• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تقسيم السودان لم ينجح في الماضي.. ولن ينجح الآن

أحمد كدودة٩ أبريل ٢٠٢٦

نساء نازحات في مدينة الأُبيّض بالسودان، في شهر يناير/ كانون الثاني 2026.

ترجمة وتحرير: نون بوست

بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الأهلية الكارثية في البلاد، تحوّلت ساحات المعارك المتفرقة في السودان إلى ما يُشبه التقسيم الفعلي. أحكمت القوات المسلحة السودانية (الجيش السوداني)، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، سيطرتها على أجزاء واسعة من شمال وشرق ووسط السودان.

وفي المقابل، تبسط قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (المعروف بـ “حميدتي”)، هيمنتها على إقليم دارفور في الغرب ومساحات كبيرة من إقليم كردفان في وسط البلاد.

وقد عمد كل فصيل إلى تأسيس حكومة منافسة للأخرى، حيث تتمركز حكومة الجيش بين مدينة بورتسودان والعاصمة الخرطوم، بينما تتخذ حكومة الدعم السريع من مدينة نيالا في جنوب دارفور مقرًا لها، فضلًا عن إرساء اقتصادين مختلفين. ورغم إصرار كلا الطرفين على أنهما يقاتلان من أجل الحفاظ على سودان موحد، إلا أنه كلما طال أمد هذا الانقسام الحالي، زادت صعوبة إعادة توحيد البلاد.

أدى هذا الانقسام الجغرافي الواضح، مقترنًا بفشل المحاولات المتعددة للتوصل إلى تسوية سلمية تحافظ على وحدة السودان، إلى إثارة احتمالات تعرض البلاد لتقسيم رسمي آخر، وذلك بعد مرور 15 عامًا على انفصال جنوب السودان. وقد حذرت مراكز أبحاث كبرى، مثل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، من أن السودان بات يقف على شفا الانقسام والتشرذم.

وفي هذا السياق، شرعت قوات الدعم السريع وحلفاؤها من القوى المدنية في إرساء هياكل إدارية لحكم غرب السودان بشكل مستقل. ورغم أن بيانهم السياسي يتحدث ظاهريا عن “الوحدة الطوعية” للبلاد، إلا أنه يعلن في الوقت ذاته صراحة أن “جميع الشعوب في السودان.. لها الحق في تقرير المصير”.

هذا الانزلاق التدريجي نحو التفتت يتسارع بوتيرة مقلقة، إذ تعمل قوات الدعم السريع حاليًا على إنشاء بنك مركزي موازٍ، في حين يخطط كلا الجانبين لإجراء امتحانات شهادة ثانوية عامة منفصلة عن الأخرى.

وهناك تصور سائد في الخارج بأن قوات الدعم السريع والجيش السوداني يمثلان هويات مختلفة، وهو ما يجعل خيار التقسيم يبدو ظاهريًا كحل أمثل لإنهاء دوامة العنف في البلاد. وفقًا لهذا الفهم السطحي للأزمة، يمثل الجيش السوداني الطبقة الحاكمة التقليدية في البلاد – النخب العربية على ضفاف النيل والإسلاميين الذين هيمنوا على السياسة السودانية لفترة طويلة -، بينما تُمثل قوات الدعم السريع وحلفاؤها في الغالب المجتمعات العربية الرعوية وغيرها من المجتمعات في دارفور وكردفان، والتي عانت طويلًا من التهميش على يد الحكومات المتعاقبة في الخرطوم.

غير أن المضي في طريق التقسيم سيكون خطأً فادحًا. لن يفرز تقسيم السودان دولًا قادرة على الصمود والاستمرار اقتصاديًا، ولن يضع حدًا لأعمال العنف التي عصفت بالبلاد منذ ما قبل استقلالها في عام 1956.

ولنا في جنوب السودان قصة وعبرة. كان الهدف من استقلاله عام 2011 هو حل صراع مشابه للصراع الحالي، لكنه فشل فشلًا ذريعًا في تحقيق ذلك، رغم أن جنوب السودان تلقى مساعدات من الأطراف الدولية الفاعلة تفوق بكثير ما قد تحظى به أي دولتين سودانيتين جديدتين محتملتين.

واليوم، تمتد خطوط الصدع والانقسام في السودان إلى أعماق أبعد بكثير مما قد يوحي به الجمود العسكري الذي يشطر البلاد بين شرق وغرب. وبالتالي، فإن أي محاولة لإضفاء الطابع الرسمي على هذا الانقسام الظاهري لن تعالج الأسباب الجذرية للصراع، بل من المرجح جدًا أن تجعل الأمور أسوأ بكثير.

الماضي تمهيد للمستقبل

لطالما كان السودان واحدًا من أكثر بلدان قارة أفريقيا تنوعًا، وقد جُمعت أجزاؤه تلبيةً لمصالح براغماتية استعمارية. وُلد هذا البلد ليحتضن المئات من المجموعات العرقية، حيث تتركز التجمعات السكانية العربية المسلمة على طول نهر النيل، بينما تسود المجتمعات غير العربية، سواء المسيحية أو التي تدين بالمعتقدات الإحيائية، في الجنوب.

وقد رسّخ نصف قرن من الحكم البريطاني، الذي بدأ عام 1899، هذه الانقسامات، حيث وضع المجموعات العربية النيلية في مراكز السلطة والنفوذ، واقتصر تشييد البنية التحتية بشكل شبه حصري على مناطق الشمال. أما الجنوب السوداني، فقد خضع للحكم بموجب “سياسة جنوبية” منفصلة، تعمدت إبقاءه في حالة من التخلف.

ومع تسليم مقاليد السلطة للنخب الشمالية قُبيل إعلان الاستقلال عام 1956، اندلعت شرارة الحرب الأهلية. ورغم التوصل إلى اتفاقية سلام عام 1972 أنهت هذه الحرب الأهلية السودانية الأولى، إلا أن الاتفاقية انهارت في غضون عقد من الزمن بعد إقرار الخرطوم تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع أنحاء البلاد.

ثم جاءت الحرب الأهلية السودانية الثانية لتكون أشد تدميرًا وفتكًا، حيث حصدت أرواح أكثر من مليوني إنسان بين عامي 1983 و2005، في ظل محاولات المتمردين الجنوبيين للحصول على نفوذ أكبر. وفي نهاية المطاف، أدت اتفاقية السلام المبرمة عام 2005 إلى إنهاء القتال، ومهدت الطريق لإجراء استفتاء عام 2011 حول حق تقرير المصير للجنوب، والذي حظي بتأييد 99 بالمائة من أبناء جنوب السودان.

لطالما تمسك الاتحاد الأفريقي وقادة أفارقة بمبدأ الحفاظ على الحدود الاستعمارية للقارة، وذلك لتجنب الانزلاق إلى نزاعات إقليمية لا تنتهي. ورغم ذلك، حظي تقسيم السودان بقبول واسع النطاق على أنه استثناءً للقاعدة، وهو قبول نابع من اعتقاد راسخ بأن الشمال السوداني العربي المسلم والجنوب الأفريقي المسيحي لن يتمكنا أبدًا من التعايش معًا في ظل كيان سياسي موحد وعادل.

إثر ذلك، ضخت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية موارد هائلة في دولة جنوب السودان حديثة التأسيس، على أمل أن تضمن احتياطياتها النفطية الكبيرة تحقيق التنمية والاستقرار.

غير أن كل هذا التفاؤل تبخر وتلاشى في غضون عامين فقط. ففي حقيقة الأمر، لم يكن ذلك الصراع – الذي بدا واضح المعالم وفقًا لأسس جغرافية وعرقية دينية – بتلك البساطة على الإطلاق.

تفجرت صراعات الهوية نتيجة لفشل الدولة السودانية في إدارة التنوع بشكل بنّاء على كافة المستويات، سواء بين المكونات الكبيرة، أو حتى داخل المجتمعات المحلية الأصغر. وما حدث بعد استقلال الجنوب هو أنه بدلًا من معالجة المظالم، طفت على السطح مجموعة واسعة من النزاعات التي كانت مستترة تحت مظلة الصراع بين الشمال والجنوب، مثل الخلافات حول حقوق رعي الماشية، والسيطرة على المناطق المنتجة للنفط، والتنافس المحموم على المناصب الحكومية والمحسوبية.

وفي مشهد درامي، بدأت النخب السياسية – التي حاربت جنبًا إلى جنب في معركة التحرير – تتقاتل فيما بينها، مستخدمة نفس أساليب التهميش والتعبئة العرقية واستنزاف الموارد، والتي لطالما استخدمتها الخرطوم ضد الجنوب.

وفي أواخر عام 2013، اندلع خلاف سياسي بين رئيس جنوب السودان سلفا كير ونائبه رياك مشار، وتحوّل إلى حرب أهلية طاحنة، أسفرت على مدى السنوات الخمس التي تلتها عن مقتل نحو 400 ألف شخص وتشريد أكثر من أربعة ملايين آخرين.

ولأن جنوب السودان نال سيادته قبل بذل أي جهد حقيقي لمعالجة الدوافع الجذرية للصراع، أو تطوير الاقتصاد الذي غذّى عقودًا من التمرد، فإن الاستقلال لم يفعل شيئًا سوى نقل خطوط الصراع إلى مواقع جديدة.

اندلعت الحرب بالأساس بين عرقية “الدينكا” التي ينتمي إليها الرئيس سلفا كير، وعرقية “النوير” التي ينتمي إليها خصمه رياك مشار، واتُهم الطرفان بارتكاب فظائع مروعة بحق المدنيين.

غير أن دائرة العنف لم تقتصر على المجموعتين، بل سارعت جماعات عرقية أصغر إلى تشكيل فصائلها المسلحة، واصطف بعضها إلى جانب كير، وانحاز البعض الآخر إلى مشار. وقد انتهجت مجموعات أخرى أجندات أكثر استقلالية، مستخدمةً العنف لتسوية مظالم محلية لم يعالجها استقلال جنوب السودان.

إثر ذلك، تدخل وسطاء دوليون لرعاية اتفاقيات سلام في عامي 2015 و2018. وفي كل مرة، كان يتم تشكيل حكومات لتقاسم السلطة بهدف قيادة البلاد نحو إجراء انتخابات وإرساء سلام أكثر استدامة. ولكن التنفيذ الكامل لهذه الاتفاقيات كان يصطدم بالتأجيل المستمر، وتبقى الوعود حبرًا على ورق.

وقد ثبت أن “الحركة الشعبية لتحرير السودان” – وهي الفصيل المتمرد الذي حمل لواء تحرير الجنوب وأصبح لاحقًا الحزب الحاكم – أكثر براعة بكثير في خوض غمار الحروب من بناء مؤسسات الدولة.

بدلًا من توجيه العوائد لتطوير البنية التحتية أو التعليم أو الرعاية الصحية، تم ضخ الثروة النفطية – التي تشكل نحو 98 بالمائة من الإيرادات الحكومية – بشكل ممنهج في شبكات المحسوبية والحسابات المصرفية الخاصة.

وفي هذا الصدد، سلط تقرير صادر عن الأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2025 الضوء على حقيقة أن نحو 25 مليار دولار من عائدات النفط التي حصدتها دولة جنوب السودان منذ استقلالها، لم تثمر عن أي تحسن يُذكر في قدرة الحكومة على توفير الخدمات الأساسية لشعبها.

هكذا تحولت البلاد إلى نموذج صارخ لـ”الكليبتوقراطية” (حكم اللصوص)، واستمرت سياساتها واقتصادها في مكافأة العنف. دأب سلفا كير على شراء ولاءات أتباعه وخصومه المحتملين عبر توزيع الثروة النفطية.

كان جنوب السودان يعتمد في تصدير نفطه بالكامل على خط أنابيب يمرّ عبر السودان. وعندما تسببت الحرب الأهلية السودانية في تعطل هذا الخط، وجدت الحكومة في جوبا نفسها عاجزة عن توفير تلك “الغنائم” التي سمحت لكير بإحكام قبضته على السلطة.

نتيجة لذلك، أصبح الاستبعاد من شبكات المحسوبية حافزًا قويًا للتمرد. ففي أعقاب حالة الطوارئ المالية الناجمة عن تعطل خط الأنابيب، وتحديدًا في شهر مارس/ آذار 2025، اجتاحت ميليشيا من عرقية النوير الموالية لمشار قاعدة عسكرية تابعة لجيش جنوب السودان بالقرب من الحدود الإثيوبية.

وردًا على ذلك، فرض كير الإقامة الجبرية على مشار، واعتقل العشرات من كبار رموز المعارضة. وفي سبتمبر/ أيلول، وُجّهت لمشار اتهامات بالخيانة العظمى، والقتل، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

إثر ذلك، أعلن فصيل مشار بطلان اتفاق السلام المبرم عام 2018، ليتسع نطاق القتال ويشمل ولايات أعالي النيل، وجونقلي، والاستوائية الوسطى. وفي عام 2025، فرّ نحو 300 ألف مدني من البلاد، ونزح نصف هؤلاء اللاجئين عائدين إلى السودان، مفضلين اللجوء إلى جارتهم التي تمزقها الحرب، لاعتقادهم أنها تمثل ملاذًا أكثر أمانًا.

لا توجد حلول سهلة

يُثبت المسار الذي سلكه جنوب السودان أن التقسيم لا يحل شيئًا، إذا كانت الدولة مجرد غنيمة يجب الاستيلاء عليها واحتكارها، وليست مؤسسة غايتها خدمة مواطنيها.

ومن هنا، فإن تقسيم السودان مجددا من شأنه أن يعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار ذاتها، لا سيما أن أي دولتين سودانيتين جديدتين لن تحظيا مطلقًا بفرصة جذب الدعم الدولي، والمساعدات الإنسانية، والاهتمام الدبلوماسي، بالقدر الذي حظي به جنوب السودان.

علاوة على ذلك، فإن التوزيع الجغرافي للموارد الطبيعية الوفيرة في السودان، فضلًا عن الأنماط التجارية السائدة في البلاد، يجعلان من خيار التقسيم الرسمي أمرًا غير منطقي وغير متماسك من الناحية الاقتصادية.

فالقوات المسلحة السودانية تسيطر على البنية التحتية الحيوية في شرقي البلاد ووسطها، إلى جانب سيطرتها على كافة الموانئ السودانية على ساحل البحر الأحمر، ومصافي النفط، وخطوط الأنابيب التي تنقل الخام إلى الساحل. كما تُحكم قبضتها على أراضٍ زراعية شاسعة وخصبة تمتد على طول النيل.

في المقابل، تستحوذ قوات الدعم السريع على العديد من المناطق المنتجة للنفط بالقرب من الحدود مع جنوب السودان، وتسيطر على القسم الأكبر من الثروة الحيوانية في البلاد (والتي تُعد عاشر أكبر ثروة حيوانية في العالم)، فضلًا عن هيمنتها على أغلب إنتاج الصمغ العربي، الذي يُعد السودان المُنتج الأول له عالميًا. أما احتياطيات الذهب، فهي متناثرة في المنطقتين، بيد أنها لن تكون كافية لإعالة اقتصادين مستقلين.

وعليه، فإن أي دولة جديدة تنشأ في غرب السودان تحت سيطرة قوات الدعم السريع – وهي قوة شبه عسكرية تفتقر إلى أي خبرة في الحكم – ستجد نفسها دولة حبيسة ومغلقة تمامًا، ومحرومة من طرق التصدير الرسمية، ومضطرة للاعتماد على شبكات التهريب عبر دولتي تشاد أو ليبيا.

ورغم سيطرتها على حقول النفط، فإنها ستقف مكتوفة الأيدي أمام عجزها عن تصدير الخام دون إبرام اتفاقية تعاون مع الجيش السوداني لاستخدام مصافيه ومحطات التصدير التابعة له، وهو اتفاق يبدو بعيد المنال في ظل العداء التاريخي والمستحكم بين الفصيلين. 

وحتى في حال التوصل إلى اتفاق رسمي، فإن الخرطوم ستمتلك كل الدوافع لفرض رسوم قاسية أو حتى حظر تصدير النفط كليًا، وهو سلاح استخدمته مرارًا وتكرارًا ضد جنوب السودان منذ عام 2011.

وبناءً على كل ذلك، ستظل الدولة الناشئة في غرب السودان رهينة الاقتصاد غير المشروع الذي يموّل مجهودها الحربي حاليًا، وسوف تعجز عن توفير الإيرادات الشرعية الضرورية لتأسيس حكومة فاعلة تؤدي مهامها.

وفي غضون ذلك، ستستمر دولة شمال وشرق السودان، الخاضعة لسيطرة الجيش، في التمتع بالوصول إلى الموانئ البحرية الحيوية، فضلًا عن امتلاك بعض الإمكانات الزراعية. إلا أنها ستفقد في المقابل إيرادات ضخمة من الموارد الطبيعية، وستجد نفسها في مواجهة مستمرة مع تهديدات التمرد القادمة من أطرافها وهوامشها.

وهكذا، لن يمتلك أي من الكيانين الموارد الكافية لإطلاق عملية إعادة الإعمار الضخمة التي تتطلبها أراضيهما المدمرة. وسيبقى كلاهما حبيس دائرة الصراع والتنافس المحموم على الموارد غير المستغلة (بما في ذلك النفط، واحتياطيات الذهب في المناطق المتنازع عليها، والأراضي الزراعية الخصبة)، ناهيك عن النزاعات الحدودية في المناطق التي تتضارب فيها المصالح.

ولن يكون الوضع العرقي والديموغرافي أقل تعقيدًا واحتقانًا. فالانقسام الواضح والمنظم بين الشرق والغرب، والذي توحي به خرائط الصراع، لا وجود له على أرض الواقع.

تستمد قوات الدعم السريع مقاتليها بالأساس من المجتمعات العربية الرعوية في إقليمي دارفور وكردفان، مثل قبائل الرزيقات، والمسيرية، وبني هلبة، والسلامات. بيد أن هذه المجتمعات تعاني في حد ذاتها من انقسامات داخلية عميقة. ففي حين انحاز العديد من الشباب في الغرب إلى قوات الدعم السريع، لا يزال الكثير من زعماء وشيوخ القبائل البارزين والمؤثرين يحتفظون بولائهم للجيش السوداني.

وفي جنوب كردفان، أعلنت “الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال” – وهي حركة متمردة تسيطر على مساحات شاسعة في جبال النوبة – تحالفها مع الحكومة الجديدة التي شكلتها قوات الدعم السريع. غير أن الحاضنة الشعبية لهذه الحركة من أبناء النوبة، تمتلك إرثًا تاريخيًا طويلًا من القتال ضد الميليشيات العربية والمؤسسة العسكرية السودانية المتمركزة في الخرطوم على حد سواء.

ومن شأن هذه الولاءات المتشابكة والمعقدة أن تترك الدولتين بلا هويات وطنية متماسكة أو قواعد اجتماعية راسخة. كما أنها ستترك أعدادًا هائلة من السكان تحت رحمة سلطات معادية لهم، أو محاصرين في الجانب الخطأ من الحدود الجديدة.

لقد تحملت المجتمعات الزراعية غير العربية في دارفور (مثل الفور، والمساليت، والزغاوة) العبء الأكبر من الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، بما في ذلك أعمال العنف التي صنفتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 2025 على أنها إبادة جماعية.

ولا شك أن أي تقسيم رسمي يمنح قوات الدعم السريع سلطة حكم غرب السودان، سيكتب على هذه المجتمعات الخضوع الأبدي لتلك القوات ذاتها التي دأبت على قتل أبنائها، وتهجيرهم، وسلب ممتلكاتهم بشكل ممنهج لأكثر من عقدين من الزمن.

وبالمثل، سيجد الملايين من أبناء إثنيات دارفور وجبال النوبة، الذين عاشوا طويلًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، أنفسهم في عزلة سياسية واجتماعية خانقة، ليواجهوا فصولًا جديدة من التهميش والإقصاء.

في جوهر الأمر، لم يكن العنف في السودان يومًا متعلقًا بالسيطرة على الأراضي والجغرافيا. فالصراعات المتجذرة في السودان هي نتيجة حتمية لسوء إدارة شؤون البلاد من الأنظمة المتعاقبة في الخرطوم، والتي لطالما استنزفت الموارد وهمشت المجموعات العرقية في الأطراف.

وقد تحوّل الفصل الحالي من الحرب الأهلية إلى عشرات الصراعات المتداخلة حول الأراضي، والمياه، وحقوق الرعي، وادعاءات ملكية المناجم. عمد كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى تسليح الميليشيات المحلية والجماعات القبلية التي تعاني مظالم تاريخية أقدم بكثير من الصراع الحالي.

وفي هذا السياق، استخدمت قوات الدعم السريع على وجه التحديد، أسلوبًا أشبه بنموذج “الامتياز”، حيث قدمت الأسلحة للمجتمعات العربية المتحالفة معها مقابل المشاركة في مجهودها الحربي. غير أن ولاء هذه الجماعات لقيادة الدعم السريع هو ولاء نفعي وقائم على المصالح المتبادلة في أحسن الأحوال، حيث استغلت السردية العامة للحرب كغطاء لدفع أجنداتها السياسية والاقتصادية.

في الوقت ذاته، يعاني معسكر الجيش السوداني من التصدع، فتحالفه الذي يضم فصائل إسلامية، ومتمردين من دارفور موالين للجيش، وميليشيات قبلية، لا يجمعه سوى العداء المشترك لقوات الدعم السريع، وليس امتلاك رؤية مشتركة لمستقبل البلاد.

حلول ترقيعية

صناع السياسات الذين يتخيلون التقسيم حلاّ لتنفيس الضغط، يسيئون فهم طبيعة وتعقيد حروب السودان. فأي وقف لإطلاق النار يقتصر على تجميد الصراع الحالي، لن يفعل شيئًا يُذكر لمعالجة المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكامنة.

على العكس، سوف يوفّر إطارًا جديدًا يمكن للجهات المسلحة من خلاله مواصلة محاولاتها لتحقيق أهداف فئوية ضيقة، مثل الاستيلاء على الأراضي الزراعية، أو السيطرة على احتياطيات الذهب، أو تصفية الحسابات والثأر القبلي.

إن رسم خط فاصل يمرّ عبر إقليم كردفان من شأنه أن يخلق دولتين ضعيفتين، كلتاهما مثقلة بالانقسامات الداخلية والسكان المعادين، وتفتقر إلى الأسس الاقتصادية الضرورية للتعافي. وسوف تستمر كل دولة بامتلاك حوافز قوية لزعزعة استقرار الدولة الأخرى، مما يمهد الطريق لاندلاع صراعات محلية فرعية لا تنتهي، ويقضي على أي فرصة – مهما كانت ضئيلة الآن – للتوصل إلى تسوية وطنية تفاوضية شاملة.

علاوة على ذلك، فإن تقسيمًا آخر للسودان من شأنه أن يزعزع استقرار جيرانه. تواجه تشاد الخطر الأكبر، حيث تتشابه خطوط التصدع العرقي فيها مع تلك التي تمزق جارتها الشرقية، كما أن العديد من المجموعات العرقية في دارفور (بما في ذلك قبيلة الزغاوة، التي تمثل قاعدة نفوذ ودعم الرئيس التشادي محمد ديبي) تتداخل وتنتشر على جانبي الحدود السودانية التشادية.

وإذا ما سيطرت قوات الدعم السريع رسميًا على غرب السودان، فإن ذلك سيوفر للمجتمعات العربية المهمشة في تشاد راعيًا قويًا وموردًا سخيًا للأسلحة، وسيلهم محاولات مماثلة للمطالبة بالحكم الذاتي أو الانفصال داخل تشاد ذاتها.

باعتبارها قوة شبه عسكرية، يتعين على قوات الدعم السريع حاليا العمل خارج القنوات الرسمية، لكن إذا ما نشأت دولة في غرب السودان تحظى باعتراف دولي، فإنها ستتمكن من تلقي الاستثمارات الأجنبية وشحنات الأسلحة بشكل علني، وستدعي امتلاكها الشرعية القانونية للتدخلات العابرة للحدود.

من جهتها، تواجه إثيوبيا ضغوطًا مختلفة لكنها لا تقل خطورة. أدت حرب السودان إلى تفاقم التوترات الداخلية في إثيوبيا، التي تحتفظ حكومتها بعلاقات وثيقة مع قوات الدعم السريع بسبب الرعاية والدعم المشترك من دولة الإمارات العربية المتحدة.

تعيش إثيوبيا وضعا هشًّا، حيث إن اتفاق عام 2022 الذي أنهى الحرب في إقليم تيغراي الشمالي لا يُنفذ بشكل كامل، في حين تستمر التوترات بين أديس أبابا والقوات المتمردة في إقليمي أمهرة وأوروميا.

في غضون ذلك، تسيطر “الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال”، المتحالفة مع قوات الدعم السريع، على أراضٍ متاخمة لإثيوبيا. وفي شهر مارس/ آذار الماضي، فتحت هذه الحركة جبهة جديدة، حيث شنت هجمات انطلاقًا من معسكرات تدريب داخل الأراضي الإثيوبية.

سيطرة قوات الدعم السريع على إقليم النيل الأزرق قد تخلق منطقة معزولة عن بقية أراضيها، مما يزيد من تعقيد وضعها في حالة التقسيم. وإذا تم تقسيم السودان رسميًا، ستواجه إثيوبيا احتمالًا حقيقيًا لتنافس عدة كيانات مسلحة على طول حدودها.

في غضون ذلك، دعمت إريتريا الجيش السوداني بسبب بقلقها من التهديد الذي تشكله قوات الدعم السريع على النظام الإقليمي، ودورها كأداة للنفوذ الإماراتي في منطقة القرن الأفريقي.

وإذا ما أصبح التقسيم واقعًا رسميًا، فإن ذلك سيزيد من احتمال تجدد الصراع المباشر بين إريتريا وإثيوبيا، وسوف يزعزع التوازن السياسي الهش الذي أرسته أسمرة منذ حصولها على الاستقلال عن إثيوبيا عام 1993. فوجود دولة تقودها قوات الدعم السريع ومتحالفة مع إثيوبيا بالقرب من أراضيها، سيضع أسمرة في مواجهة جارة معادية على خاصرتها الجنوبية، مما يخلق تهديدًا جديدًا لاستقرارها وأمنها الداخلي.

أما جنوب السودان، فإنه سيكون مهددًا على نحو خاص. يعتمد اقتصاد البلاد بشكل شبه كامل على النفط الذي يتدفق عبر خطوط أنابيب تمرّ من الأراضي الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع والجيش السوداني. وقد أدى تعطل الصادرات النفطية بسبب الحرب الأهلية السودانية إلى القضاء على أكثر من نصف إيرادات جوبا.

تقسيم السودان من شأنه أن يخلق دولتين يتعين على جنوب السودان التفاوض معهما وتقاسم عائداته النفطية معهما. وجود دولتين معترف بهما يعني مطالبة كل منهما برسوم عبور منفصلة، أو استخدام خط الأنابيب كورقة ضغط ومساومة سياسية، في حين أن بلدًا موحّدًا يوفّر شريكًا تفاوضيًا واحدًا.

وإذا ما اندلعت حرب أخرى بين الدولتين السودانيتين حديثتي التأسيس، سيكون لكلٍّ منهما حوافز لزرع أذرع ووكلاء في جنوب السودان. حينها، لن يكون جنوب السودان – الضعيف والمنقسم أصلًا – قادرًا على مقاومة الضغوط الاقتصادية، وتدفق الأسلحة، والانتهاكات الحدودية، وسينتهي به المطاف إلى مزيد من عدم الاستقرار.

كما أن إضفاء الطابع الرسمي على دولة تديرها قوات الدعم السريع من شأنه أن يرسّخ حضور شبكات تهريب الذهب غير المشروعة، والتي تمرّ عبر جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا، مما سيقدم مزيدًا من الدعم للجهات المسلحة التي تجني الأرباح من هذه الطرق. وفي المقابل، إذا تولى الجيش السوداني إدارة دولته الخاصة، فإن تحالفه مع الحركة الإسلامية في السودان سيشجع على المزيد من التطرف العنيف.

طريق الخلاص

لا يمكن إنهاء الحرب الأهلية في السودان من خلال التركيز بشكل ضيّق على الفصيلين الرئيسيين المتحاربين حاليًا، والسعي لإيجاد طريقة لتقاسم السلطة بينهما أو تقسيم البلاد.

لن يؤدي التقسيم إلا إلى تأجيل العمل الشاق المتمثل في بناء حكم ديمقراطي شامل، وخلق دولتين ضعيفتين، تواجه كل منهما الانقسامات الداخلية ذاتها التي تجعل حكم البلاد كدولة متماسكة اليوم أمرا مستحيلا.

لا يمكن تحقيق سلام حقيقي إلا من خلال المعالجة الشاملة للأسباب الجذرية للصراع. فقد فشلت مفاوضات السلام السابقة جزئيًا لأنها استبعدت المدنيين وركّزت جل اهتمامها على الترتيبات الأمنية بدلًا من التركيز على التحول السياسي الحقيقي.

الاستراتيجية الأكثر فعالية يجب أن تعالج الاحتياجات الإنسانية العاجلة للمدنيين، وأن تؤسس لعملية سياسية تُشرك جميع الأطراف دون إقصاء، مصحوبة بعمليات مصالحة وطنية تراعي الأبعاد الثقافية، فضلًا عن إرساء آليات للمساءلة والمحاسبة عن الجرائم المروعة التي ارتكبتها جميع الأطراف.

من أجل أن يطوي السودان صفحة حروب الهوية المتكررة، يجب على الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة التي تمتلك النفوذ والتأثير – وخاصة مصر وإثيوبيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – فرض حظر صارم على الأسلحة، ومعاقبة من يعرقل هذه الجهود من كلا الجانبين.

كما يتعين على هذه الأطراف تمويل مبادرات السلام التي يقودها المدنيون في المناطق التي توقّف فيها القتال، وتوجيه رسالة واضحة مفادها أن أيًا من الفصيلين لن يحظى باعتراف دولي دون التزام جاد بحماية المدنيين. كما يجب اشتراط إشراك المدنيين كركيزة أساسية لأي انخراط دولي في مستقبل السودان.

تدفع الديناميكيات المتسارعة على الأرض بشكل مستمر نحو التفتت. ولكن يجب على جيران السودان، فضلًا عن القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، استخلاص العبرة من درس جنوب السودان، حيث لم يؤدِّ التقسيم إلى حل الصراع، بل أدى إلى نقله وإعادة تدويره. ومن المؤكد أن تقسيمًا آخر سيكلف ثمنًا أغلى وأكثر فداحة بكثير.

المصدر: فورين أفيرز

علاماتأزمات السودان ، أزمة الاقتصاد السوداني ، الأحزاب السودانية ، الانتهاكات في السودان ، الدعم السريع
مواضيعالاقتصاد السوداني ، الحرب في السودان ، الحصار المفروض على السودان ، الشأن السوداني ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

حسابات الحليف والعدو: إيران بين حماية “حزب الله” وتجنّب مواجهة أمريكا

عماد عنان٩ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

أزمة التعليم العميقة في سوريا وسياسات المرحلة الانتقالية

عبد الرحمن الحاج٩ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

“تايفون بلوك-4”.. كيف تعيد تركيا رسم ميزان الردع في الإقليم؟

زيد اسليم٩ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑