان، لكنه في الحقيقة لا يشمله، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لم تقدم أي التزام من هذا النوع، ومحذرًا في الوقت نفسه من أن يتحول ملف لبنان إلى عامل يهدد بانهيار التفاهم مع طهران.
With the greatest humility, I am pleased to announce that the Islamic Republic of Iran and the United States of America, along with their allies, have agreed to an immediate ceasefire everywhere including Lebanon and elsewhere, EFFECTIVE IMMEDIATELY.
I warmly welcome the…
— Shehbaz Sharif (@CMShehbaz) April 7, 2026
وفي ضوء هذا التباين، يبدو أن الأزمة لا تتعلق فقط بسوء فهم عابر أو باختلاف تقني في قراءة النصوص، بقدر ما تعكس صراعًا سياسيًا على تفسير البنود وتوظيفها بما يخدم حسابات كل طرف وأهدافه المعدة سلفًا، ومن ثم، فإن تضارب القراءات لا يعني بالضرورة وجود خطأ حرفي في النص بقدر ما يكشف عن محاولة متعمدة لتحميل الاتفاق دلالات مختلفة، بل ومتعارضة أحيانًا، وفقًا لموازين القوة والمصلحة.
ومن هنا، فإن الجدل حول بند لبنان لا يثير الشكوك بشأن تماسك الاتفاق فحسب، بل يفتح الباب أيضًا أمام تساؤلات أوسع تتعلق بجديته من الأساس، وبالدوافع الحقيقية التي أحاطت بصياغته وتوقيته، ويزداد هذا الشك عمقًا مع بروز تباينات أخرى لا تقل حساسية، سواء فيما يتعلق بمستقبل تخصيب اليورانيوم أو بمسار المشروع النووي الإيراني، بما يوحي بأن ما جرى التوصل إليه قد لا يكون اتفاقًا صلبًا بقدر ما هو استراحة مؤقتة أو تفاهم هش، قابل للاهتزاز عند أول اختبار جدي.
كيف تقرأ إيران هذا التصعيد؟
لا تنظر طهران إلى التصعيد الإسرائيلي في لبنان باعتباره مجرد خرق عابر للاتفاق يمكن احتواؤه أو ترميمه لاحقًا، بل تقرأه باعتباره خطوة أبعد وأعمق، بالنظر إلى دلالات توقيته وما يحمله من رسائل سياسية وأمنية تسعى تل أبيب من خلالها إلى تثبيت معادلة جديدة؛ معادلة تمنحها، من جهة، ورقة ضغط إضافية لتعزيز موقعها على طاولة التفاوض، ومن جهة أخرى تتيح لها إعادة تشكيل توازنات الإقليم بما يخدم رؤيتها للمرحلة المقبلة.
ومن هذا المنطلق، ترى إيران أن ما جرى لم يكن مجرد تصعيد ميداني، بل رسالة إسرائيلية مزدوجة، الرسالة الأولى موجهة إلى طهران نفسها، ومفادها أن أي تفاهم معها لا يعني تقييد حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية على الساحة اللبنانية، وأن التفاهم مع واشنطن لا ينسحب تلقائيًا على حلفاء إيران الإقليميين ولا يوفر لهم مظلة حماية مباشرة.
أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى الولايات المتحدة، لتأكيد أن تل أبيب ما زالت تحتفظ بحقها في تحديد ساحات الحرب والتهدئة وفق حساباتها الأمنية الخاصة، لا وفق الصياغات الدبلوماسية المرنة أو التفاهمات القابلة للتأويل.
وفي ضوء ذلك، تتعامل طهران مع هذا التصعيد بوصفه محاولة إسرائيلية لاستثمار لحظة الهدنة الأمريكية الإيرانية إلى أقصى حد ممكن، عبر تكثيف الضغط على “حزب الله” قبل أن تتبلور تفاهمات سياسية أوسع قد تفرض على “إسرائيل” سقفًا أعلى من القيود أو تحد من هامش مناورتها العسكرية، ومن هنا يمكن فهم الوحشية الاستثنائية لضربات الأربعاء، التي بدت، في نظر الإيرانيين، محاولة مدروسة لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل أن تستقر معالم المرحلة التالية.
كذلك يعتقد الإيرانيون أن هذا التصعيد يخدم هدفين رئيسيين، أولهما تعزيز استراتيجية فصل الجبهات وتفكيك ترابط “محور المقاومة”؛ فكما نجحت “إسرائيل” سابقًا في فصل الجبهة اللبنانية عن غزة، فهي تسعى اليوم إلى فصل الساحة اللبنانية عن المسار الإيراني نفسه، بما يضعف قدرة طهران على إدارة أوراقها الإقليمية كوحدة ضغط متماسكة.
أما الهدف الثاني فهو إرباك الاتفاق المبرم مع الولايات المتحدة، أو حتى تقويضه تدريجيًا، انطلاقًا من قناعة إسرائيلية بأنه لا يلبّي الحد الأدنى من طموحاتها ومصالحها، فيما ينظر إليه آخرون باعتباره مكسبًا سياسيًا لإيران وإخفاقًا واضحًا في تحقيق الأهداف الإسرائيلية القصوى.
وعليه، فإن القراءة الإيرانية لا تفصل بين الميدان والسياسة، ولا ترى في ما جرى مجرد عملية عسكرية محدودة، بل تعتبره جزءًا من معركة أوسع على شكل التفاهمات المقبلة، وحدود النفوذ، وطبيعة التوازنات التي ستُرسم في الإقليم بعد انقضاء هذه الجولة من الحرب.
طهران أمام معادلة معقدة
وفق ما كشفته تطورات الساعات الأخيرة، تبدو طهران واقفة أمام معادلة شديدة التعقيد والارتباك، إذ تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مر، الأول يتمثل في تقليص إسنادها لـ”حزب الله”، أو على الأقل خفض سقفه، حفاظًا على استمرار الاتفاق مع الولايات المتحدة، ولا سيما بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدتها خلال هذه الحرب، وما فرضته من ضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية تدفعها إلى التمسك بأي مسار يجنّبها جولة جديدة من الاستنزاف.
غير أن هذا المسار، على ما قد يوفره من فرصة لالتقاط الأنفاس، لا يمر بلا كلفة باهظة، فتراجع إيران عن دعم “حزب الله” قد يهز صورتها بوصفها القائد المركزي لمحور المقاومة، ويصيب مصداقيتها في الصميم أمام حلفائها الإقليميين، سواء في لبنان أو اليمن أو العراق.
كما أن مثل هذا التراجع قد يفتح الباب أمام انكماش نفوذها الإقليمي في المدى المقبل، ويضع حلفاءها في مواقف سياسية حرجة داخل بلدانهم، بما قد ينتهي عمليًا إلى تجريدها من واحدة من أهم أوراق القوة والردع التي راكمتها في المنطقة عبر سنوات طويلة.
قائد قوة القدس في ح..رس الث..ورة العميد إسماعيل قاآني في رسالة إلى مق..اومي لبنان ومج..اهدي جبهة المق..اومة: أُقبل أيديكم والص..هاينة سيندمون
— وكالة تسنيم للأنباء (@Tasnimarabic) April 9, 2026
أما الخيار الثاني، فيتمثل في المضي قدمًا في إسناد “حزب الله”، والتمسك بربط الاتفاق بضرورة تهدئة الجبهة اللبنانية، مع بقاء احتمال الرد عبر توجيه ضربات صاروخية إلى “إسرائيل” قائمًا، لكن هذا المسار بدوره ينطوي على مخاطر جسيمة، إذ من شأنه أن يرفع كلفة التفاوض مع واشنطن إلى مستويات أعلى، وأن يهدد بنسف المسار التفاوضي من أساسه، خاصة في ظل اللهجة الأمريكية المتشددة والتهديدات الصريحة الصادرة عن دونالد ترامب، التي أوحت بأن أي إخلال كامل بالاتفاق قد يفتح الباب أمام تصعيد أكبر وأعنف.
وهكذا تجد إيران نفسها أمام مفترق بالغ الحساسية، فإما أن تحافظ على الاتفاق وتدفع ثمنًا استراتيجيًا في موقعها الإقليمي، وإما أن تتمسك بحليفها اللبناني وتخاطر بإسقاط التفاهم مع واشنطن وإعادة المنطقة بأسرها إلى نقطة الصفر.
وبين هذين الخيارين، لا تبدو المسألة مجرد قرار تكتيكي عابر، ولا رد فعل مدفوع بحسابات سريعة، بقدر ما تبدو اختبارًا حقيقيًا لقدرة طهران على إدارة التوازن بين مقتضيات النفوذ وأدوات البقاء، وهو الاختبار الذي سيجيب عن الكثير من التساؤلات حول ملامح معادلة الردع والتوازن في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
مسارات ثلاثة
تحاول طهران، وفق هذه المقاربات، صياغة معادلة شديدة الدقة قوامها إسناد الجبهة اللبنانية من دون الذهاب إلى حد تفجير الاتفاق مع الولايات المتحدة، غير أن هذه المعادلة لا تبدو سهلة التطبيق، إذ تضع إيران أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لكل منها فرصه ومخاطره وحدوده.
السيناريو الأول هو السيناريو الدبلوماسي، ويقوم على تكثيف الضغط عبر الوسطاء، والعمل على بناء موقف دولي داعم لفكرة إدراج لبنان ضمن الاتفاق خلال مهلة الأسبوعين المحددة للتهدئة، إلا أن هذا المسار لا يبدو ميسورًا، في ظل إصرار حكومة بنيامين نتنياهو على الاحتفاظ بالساحة اللبنانية كورقة سياسية وأمنية بالغة الأهمية، ليس فقط في سياق التفاوض الإقليمي، بل أيضًا بما يخدم وضع نتنياهو نفسه داخليًا وخارجيًا.
أما السيناريو الثاني، فيرتبط بالمسار السياسي التفاوضي، عبر توظيف ما تملكه طهران من أوراق ضغط على طاولة المباحثات، وفي هذا السياق، قد تلجأ إيران إلى ورقة مضيق هرمز، لكن ليس بالضرورة من خلال التصعيد الميداني المباشر، وإنما بوصفها أداة ضغط سياسية تفاوضية، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي مكثف. وقد يمتد هذا المسار إلى مناقشة بعض التنازلات المحتملة التي يمكن لطهران أن تطرحها مقابل ضم لبنان إلى الاتفاق، سواء ما يتعلق بمستويات التخصيب، أو بنقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، أو حتى ببعض جوانب المشروع النووي في صورته الأشمل.
وبهذا المعنى، لا يعود “حزب الله” مجرد ورقة اشتعال أو أداة تصعيد، بل يتحول إلى ورقة تفاوضية تسعى إيران من خلالها إلى إعادة صياغة شروط التهدئة نفسها، ولهذا السبب، قد يكون هذا السيناريو أكثر قابلية لأن يجد صدى لدى الولايات المتحدة إذا رأت فيه مدخلًا إلى مكاسب أوسع.
Achieved every single objective on schedule and exactly as planned from day one.
– Iran's Navy: Destroyed.
– Defense industrial base: Annihilated.
– Nuclear weapon ambitions: Denied.
Iran’s ability to threaten the region has been systematically dismantled. pic.twitter.com/K4NkXIp48m
— The White House (@WhiteHouse) April 8, 2026
ثم يأتي السيناريو الثالث، وهو السيناريو العسكري، والأكثر حساسية وخطورة، وينقسم بدوره إلى مسارين، المسار الأول يقوم على تعويض “حزب الله” عبر دعمه لوجستيًا وعسكريًا واستخباراتيًا، وتكثيف إمداده بما يمكنه من الصمود في مواجهة إسرائيل، بما يحول المعركة إلى حرب استنزاف طويلة تستنزف تل أبيب وتضعها في موقف حرج، مع إدخال بقية وكلاء إيران في المنطقة ضمن تلك الحرب، غير أن هذا المسار يواجه عقبة أساسية تتمثل في عامل الوقت، إذ إن الزمن هنا لا يعمل بالضرورة لصالح طهران، خاصة إذا كانت “إسرائيل” تسابق اللحظة لفرض وقائع ميدانية قبل اتضاح مصير الاتفاق.
أما المسار الثاني، فهو الخيار الشمشوني الأكثر تطرفًا وخطورة، والذي قد يقلب كافة الحسابات، ويتعلق بتجميد الاتفاق والعودة إلى استئناف العمليات ضد “إسرائيل” بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما يعني عمليًا نسف التهدئة وإعادة التصعيد إلى واجهة المشهد من جديد.
مثل هذا الخيار وإن كان يمنح طهران فرصة للظهور بمظهر الطرف الذي لم يتخل عن حلفائه، فإنه يرفع في المقابل كلفة المواجهة مع الولايات المتحدة إلى مستويات أعلى، ويدفع المنطقة مجددًا إلى المربع صفر، ومع ذلك يظل مرهونًا بقدرات إيران الفعلية، ومدى استعدادها لتحمل تبعات معركة أطول، وبحدود ما تملكه من أدوات حقيقية لإدارة هذا التصعيد والاستمرار فيه.
وإذن، تجد طهران نفسها أمام اختبار هو الأشد حساسية منذ بدء هذه الجولة من الحرب، فإما أن تحافظ على تماسك شبكة حلفائها ووحدة ساحاتها وأدوات نفوذها الإقليمي، وإما أن تتمسك بالتهدئة وتتجنب انفجارًا جديدًا قد يحمل معها موجات نزيف تهدد ليس فقط موقعها في الإقليم، بل استقرار نظامها الحاكم نفسه، وبين هذين المسارين، يبقى التحدي الأبرز: كيف تحمي إيران صورتها أمام حلفائها من دون أن تُسقط التفاهم مع واشنطن وتسحب المنطقة مرة أخرى إلى حافة الانفجار؟